ملف

المجتمع المدني والتنمية

شمسه شاهين

ارتبط نجاح منظمات المجتمع المدني في التأثير ايجابيا على عملية التنمية بطبيعة الإطار القانوني الذي تضعه الدولة لتنظيم وجود هذه المنظمات وفاعليتهاضمن إطار قانوني منظماً كان أم مقيداً، كما يرتبط الأمر نفسه بمدى استجابة الدولة بمؤسساتها المختلفة للمطالب التي يتقدم بها المجتمع، ومدى جديتها في التعامل معه، فإذا كانت ثمة إرادةٌ جادة للتعاطي معه إيجابيا حصل تغييرٌ كبير على مستوى التنمية المستدامة، بحكم أن المجتمع المدني أكثر قدرةً على الوصول إلى القاعدة الشعبية وملامسة هموم المجموعات المستهدفة، وقد شهدت العقود الأخيرة تزايداً فيالاهتمامبالتنمية والمجتمع المدني نتيجة انتشار النظم الديمقراطية، والعولمة، وانهيار النظم السياسية الشمولية مع التحولات السياسية والاقتصادية التي تشهدها غالبية دول المنطقة.

استُخدم “مصطلح التنمية” بمعانٍ عدة تعكس في حقيقتها مراحل الفكر الاقتصادي ومرجعياته، وهنا نشير إلىأن الفكر التنموي مر بتحولاتٍ كبيرة طرحت مفاهيم عدة واستراتيجيات متباينة، وصولاً إلى(التنمية المستدامة)، والتي يمكن التعبير عنها “الاستفادة من الطاقات والقدرات بأفضل صورة ضمن بيئة غير مستنفذة، لمراعاة حق الأجيال القادمة فيها”، وفي عام 1990 صدرت عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة أولى التقارير عن التنمية، مستدركةً بذلك الوجه الإنساني للتنمية.

تهدف عملية التنمية إلى تحسين نوعية الحياة في المجتمع مع تأكيد المساواة بين الجنسين في العائدات والحقوق والواجبات، وتوجّه اهتمامها نحو المجموعات التي تعاني من الفقر واللامساواة. أي أنها تحقيق قفزةً نوعيةً في كافة المجالات (الاقتصادية– الاجتماعية– الثقافية– السياسية) قياساً لمرحلةٍسابقة، بهدف بناء نظامٍ حضاري متطور قادر على تحقيق الرفاه العام، وذلك من خلال إتاحة الفرص لجميع فئات ومكونات الشعب كي يشاركوا في إحياء المجتمع، وهذه الفرص لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال منظمات المجتمع المدني المتخصصة، وإن تأكيد منظمات المجتمع المدني على حق الإنسان في التنمية، ومشاركتها في إدارة الموارد، يعني أنها تسهم في تكوين نظام للحكم العادل الديمقراطي، ذلك الحكم الذي يعزز ويديم ويصون رفاه الإنسان ويقوم على توسيع قدرات البشر وخياراتهم وفرصهم وحرياتهم، خاصة بالنسبة لأكثر الأفراد فقراً وتهميشاً.

ومن أهم ما طرحه تقرير التنمية البشرية الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة لعام 1999 هو السعي إلىأممٍ متحدة أوسع نطاقاً لإتاحة تمثيل المجتمع المدني فيها، وفي عام 2000 أكدتالأمم المتحدة على أن أي مجتمعٍ ملتزم بتحسين حياة أفراده يجب أن يكون ملتزماً أيضابضمان الحقوق الكاملة والمتساوية لجميعأفراده.

إن تحقيق هذه الأهداف لا يتم دون وجود مجتمعٍ مدني فعال ومؤثر ومنظم، مما يوجب ضرورة تحقيق المشاركة الفعلية للمجتمع المدني في عملية التنمية، وأن على كل فردٍ الإيمان بأهمية توجيه عطائه إلى التنمية، وإتاحة الفرصة لمنظمات المجتمع المدني للعمل على كافة المستويات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، وأن تدخل كشريكٍ هام فعلاً في عمليات البناء؛ خصوصاً وان الإحصاءات توضح زيادة دور منظمات المجتمع المدني في مساندتها للتنمية على المستوى العالمي.

هنالك مجموعة من القضايا تشكل جوهر التنمية، مثل (تحسين نوعية الحياة، وإزالة عبء الفقر، والحفاظ على الموارد وحماية البيئة– تعميم ثقافة حقوق الإنسان، وإزالة كافة أشكال التمييز وتحسين إدارة الحكم والمجتمع) وكلها تستدعي مشاركة المجتمع المدني في هذه العملية.

كما أن هناك عدة عوامل للنهوض بالمجتمع المدني حتى يمكنه الاستمرار والمساهمة الفعالة في التنمية، من أهمها:

1-تعزيز الديمقراطية وتمتع المواطنين بكامل الحقوق والحريات دون تمييز، فقدرة المجتمع على العمل بفاعلية نحو التنمية تزداد مع ازدياد مساحة الديمقراطية.

