حصيدة

الجمعيات الخيرية تنقذ حلب من المجاعة في ظل رقابة أمنية شديدة

عثمان إدلبي – حلب

في ظل الحصار الذي تعاني منه حلب والأزمة المعيشية الخانقة التي تكوي المهجرين والنازحين إلى مناطق النظام تمد بعض الجمعيات الخيرية يد العون للمحتاجين بإمكانيات بسيطة وبجهود بعضٍ من المتطوعين الذين يقومون بعمل إنساني بحت بعيدا عن التوجهات السياسية والطائفية, طوابير المحتاجين أمام أبواب الجمعيات في حلب تعكس حجم المعانات والفقر والعوز المادي الذي تعاني منه أعداد كبيرة من النازحين, ولهفة المتطوعين لكي يوصلوا المساعدات للمحتاجين والنازحين الجدد تصور مشهدا إنسانيا جميلاً.

الجمعيات الخيرية في حلب تشتكي من شح الدعم
يوجد في حلب أكثر من خمسة عشر جمعية خيرية وإنسانية تتبع أغلبيتها للهلال الأحمر السوري فيما تأخذ بعض الجمعيات الأخرى دعمها من تجار ورؤساء أموال سوريين, يوجد في كل جمعية مكتب رئيسي يتفرع عنه مراكز توزيع فرعية ومستوصفات طبية في بعض الأحياء ومعظم المكاتب الرئيسة للجمعيات كائنة في المدينة الجامعية التي تأوي أعداد كبيرة من النازحين وهناك مكاتب أخرى في سوق الإنتاج الكائن في حي المحافظة, تتفاوت فعاليات هذه الجمعيات تبعا لحجم الدعم الذي يقدم لها والى تعداد كادر العمل والمتطوعين في الجمعية فتعتبر جمعية أهل الخير من أكثر الجمعيات فعالية في حلب والتي تقدم معونة أسبوعية لأكثر منألفي عائلة وتملك كادر كبيرا من المتطوعين يقدر بحوالي ثمانمائة شاب وشابة, كما تعد جمعية الإحسانالخيرية من الجمعيات الفاعلة فهي إضافة للمعونات والمساعدات التي تقدمها للمحتاجين فهي أيضا تهتم بالناحية الإنسانية حيث يقوم فريق من الشبان وبشكل مستمر بزيارة الأماكن التي تأوي النازحين ويقومون بزيارة المدارس لكي بتابعوا تعليم الأطفالكما يحاولون أخراجهم من جو الحرب عن طريق المسابقات والحفلات, وهناك البعض من الجمعيات التي تشتكي من قلة الدعم كجمعية مبادرة وطن وجمعية من اجل حلب والتي تبرر ضعف فعاليتها لشح المواد والمساعدات التي تصلها, ويقول وائل وهو احد المتطوعين في جمعية مبادرة وطن “تعتمد جمعيتنا على المساعدات الضئيلة التي ترسلها المنظمات العالمية كاليونيسف ومنظمة الغذاء العالمي والتي لا تتكافأ مع أعداد النازحين والمحتاجين في المدينة, كما نعاني من الانقطاع المستمر للطريق والذي يقف في وجه وصول المعونات ألينا”

