ملف

أهمية العمل المدني في المجتمعات المحلية السورية

أحمد عيساوي

تنتشر في الأدبيات السياسية مقولة “لا ديمقراطية بدون مجتمع مدني”, والمجتمع المدني تعريفا هو مجموعة المنظمات غير الحكومية التي تنشأ لتحقيق خدمات للمواطنيين أو لممارسة أنشطة إنسانية متنوّعة, وتلتزم في وجود ونشاطها بقيم ومعايير الإحترام والمشاركة والإدارة السلمية للتنوع والإختلاف.
في أغلب الدراسات ارتبط العمل المدني بمفهوم التنمية المحلية التي تحدث تغييرا ملحوظا في البنى البشرية والمادية في قرية أو مدينة او أي تجمع سكاني على بيئة جغرافية محددة.

في الحالة السورية تبدو الحاجة إلى تطوير العمل المدني أكثر من ملحّة في ظل غياب الأطر الحزبية الفاعلة وفي ظل استمرار الوضع على ما هو عليه, يخاف قسم كبير من المراقبين من فراغ ستشهده المجتمعات المحلية في مرحلة ما بعد سقوط النظام في حالة مشابهة لما رأيناه في العراق بعد 2003.
بعدما خنق نظام البعث لسنوات طويلة الحياة السياسة في البلاد وحصرها بحزب حاكم وبتفرعاته الشبابية وأضاف إليها إطارات شكلية لاحزاب شيوعية وقومية ملحقة بجبهة يشرف عليها البعث ويديرها كما يريد, تبلورت نشاطات المنتديات وظهرت حركية معينة للمنظمات المدنية في مطلع الألفية الجديدة, تراف ذلك مع وصول بشار الأسد إلى سدة الرئاسة ووعوده بالتغيير والإصلاح والإنتقال الديمقراطي في بنى الحكم.
ما لبث أن عاد الوضع إلى سابقه, فأقفلت المنديات وغابت النشاطات السياسية والندوات الحوارية واستقر الوضع على ما هو عليه في ظل حكم مطبق لأجهزة المخابرات إلى أن عاد العمل المدني ينشط شيئا فشيء مع تجذّر الحراك الشعبي في منتصف عام 2011.

مع استمرار المظاهرات الشعبية وتعنت النظام في رفض مطالب المنتفضين ومقابلة كل تحرّك في الشارع بالرصاص ومع دخول الثورة طورها العسكري وتزايد الجرائم التي ترتكبها الآلة العسكرية للنظام خرج إلى العلن ما عرف ب “لجان التنسيق المحلية” وهي مظلة جامعة لشبكة شعبية عابرة للطوائف, وقد تم إنشاؤها في جميع أنحاء سوريا وذلك في سياق صعب وخطر. وقد حققت لجان التنسيق المحلية نجاحات كبيرة على عدد من المستويات فهي تنظم التظاهرات السلمية وتزود العالم الخارجي بمعلومات حول الجرائم المرتكبة من قبل النظام السوري وتوثق في الوقت ذاته انتهاكات حقوق الإنسان، كما أنها تلعب دوراً هاماً في تقديم الإغاثة والمساعدات الإنسانية.

وعلى المستوى السياسي فقد يُعد من أبهر نجاحات لجان التنسيق المحلية تمكنها من إقناع المجموعات المسلحة تبني وثيقة تضمن سلوك وممارسة الثوار على الأرض بشكل يصون حقوق الإنسان، كما أنها أصدرت بيانات وورقة سياسية هي “رؤية لجان التنسيق المحلية لمُستقبل سوريا السياسي” تضمنت أيضاً رؤية لدولة سوريا المُستقبلية. ولا غرابة في أن لجان التنسيق كونها محرك أساسي للثورة تواجه تحديات كبيرة، ومن المتوقع أنها ستواجه هكذا تحديات أيضاً بعد سقوط النظام الحالي حيث سيكون من أهمها المحافظة على استقلالية لجان التنسيق المحلية وتطوير رؤية سياسية مفصلة وجدية، والمبادرة ببلورة خطاب سياسي جديد معني بالتوصل لحلول ليس فقط للمشاكل الآنية في سوريا كالجرائم المرتكبة من قبل النظام السوري، بل أيضاً، في ما قد يواجه سوريا المستقبل من صعوبات كازدياد الطائفية والعسكرة وكيفية ضمان حقوق الأقليات الدينية والإثنية. ويندرج ضمن هذه التحديات أيضاُ مواجهة القوى الإسلامية المتطرفة ولو أن هذه المواجهة مؤجلة إلى فترة ما بعد سقوط النظام على ما يبدو(أصبحت الحاجة إلى إسقاط هذه الحالات الشاذة بنفسى مستوى الأهمية التي ولّاها السوريون لإسقاط الطغمة الحاكمة) . هذا التحدي الأخير، أي حيثية مواجهة هذه القوى الإسلامية، سيكون له طابعاً محدداً ليس لهوية لجان التنسيق فقط بل للجو السياسي العام ما بعد سقوط النظام.

