حصيدة

مهارات سورية على أراضيٍ تركية

نوار خليفة

لكلٍ قصته، ولكلٍ أمل تجدّدٌ في الحياة. آلاف القصص السورية المؤثرة في معاناتها وإرادتها، والنتيحة واحدة: وهي أن جميع أصحابها يعيشون في هذا العالم غير العادل، يستمرون في الحياة وفي المقاومة. هنا حيث للغني والظالم مكان، أما الفقير والمظلوم فتبقى له الأحلام التي ربما، ربما تتحقق ذات يوم..

إحدى أكثر قصص التغريبة السورية قوةً وحماسة، قصة نساء سوريات خرجن نازحاتٍ من سوريا هاربات من قصفٍ جائر وسط شحٍّ مدقع في أبسط مقومات الحياة.

نجلاء وصديقاتها، تعرفتُ عليهن مصادفةً خلال السنة الماضية في مدينة كلس التركية، التي يفصلها عن الأراضي السورية أربعة كيلومترات، نزحن إليها آملاتٍ أن يجدن ظروفاً أفضل، حيث لم يلعب الحظ إلى جانبهن، واصطدمن بالواقع المر الذي يعيشه معظم السوريين: لا عمل، لا مأوى، ولا طعام.

تحدثنا نجلاء بأن مشاهد النساء اللواتي يقفن في طوابير للحصول على رغيف خبزٍ هزتها كثيرا، أكثر من مشاهد أخرى قد تحرّك العواطف. النساء اللواتي يبحثن عن لقمة يُعِلن بها أبناءهن، حسرتهن وبكاء الأطفال عند اكتشاف أن ما توزعه المنظمات الإغاثية رغم ندرته أصلاً، لم يعد متوفراً ولم يعد لدى هذه الجمعيات ما تقدمه لهن.

بعد أن عقدت نجلاء مقارنةً بين وضع المرأة في سوريا من قبل، وما آلت إليه حالها الآن في ظل هذا التشرد، وحيدةً دون زوجٍ أو أخٍ أو معيل، حيث الرجال بقوا في سوريا للقتال وحماية الديار، قررت أن تصنع شيئا صغيراً تستفيد منه النساء. ورشة لصنع ملابس من الصوف. خطوةٌ جديدة للسوريات في كلس علّها تعود عليهن بالمنفعة المادية والثقة بالنفس.

اختارت نجلاء هذه المهنة ضمن إمكانيات وخبراتٍ قليلة متوفرة، حيث وجدت أحد الأتراك الطيبين، الذي وافق على منحهن مبلغاً من المال كدينٍ يوفى لاحقا، وبما يكفي لشراء الصوف ومستلزمات العمل الأولية لانطلاق الورشة.

عملت النساء في هذا المشروع الصغير متحدياتٍ قلة الخبرات ووضع مدينة كلس الاقتصادي غير المزدهر، إذ إن كلس تفتقر في الأصل إلى الأسواق الكبيرة، وتتميز ببساطة دورة الإنتاج والاقتصاد فيها.

صنعت النساء موديلاتٍ جميلة من الملابس التي تتنوع أشكالها وألوانها، وأيضا القبعات الشتوية التي تحمل ألوان علم الاستقلال في إشارةٍ منهن إلى المواظبة على المسير بثباتٍ نحو إسقاط النظام المجرم ونيل الحرية والكرامة رغم كل الآلام.

أرادت نجلاء وزميلاتها أن يفتتحن معرضاً يعرضن فيه ما صنعن من ملابس الصوف، لكنهن اصطدمن بعائقٍ بيروقراطي يتعلق بعدم قدرتهن على الترخيص للمعرض وافتتاحه دون موافقاتٍ من المعنيين في الحكومة التركية.

لكن هذا لم يوقفهن أو يفتُتْ في عَضُدِهِن، حيث ذهبنَ إلى الوالي في المدينة وأخذن الموافقة بعد شرح المسألة برمتها، وحضر الوالي بنفسه افتتاح المعرض، وتمّ فيه بيع بعض المنتوجات، وقد أعطيت النساء العاملات كامل أجورهن، وأعادوا مبلغ رأس المال الذي ابتدأن به إلى الرجل التركي الكريم الذي موّل انطلاقة المشروع.

ولقي المعرض إعجاب وتقدير وتشجيع عموم زواره، وهذا ما دفع النساء السوريات لتكرار هذه التجربة الناجحة لافتتاح مشغلٍ جديد خلال العام الجاري.

وتطمح النساء الحائكات في مدينة كلس إلى تطوير العمل باتجاه إقامة دوراتٍ تدريبية على مختلف المهن اليدوية، كالخياطة وتجميل السيدات وغيرها من المهن التي قد تعيد للمرأة السورية شيئا من إحساس الثقة بالنفس والقدرة على تحدي مصاعب الحياة، وهو شعورٌ افتقدته مع بداية مأساة اللجوء.

العودة إلى ممارسة الحياة اليومية بشكلٍ طبيعي وبكرامة ورؤوس مرفوعة، بعد كل الصعوبات التي واجهتها تلك النسوة، هي المكسب الأول بالنسبة لهن من كل ما حدث.

وتطمح النساء إلى توسيع معرضهن في هذا العام ليشمل بعض المدن التركية المجاورة، في خطوةٍ تهدف لإيجاد مجالاتٍ أرحب للعمل، وبهدف استقطاب المزيد من السوريات والسوريين في المستقبل لهكذا وسائل فعّالة في العمل الجماعي التضامني.

23

 

برومو الشهيد ناجي الجرف