أدى النزوح الكبير إلى داخل مدينة حلب إلى كثافة سكانية وإلى رفع نسبة البطالة والى حالة من الفقر والعوز المادي مما جعل الكثير العائلات التي نزحت من بيوتها والتي لم تنزح أيضا تعتمد وبشكل رئيسي على المساعدات التي تقدمها الجمعيات الخيرية في حلب, حيث ازدادت فعالية هذه الجمعيات مع ازدياد أعداد النازحين, تعمل أغلب الجمعيات في حلب بآلية واحدة في توزيع مساعداتها وتقوم جميع الجمعيات بتوزيع المساعدات التي تنحصر في المساعدات الغذائية والمنظفات كما تقوم هذه الجمعيات بتوزيع البطانيات والفرشات للنازحين الجدد ولمرة واحدة, وتعتبر السلة الغذائية بالنسبة النسبة للنازحين هي المعونة الأهم حيث توزع سلة غذائية واحدة لكل عائلة وبشكل أسبوعي وتحتوي هذه السلة على بعض علب الفول وعلبتي زيت وخمسة كيلوات من السكر ومثلها من الأرز والعدس إضافة إلى علبتي معكرونة, وتقوم بعض الجمعيات بشراء كميات كبيرة من الخبز وتوزعها بشكل مجاني ولجميع الناس وبشكل شبه يومي, وتقول أم نجيب “عائلتي مؤلفة من عشرة أشخاص ويعطوننا سلة واحدة أسبوعيا والتي لا تكاد تكفينا ليومين, ولا يوجد أي جمعية تقدم مبالغ مالية للنازحين فهناك مستلزمات أخرى علينا شرائها غبر الطعام”
آلية عمل الجمعيات الخيرية لا تنصف المحتاجين
تعاني الجمعيات والمؤسسات الخيرية في حلب من خلل في توزيع المساعدات لعدم استطاعة المسئولين عن التوزيع التمييز بين المحتاج وغيره مما ولد عشوائية في العمل وبالتالي لم تصل المعونة إلى مستحقيها, كما أصبحت بعض النقابات المهنية والعمالية تقاسم الجمعيات على المعونات والمساعدات التي تصل إلى حلب كنقابة الأطباء ونقابة الصيادلة والتي تأخذ حصص شهرية من المساعدات لكي توزعها على الأعضاء المسجلين في هذه النقابات, ويقول مصطفى وهو من أبناء حلب “أصبح الأغنياء في حلب يأخذون مساعدات أكثر من الفقراء كون الأغنياء لديهم معارف ووساطاتكجاري الطبيب الذي أراه كل أسبوع يخرج من سيارته الفخمة كمية كبيرة من المساعدات التي يأتي بها من نقابة الأطباء مع انه ذو أحوال مادية جيدة ولا يحتاج للمساعدة, فالبعض من الناس تعتبر أن أخذ المساعدة من الجمعيات الخيرية هو مكسب مادي دون التفكير بالأسر المحتاجة التي هي بأمس الحاجة لهذه المعونة”
يشتكي البعض من المحتاجين من الآلية التي تتبعها الجمعيات الخيرية في توزيع معوناتها ومن المعاير التي يتخذها المسئولين في الجمعيات لتقييم حاجة الأسر والعائلات النازحة كما يشتكي البعض من عدم قدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للأسر المحتاجة التي تفتقد للمعيل وليس لديها دخل, كما يقوم بعض المسئولين في الجمعيات الخيرية بتوزيع حصصا من المساعدات إلى أقربائهم ومعارفهم,وتقول أم رامي “لم أتمكن من تسجيل أسمي في إحدى الجمعيات لكي أحصل على معونة أسبوعية لأنني لا املك وساطة وليس لدي معارف في هذه الجمعية”, وهناك جمعيات أخرى تعتمد مبدأ الكشف على أماكن سكن النازحينوالمحتاجين لكي تقدر مدى حاجتهم للمساعدة, ويقول معتز وهو أحد المتطوعين في منظمة الهلال الأحمر “عندما يقدم إلينا المحتاجون طلبا للحصول على معونة ترسل المنظمة لجنة مصغرة مؤلفة من شابين أو ثلاثة للإطلاع والكشف عن مدى حاجة الشخص ولكي تقدر كمية ونوع المعونة التي يجب أن تقدم له”
المتطوعون أساس كوادر العمل في الجمعيات الخيرية
تعتمد معظم الجمعيات الخيرية في حلب على الشبان والشابات المتطوعين فنسبة الموظفين في هذه الجمعيات هي ضئيلة جدا وتقتصر على الموظفين الذين تندبهم الدولة إلى هذه الجمعيات, واغلب الجمعيات تملك كوادر ضخمة من المتطوعين يستطيعون أن يغطوا كافة المهام والإعمال التي تقوم بها الجمعية, وتتميز اغلب الجمعياتبجو التآلف والتعاون الذي يفوره المسئولين بين المتطوعين والذي جذب أعداد أكبر من الشبان لكي يبادروا بالتطوع في هذه الجمعيات هذا الجو الذي يخلو من النقاشات والخلافات السياسية, وتقول لمى “يوجد في جمعيتنا شبان وشابات معارضين للنظام الحاكم وهناك آخرون مؤيدون له ولكن الجميع يعتبرون العمل الذي يقومون به هو عمل أنساني بحت بعيد عن السياسية والانتماءات الطائفية”
الرقابة الأمنية تعرقل عمل الجمعيات الخيرية
عقبات ومعوقات كثيرة تقف في وجه إيصال المساعدات والمعونات إلى مستحقيها ومن أبرز هذه العقبات هي الرقابة الأمنية الصارمة التي تطبق على الجمعيات الخيرية العاملة داخل مدينة حلب, حيث تطلع الأفرع الأمنية وبشكل دوري على برنامج عمل ونشاطات الجمعيات كما يوجد خطوط حمراء لا تسطيع هذه الجمعيات تجاوزها وذعت من قبل ضباط من الامن حيث يعتبر إيصال المساعدات للمناطق المحررة من الممنوعات كما تمنع الأفرع الأمنية تقديم المساعدات للأشخاص الساكنين في المناطق المحررة حتى ولو أتوا بأنفسهم لاستلامها, ويقول محمود وهو من المتطوعين في إحدى الجمعيات الخيرية “أن المجلس البلدي التابع للمحافظة هو من يستلم المساعدات التي تقدها المنظمات العالمية, ويمنعالمجلس البلدي إيصال المساعدات للمناطق المحررة وعندما تصل المساعدات إلى جمعيتنا يأتينا كتاب أمني يمنعنا من إدخالأي مساعدات للمناطق المحررة أو حتى إعطائها لأي شخص يسكن في تلك المناطق”

