حصيدة

أطفال في زمن البارود

عزة سليمان

لا تكاد تمشي في شوارع المدن المحررة إلا وتلاحظ انتشار المظاهر المسلحة بكثرة، من رجال الجبهات إلى سيارات تحمل بي كي سي، وأخرى تحمل ذخائر وأسلحة، إلى بسطاتٍ لبيع الأسلحة غير المرخصة من الجهات المسؤولة في المدن المحررة، وليس من الغريب أن تجد طفلاً يبيع على إحدى البسطات.

فالأطفال يشهدون بشكلٍ يومي الأحداثَ المسلحة من اشتباكاتٍ وغيرها، وأعقب ذلك بروز ظاهرة الأطفال المسلحين والذين يتطوعون للجهاد على الجبهات، ويجدون صدراً رحباً لاستقبالهم من قبل بعض الفصائل العسكرية، وغياب الرقابة التي تحول دون وصول السلاح إلى أيادي الأطفال، حيث أصبح السلاح لعبتهم المفضلة، وهنا الطفل عبد الحفيظ والذي نزح من حمص يقول: “صرت بحب شيل سلاح من أول ما صارت الثورة، لأن بيعجبوني الكتائب يلي عم بدافعو عنا”، في مدينة منبج يحدث أن تجد أطفالاً يتجولون في الشوارع ويحملون أسلحةً حقيقية يتدربون على استعمالها وأطفالاً على الحواجز، وآخرين يشاركون في الجبهات، حيث تعبر إحدى الفتيات عن أسفها لهذه الحالة: “وجود المظاهر المسلحة في كل مكان مشكلة، وهالشي عم بيأثر عالأطفال لحد كبير، ومسؤولية الأهل إخفاء هذه المظاهر في البيت عن الطفل، والواجب إبعاد الأطفال حتى عن شراء الألعاب يلي بتشبه الأسلحة، والانتباه إلى البرامج يلي عم بشوفها الطفل، ونبعدو عن المشاهد الدموية، وبنوصل للطفل أهمية الروح الإنسانية والحرص على عدم هدرها”، حيث سبب حمل الأطفال للأسلحة وانخراط بعضهم في العمل العسكري حدوث أخطاءٍ جسيمة؛من قتلٍ بالخطأ،

إلى ردود فعلٍ انتقامية، وصولاً إلى أن يؤذي الطفل نفسه نتيجة لعدم خبرته، فالسلاح يحتاج إلى وعيٍ لاستيعاب طرق استخدامه ومحظوراتها، إضافةً إلى ابتعادهم عن المدرسة وتدني عدد الأطفال الذين يرتادون المدارس ، ويحدثنا الدكتورمحمد نور الحاج حسن وهو أخصائي نفسي:

“مجتمع شرقي رجولي حيث كان الأطفال قبل الأحداث يلعبون بالمسدسات غير الحقيقية ولكن وجودها حالياً كأمر واقع يجعل المعادلة مختلفة “الطفل مقلد” يحاكي أفعال الكبير ، فإذا كان الوسط المحيط بالطفل على قدر من الوعي سيكون التأثير خفيف ، أما إذا كان المحيط يتفاخر بالسلاح سيتحول الطفل إلى مجرم “للبيئة دور أكبر من الوراثة” ، قساوة الحياة تؤدي إلى إنسان مجرم ويلعب المحيط دور في ذلك (الأسرة –المدرسة –الحي…)، ومثال ذلك كلمات الأمهات “ابني بس تكبر رح تصير مجاهد كبير وو..”، فهذه الكلمات من سلبيات المجتمع الشرقي حيث يفترض أن تبدأ هذه الأمور في سن المراهقة”.

من الصعب إلغاء هذه المظاهر بشكلٍ كلي، وإنما يمكن الحد منها كمظاهر وكنتائج ولو بشكلٍ جزئي، ويساعد وعي الأهالي في التخفيف من أثرها قدر الإمكان، وإعادة توجيه الأطفال إلى الطريق الصحيح والتأكيد على أهمية دور الجهات المسؤولة في المدن المحررة،من مجالس عسكرية في السيطرة على هذه الظاهرة ،ووضع شروط وقواعد للانتساب إلى صفوف المجاهدين، وضبط التواجد المسلح في المدن، والتنسيق مع المجالس المحلية من خلال إعادة الأطفال إلى مدارسهم وتشجيعهم على اقتناء الألعاب التعليمية والتفاعلية بدلاً الألعاب الشبيهة بالأسلحة.

السلاح نزع الأمان من قلوبنا، والذي سيعود بنزع السلاح من شوارعنا.

24

برومو الشهيد ناجي الجرف