2-الإيمانبأن الشعب مصدر السلطات، متمثلاً بالمنظمات والمؤسسات والتجمعات، لغرض المساهمة في الرقابة على الدولة والمجتمع.

3-توفير مستلزمات عمل المنظمات المدنية لتمارس دورها الفاعل في تشخيص الظواهر السلبية والعمل على تجاوزها.

4-الاعتراف رسمياً بإشراك منظمات المجتمع المدني في لجان الاستشارة وصنع القرار لتحقيق الديمقراطية وتعزيزها.

5-إسهام المجتمع المدني في التنمية من خلال المشاركة المباشرة وغير المباشرة في مفاصلها وبرامجها.

لا يمكن لشعبٍ مقيد ومحروم من أبسط حقوقهأن يسهم في عملية التنمية وبناء البلد، ولا يمكن أن تتحقق التنمية بدون حريةٍ حقيقية، فالحرية هي الوجه الآخر للتنمية، وليس هنالك حريةٌ حقيقية بدون حكمٍ ديمقراطي، وليس هناك حكم ديمقراطي بدون مجتمع مدنيّ فعال، وبعبارةٍأدق فان التنمية لن تتحقق في ظل حكمٍ مركزي شمولي، أو من خلال قطاعٍ عام موبوء بالفساد.

لا تنمية حقيقية إذا كانت ثمار التنمية تعطى،أو كانت توفر فرصاً لفئة دون غيرها من فئات الشعب. وحتى تكون الحرية وجهاً للتنمية فهذا يعني أنه يجب أن يكون لكل تكوينات المجتمع، دون تمييز، حقها البديهي في أن تكون طرفاً مشاركاً في عملية التنمية، وهذا يستدعي أن توجِد تلك الجماعات تكوينات تنظم أنشطتها، وتوحد تصوراتها، وترسم لها سُبل حركتها باتجاه حقوقها وتَحقق حريتها.

إن تطبيق التنمية في مجتمع عانى أبناؤه الكثير من الظلم والقمع في مراحل طويلة من تاريخه –كالشعب السوري-، يتطلب إطلاق المواهب، وتوفير جو منالديمقراطية يسهم في إنماء روح المثابرة والتسامح، فعمل المنظمات المدنية يشكل نواة العملية الديمقراطية داخل المجتمع، والمساهمة في تطوير الوعي بأهمية الديمقراطية وحقوق الإنسان والوعي البيئي في العديد من المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والسعي لدى المجتمع والدولة لتثبيت هذه القيم.

نحن في سوريا الآن أمام ظاهرةٍ حضاريةٍ جديدة؛ هي بروز منظمات المجتمع المدني، فقد برزت هذه الظاهرة في مجتمعٍ لم يعرف من قبل أية ثقافةٍ للمجتمع المدني، وأي نوع حقيقي لمنظمات غير حكومية، بسبب الاستبداد وثقافة الرأي الواحد والحزب الواحد، وبعد ثورة آذار2011 وتطورها من “سلمية” إلى” مسلحة” كانت هنالك بالمقابل ثورة مدنية ظلت ملتزمةً بنهجها، كما وظهرت العديد من المنظمات المدنية التي تحتاج إلى الكثير من التدريب والتمرين وتفاصيل الإدارة والقيادة والمؤسساتية، لتكون في الكل جزءاً موجها نحو تنمية المجتمع.

إن أغلب منظمات المجتمع المدني تعمل في المُدن وتفتقر القرية إليها، ومن أجل أن تعرف معنى استراتيجية الفقر وتنمية المرأة، لابد أن لا يرتكز عملها في المدن فقط، بل أن تعمل في المناطق الريفية أيضاً، وخاصةً في المناطق البعيدة والنائية. ومن المهم ان تتحول هذه المنظمات إلى شبكات وصمامات أمان تحد من الآثار السلبية للتحول نحو اقتصاد السوق لكي لا تكون تلك الآثار بمثابة معوقات للتنمية.

وبالنتيجة فإن منظمات المجتمع المدني تستطيع أن تسهم في التنمية إسهاما حقيقياً إذا نجحت في بناء الوعي التنموي واستقراره وتوظيفه من خلال مشاركة حقيقية وفاعلة في العملية التنموية، وإذا نجحت في تكريس العمل الجماعي، والابتعاد عن الأنانية الفردية.

 

المصادر:
1- اليونيفم – مسرد مفاهيم ومصطلحات النوع الاجتماعي – صندوق الامم المتحدة الانمائي للمرأة – مكتب غرب اسيا – 2000 .
2- تقارير التنمية البشرية الصادرة عن البرنامج الانمائي للأمم المتحدة للأعوام ( 1993 و1999 و 2000 ).
3- د. آمال شلاش – احتياجات مؤسسات المدني في العراق – مجلة دراسات اجتماعية – العدد 36 – 2004 .
4- د. آمال شلاش – التنمية البشرية المستدامة – دراسات في التنمية البشرية المستدامة – بغداد – 2000 .
5- ديندار شيخاني، منظمات المجتمع المدني والتنمية.

7 8

برومو الشهيد ناجي الجرف