حصيدة

ليطمئن قلب أمي

جمال حسون

عندما سمعت أمي من جارنا أن مشروع بالأخضر يقوم بتوزيع مواد إغاثية في بلدتنا كفرنبل، عن طريق المجلس المحلي، كان اليوم الأول قد مضى، أرسلتني في اليوم التالي ووفقت مع الذين ينتظرون دورهم، إما أن تأخذ سلة غذائية أو فراشين وأغطية، عدت يومها حاملا سلة  غذائية، فرحت كثيرا خاصة وأن ما أجنيه من بعض الأعمال المتفرقة لا يكاد يكفينا الخبز، لكنها في اليوم التالي أصرت أن اعود إلى هناك لأطلب منهم بعض الأغطية، وأنا أعرف بأنه يحق لكل أسرة سلة واحدة فقط، حاولت إقناعها لكنها لم تقتنع، كان ذلك محرجا جداً، يقول محمد ابن التاسعة عشرة فيما يجمع الحطب والأعواد الجافة حول ما تبقى من منزل أمه. أبقت القذيفة على مطبخ الأم، وتحت الركام اختفى الحمام وغرف النوم والمضافة القديمة، والبقرة التي حصل عليها والده بقرض بطالة زراعي قبل عدة أعوام، وبعض الدجاجات، كان هذا البيت هو كل ماتملكه الأسرة الصغيرة، اختفى والده على أحد حواجز النظام، ولم يسمعوا عنه شيئا منذ أكثر من عام، ” تضعني أحيانا في مواقف لا أحسد عليها، وفي كل مرة لا أستطيع إغضابها.. كيف أغضبها؟ لا تقل لها أني تكلمت عن الأمر،ستوبخني..”.

يقول محمد أنه يود لو يستطيع الانضمام إلى صفوف الجيش الحر علناً، “هناك عدة كتائب، وقد نجحت قبل أشهر في الانشقاق عن جيش النظام والعودة إلى القرية بصعوبة، لكنها لا تسمح لي، ليس هناك من برعاها وانا حقا لا أستطيع تركها، رحل معظم من نعرفهم هربا من القصف ، وهي لا تستطيع النهوض كثيراً، أشعر بالحرج أحيانا من شباب القرية ، أتسلل معهم أحيانا لكنني لا أستطيع إخبارها، أقوم ببعض الخدمات اللوجستية ببعض الأوقات، تقول باني ولدها الوحيد وقبل أن يعود والدي لن تدعني أذهب.

(م ع) أحد العاملين في مشروع بالاخضر والذي يعرف أوضاع محمد ووالدته، يقول بأن رئيس المجلس المحلي عدنان القاسم سأل عن محمد وعن سبب مجيئه لثلاثة أيام لمجلس المحلي، شرحنا للسيد عدنان القاسم رئيس المجلس المحلي بأن محمد هو منشق ووحيد لوالدته، وأن أوضاعهم المعيشية هي غاية في التردي، فأرسل أشخاصا ليستقصوا عن حالته وعادوا إليه بنفس التوصيف، عندها قام السيد عدنان بالاتفاق مع بقية الاعضاء بمنحه حصتين إضافيتين من حصص أقرباء لهم، وبالمقابل تم تعويض الاسرتين بمبالغ مالية توازي الحصتين على حسابهم، يبدو أن ذلك كان منصفاً، فأحوال الناس لا تتساوى مع بعضها، ومن الجميل أن يضرب الناس أمثلة في التعاطف والتعاضد.

يهمل محمد اليوم في أحد مشاريع بالأخضر في بلدته كفر نبل، وهو برنامج أطبقته وحدة تنسيق الدعم ACU لدعم المناطق المحررة عن طريق دعم مشاريع الغذاء والتعليم والصحة وتأهيل المرأة، حيث يهدف البرنامج إلى تأهيل الكوادر والأفراد والهيئات الموجودة في هذه المناطق ليتمكنوا من استلام زمام المبادرة وإدارة شؤون مناطقهم بأنفسهم، سعيا وراء تأهيل المرافق الخدمية بأيدي أبناء تلك المناطق وإعادة إعمارها.

بدأ البرنامج أعماله في ريف إدلب وتحديداً في كفر نبل وسراقب، ويتم توسيع نطاق مشاريعه اليوم ليشمل أكثر من بلدة ومدينة . للأهالي واحتياجاتهم الأولوية في هذا البرنامج.

بعد دعم الجانب الإغاثس في المنطقة بحيث يغطي احتياجات الأهالي قرابة الشهرين، قم برنامج بالأخضر خطة متكاملة لإعادة الإعمار والتأهيل تتضمن عدة جوانب، تضمن بطبيعتها الحوانب المدنية وتعيد إدخال الشبان وأصحاب الحرف الذين فقدوا أعمالهم ضمن دائرة الإنتاج المحلية، من آليات ومشاريع بناء وترميم خطوط الكهرباء والمياه بالإضافة إلى المولدات والآليات ومواد البناء اللازمة، يتم تنفيذ هذه المشاريع بالتنسيق مع المجلس المحلي في المدينة، بحيث يغطي قدر الإمكان إحتياجات المنطقة.

كما يقوم مشروع بالاخضر بدعم قطاع الدفاع المدني، وذلك عن طريق تزويد المجلس المحلي بعدة آليات تساعد في تنظيم شؤون المدينة، وتساهم في رفع الأنقاض بعد القصف الدائم على تلك المناطق.

يقول محمد: سمعت كثيرا من الغط حول البرنامج، اعتاد الاهالي باتهام كل من يعمل في الاغاثة مثلا بالسرقة، وكل من يعمل في الخارج بالعمالة، في الحقيقة لم أجد عيبا في عملي مع المشروع، نحن نعيد بأيدينا بناء المدارس ومباني الخدمات المتضررة، وأستطيع أن ألاحظ حماسة الشباب، فنحن من يعمل وليس مطلوبا منا إلا التفاني في العمل، وكله في خدمة أبناء البلدة، وفي المقابل لن يكون علي انتظار دوري للحصول على سلة غذائية أو معونة من احد، بدأنا نرى بعض المظاهر الإيجابية الجيدة بين الناس، كنا محرومين من أن نشير إلى الظواهر الصحيحة ونشجعها، تستطيع أن تشعر بهذه الأجواء الايجابية اليوم.

في نهاية حديثه يبتسم محمد ابتسامة خجولة: الآن لن تستطيع أمي إحراجي وإرسالي لأخذ السلة الغذائية، فأنا أعمل وأستطيع أن أكون قريبا منها، أظن أن قلبها مطمئن الآن.

10352687_816421625053478_1885261124_n

برومو الشهيد ناجي الجرف