ملف

التنسيقيات، مشروع دولة يحتضر

وائل زكي زيدان

كان ظهور ما يُسمّى بالتنسيقيّات الذي ترافقنشوؤها مع تصاعد حركاتالاحتجاج في سورية أمراً جديداً وطارئاً، استدعتهُ وساهمت بتشكيلهِ الظروف والوقائعالميدانية على الأرض، وبدأت تلوحُ-بالنسبة لي على الأقل- بوادر ثورةٍ جديدة في عالم النُظُم والإدارة،كان من شأنها أن تكون هي البديل،لا عن الدولة المدنية الغائبة فحسب، وإنما عن الأسلوب الكولنيالي الذي يُدار به البلد منذ عقود. والذي يضفي أهميةً بالغة على هذه التجربة السورية الخالصة والمسمّاة(تنسيقيّة)،ليس لطابعها الأهلي والشبابي فقط، وإنما قُدرتها على التكوّن في الأحياء والقرى النائية،وعدم الاكتفاء بتنسيقيّة المحافظة، لدرجة أننا كسوريين صِرنا نسمع بأحياء وقرى لم نكن نعلم بوجودها في الأصل، الأمر الذي أفضى إلى حالةٍ من الربط والالتفاف الشعبي نقيضةًتماماً لحالة تقطيع الأوصال التي كان ينتهجها النظام الديكتاتوري ضد المجتمع السوري قبل الثورة.

كنّا أمام تجربةٍ ذات طابع مدني فريد، راحت تنضج وتتبلور على مهلٍ في ظروفٍ مستحيلة من قصف عشوائي وغيره، وكانت الفرصة سانحةً لهذه التجربة لكي تستفيد من العقبات والأخطاء بتطوير وترميم نفسها بنفسها،ولتسفر في النهاية عن شكل جديد ومُبتَكَر في نظام الحكم هوأعمّ وأشمل من أسلوب النقابات. شكل لم يخطر حتّى على بال أنطونيو غرامشي.

إن كلِمَتَي تنسيق وتنسيقيّة، تَستبعدان في معانيهما ومدلولاتهما أيّة إشارة لنظامٍ هَرَمي مُحتَمَل، بل على العكس من ذلك، إنها كلمات تسطَع بثقافة العمل الجماعي وقيم التعاون، ويدخل في صميم تكوينها العمل الطوعي والمبادرة الشخصية التي تتصف بها كل الجمعيات المدنية في العالم. بينما النقابة عملياً / Syndicata/ تعني الرئاسة، ومنها نقيب الأطباء ونقيب المعلمين، ويقال لكبير القوم نقيباً أو رأئيساً أو عقيداً. إضافةً لذلك فإن النقابات تقتصر على مطالب إقتصادية وإصلاحية وتضع شرائح المجتمع الأخرى خارج نطاق عملها.

بدأت التنسيقيّات كحالةٍ إعلامية وتنظيميّة للمظاهرات، ثم توسّع دورها لتأخذ على عاتقها الجانب الإغاثي،بل وقامت منذ بواكيرها بمدّ اليد للناس الموجودين على الطرف الآخر، أي المنضوين تحت هيمنة النظام بهدف تحقيق الاندماج الاجتماعي بين أطياف الشعب السوري ومختلف شرائحهِ، فما الذي حدث؟.

انتقال الثورة في سورية إلى العمل المسلح غير المؤسساتي،كان من أهم العوامل التي أضعفت التنسيقيّات وحدّدت آفاقها الإدارية المُحتملة، ورويداً رويداً أوقفت تنامي طابعها المَدَني لتقتصر في النهاية على لعب دور الإعلام الحربي لصالح هذا الفصيل المقاتل أو ذاك.

ولا يغيب عن الذهن حرص النظام على اصطياد نُشطاء التنسيقيّات بالذات وتصفيتهم، ثم سيشاركهُ في هذا – فيما بعد- فصائل إسلامية راديكالية الاتّجاه والمضمون.وعلى خلفية هذا الانكشاف، ستغادرمعظم الطاقات المدنية العاملة في التنسيقيّات إلى دول الجوار لتخسر الثورة ما يمكن تسميتهُ بتجمّعاتٍأهلية ومدنية ناشئة.

العامل الثاني الذي أدّى إلى إضعاف التنسيّقيات هو تجاهل المجلس الوطني ومن بعدهِ الائتلافلأهميتها،وانتهاج سياسة عدم الاكتراث بالقوى الناظمة للداخل، فراح يتعاطى مع الوضع ككل على أنه آنيّ،لذلك رأيناه يدعم حالةًأخرى باهتةً ومؤقتةً كوصفة /المجالس المحلية/، وهي مكاتب في المناطق المُحرّرة لكل مكتب مهمة خَدَميّة سرعان ما هيمنت عليها القوى المسلّحة،ومازلت حتى اللحظة عاجزةًوتعاني من الانفراط السريع، وهي وإن نجحت في التراكب بمنطقةٍ ما ستجدها فاشلةً بإدارة أي شيء في تلك المنطقة، ناهيك عن تسييسها الذي وجّه لها الضربة القاضة، لأن أي تجمُّع مدني يجري تسييسهُ يفقد آلياً صفة العمل المدني المتعارف عليه.

والمراقب لبداية تكوين التنسيقيّة وتكوين تلك المجالس سيلاحظ أن التنسيقيّة تستدعي وبمنتهى العفوية أي كفاءةٍ وخبرة إليها، بينما المكاتب تستبعد هؤلاء وتختزل المسألة كلها بصراع عدة أفراد على الزعامة، علامتهم الفارقة أنهم يَتْبَعون لفصيل مسلّح قوي بشكل أو بآخر. والتنسيقيّة هي نتيجة تظافر جهود الناس بعضهم مع بعض، واشتراكهم في توفير خدمات أساسية بينما المجالس ذات بنية هَرَميّة يعود فيها الناس إلى بيوتهم في انتظار فردٍ يترأس هذا المكتب أو ذاك ليوفّر لهم الخدمات!، أي أننا مرّةً أخرى سقطنا فيحفرة السيّد والعبد.

مع احتضار التنسيقيّات في الداخل، ولِدَت عشرات المنظمات المدنيّة في الخارج، والتي أُتيح لكوادرهاتدريبات ومراكز تأهيل على يد منظّماتٍ عالمية مرموقة، أي أنها فرصة أخرى قد لا تتكرر للشباب السوري كي يستفيد من أهم التجارب، وهي على ما هي عليه الآن من تشرذمٍ وإرتباك، يمكن الاشتغال عليها والمراهنة كونها حصاننا الأخير، لكن طول الزمن جعل قوّة الناس في الداخل السوري تضمحلّ وتتحوّل بسبب التسيييس والعَسْكَرة إلى بيئةٍ لافظة لأية حالةٍ وافدة من الخارج، فالمسافات تتّسع وتتشكّل حالة من الاغتراب، وإن بقيت الأمور تسير بهذا الاتجاه فبرأيي أننا سنكون أمام مستقبلين بدل مستقبلٍ واحد، وهو أمرٌ لن يحدث لو عدنا لضخ الأمل في فكرة التنسيقيّة.

9

برومو الشهيد ناجي الجرف