ويعتبر فرع امن الدولة في حلب هو المسئول عن عمل الجمعيات والمؤسسات الخيرية كما قام هذا الفرع بتعيين مندوبين له في كل جمعية لكي يراقبوا عمل الجمعيات, ومن مهام هؤلاء المندوبين أن يمنعوا الجمعيات من توزيع المساعدات للنازحين الذين هم من عائلات يوجد فيها معارضين حملوا السلاح في وجه النظام, ومن مهامهم أيضاأن يوشوا إلى رئساهم عن التجاوزات الأمنية التي يقم بها المسئولين والمتطوعون في الجمعيات, حيث تم اعتقال عدد من المتطوعين والمسئولين في الجمعيات واعتقل اغلبهم بتهمة إيصال المساعدات لسكان المناطق المحررة وكان من ابرز المعتقلين رئيسة جمعية أهل الخير التي اعتقلت في بداية هذا العام مع اثنان من معاونيها, ويقول محمود “لم نعد مرتاحين في العمل فكل شخص في جمعيتنا معرض للاعتقال في أي وقت, فهناك شخص يدعي بأنه متطوع مثلنا ولكن الجميع يعرفه بأنه مندوب للأمن, حيث يحاول هذا الشخص فتح الأحاديث السياسية لمعرفة توجهات العاملين في الجمعية ومن هم المتعاطفون مع سكان المناطق المحررة, فهذه الرقابة الأمنية الصارمة انعكست على أداء المتطوعين وجعلت البعض منهم ينسحب خوفا من الاعتقال مما أضعف كادر العمل في جمعيتنا وأضعف من فعالية الجمعية بشكل عام”
توزيع المعونات للمحتاجين مرتبط بخطة أمنية ممنهجة
يتفاءل أهالي حلب عندما يرون الشاحنات الكبيرة وهي تدخل المدينة محملة بالمساعدات والمعونات ولكنهم يفاجئون بالكميات التي توزع منها, ويتهم البعض منهم المسئولين في الجمعيات بعدم توزيع المساعدات إلى مستحقيها, ويقول أبو فاروق وهو من أهالي حلب “رأيت بأم عيني سبعة شاحنات ضخمة تدخل إلى سوق الإنتاج والتي تكفي لإغاثة جميع النازحين والمحتاجين في حلب وعندما أتيت بعد يومين إلى السوق لكي أأخذ معونة من إحدى الجمعيات قالوا لي لم يبقى لدينا معنونات, ليخبرني بعدها أحد أصدقائي بأن الجمعية لا تستطيع توزيع المعونات حتى يأتي إليها أمر من فرع امن الدولة واخبرني بأنه حتى توزيع المعونات مرتبط بخطة أمنية ممنهجة”

يعترف البعض من المسئولين في الجمعيات بتقصيرهم الشديد في تلبية حاجات النازحين والمحتاجين ويعترفون أيضاإن بعض المعونات تذهب لغير المحتاجين ولكنهم يبررون ذلك بأنهم ليسوا المسئولين الوحيدين عن توزيع المعونات, وإن رجال الأمن والشبيحة والمتطوعين في كتائب البعث يمتلكون سلطة يستطيعون بها الحصول على المساعدات من أي جمعية وفي أي وقت ويستطيعون أني فرضوا على المسئولين في الجمعيات أعطاء أقربائهم ومعارفهم معونات ومساعدات دون الاطلاع أو السؤال عن أوضاعهم, ويقول فراس وهو مسئول عن توزيع المعونات في أحدى الجمعيات “يأتي إلينا الكثير من الشبيحة الذين يصطحبون أقربائهم ويأمروننا بأن نخصص لهم معونات فننضر لأن نعطيهم لكي نتقي شرهم, وفي بعض الأحيان يأتيألينا عناصر من الأمن ويدعو بان لديهم محتاجون ويريدون معونات لهم”
المعونات الغذائية تعرض للبيع في أسواق حلب
يعتبر البعض من الناس المعونة التي تقدم من قبل الجمعيات مكسبا ماديا كما أصبحت تجارة للبعض الآخر, حيث يقوم البعض من الناس بأخذ معونات غذائية من أكثر من جمعية ويقومون ببيعها في الأسواق, حيث تنتشر في أسواق حلب المواد الغذائية التي وضع عليها لصاقة اليونيسيف أو لصاقة منظمة الغذاء العالمي والتي كتب عليها غير مخصصة للبيع ولكنها دخلت للأسواق عن طريق بعض الأشخاص الذين يستغلون المساعدات التي خصصت للمحتاجين, ويقول أبو رائد وهو صاحب محل لبيع المواد الغذائية “يقع محلي بالقرب من مقر إحدى الجمعيات فيأتي إلي كل يوم العديد من الأشخاص الذين يعرضون علي شراء كراتين المساعدات الغذائية وبنصف قيمتها ولكنني ارفض أن اشتري منهم, ولكن يوجد العديد من أصحاب المحلات الذين يشترون هذه المواد كونها رخيصة الثمن ويقومون بنزع اللصاقات من عليها ويقومون ببيعها”

20 21

 

 

برومو الشهيد ناجي الجرف