لا يمكن الحديث عن مجتمع مدني قادر وفاعل دون العودة إلى دولة القانون ووجود المشاركة السياسة وبناء المواطنة وتحقيق الإنتماء الوطني لأن هناك علاقة عضوية ثابتة بين المشروع الديمقراطي والمجتمع المدني.
في المجتمعات السورية يمكن الحديث عن دور عكسيّ للمنظمات واللجان والأفراد التي تبغي العمل الأهلي لأنّ الصيغة الفعلية للدولة غير موجودة والأداة الوظيفية للقانون مهمّشة في سلطة فاسدة تحكم لتسرق وتنهب وتمارس استبدادها. وعليه يبدو انّ العمل الأهلي يأخذ دوره في الهدم والبناء في آن. تلك الوظيفة التسييرية للمعاش من أجل تحقيق كل فرصة متاحة للتأسيس لمرحلة قادمة سيكون لتلك النشاطات اليد الطولى في رسم ملامح أي حراك سياسي او اقتصادي او ثقافي.

لا يمكن مقاربة إشكالية نجاح العمل المدني في المدن والقرى السورية دون العودة إلى النجاح الكبير الذي تحصده الجمعيات والمؤسسات التي تعمل في مجال الإغاثة والخدمات الطبية وتلك التي تسعى جاهدة لتحقيق التوازن في تلبية احتياجات اللاجئين إلى مناطق أكثر أمنا (جرمانا, السويداء, طرطوس..)
بموازاة ذلك لا بدّ من العمل الجدي من قبل قوى الثورة والمعارضة المسلحة على تامين المناطق المحررة عسكريا لبسط سيطرتها وسلطتها فيها طبقا للقواعد والمبادئ والبرامج المطروحة علنا على الملأ, أي إقامة وتفعيل إدارة مدنية تعنى بشؤون السكان في المناطق المحررة, وتلك المهمة لا تقلّ أهمية عن العمل العسكري لانها تهدف إلى فتح مجال لتخليق الحياة العامة في إطار من القيم المشتركة لمجتمع محلي خارج من سطوة الجمود إلى دينامية العمل والتفاعل في صيغ مختلفة.

يواجه العمل المدني والمنظمات المخوّلة القيام بنشاطات أهلية معوقات عديدة خاصة أنّ البيئة السورية تشهد نزاعا عسكريا يمنع العنصر البشري من تأطير الخطوات التنفيذية لأي نشاط أو فكرة مطروحة على شكل برنامج عمل مرحليّ في الفترة الحالية. وتعاني تلك المنظمات من صعوبة تأهيل الأفراد وتأمين كادر حقيقي يمكّنها من تحقيق أهدافها بشكل يسمح لها بالإستمرارية والعمل نحو التطوير والتحديث في ممكنات البحث والعمل.

إنّ الخطوة الأولى التي يجب أن تنتهجها كل الأطر الساعية إلى ترسيخ فكرة العمل المدني في المجتمعات المحلية هي رفع الوعي عند المواطنين وتنبيههم إلى المخاطر التي تحول دون انتصار فكرة الحرية والكرامة التي خرجوا من أجلها وربطها بمفهوم الدولة القادرة على تطبيق القانون وأسس العدالة الإنتقالية خاصة عندما تكون الدولة غير موجودة وظيفيا الا لغاية القتل والهدم واغتيال الوجود الإجتماعي للبشر.
مع تطوّر العمل المدني في سوريا سيكون هنالك فرصة أكبر لممارسة العمل الديمقراطي في الفترة التي ستلي سقوط النظام سواء داخل الأطر التي تشكّل هيئات العمل الأهلي أو من خلال الدعوة للمشاركة السياسية في الحياة العامة (انتخابات بلدية, رئاسية, ..) ومن خلال النشاطات التي ستكسب زخما وتأييدا شعبيا من كل الفئات.

ختاما, لا بد من توجيه التحية إلى أفراد لم ينتظروا أي إطار أو تنظيم مدني للمشاركة في تلبية احتياجات المواطنيين من جرحى ومعوقين ونازحين, فكانوا حاضرين في كل الظروف القاسية في هيئات الدفاع المدني والهلال الأحمر ومؤسسات الإغاثة (الدولية وغيرها) والجمعيات التي تعنى في محو الأمية لاسيما في المناطق المحررة (ريف حلب وريف ادلب..) ومخيمات اللجوء في تركيا ولبنان والأردن.
6 7

برومو الشهيد ناجي الجرف