ملف

الفن في الثورة.. بين “صناعة الاستسهال” و”مصلحجية” المحترفين

الفن في الثورة.. بين “صناعة الاستسهال” و”مصلحجية” المحترفين

عابد ملحم

بعيداً عن ضجيج المعارك وأزيز الرصاص، وأصوات السقوط، بكل ما تحمله من “سقوط” وبعيداً عن استوديوهات الموت المعلّب “خلسةً وعلانيةً”، ثمة استوديوهات تعمل بصمت تورقُ نتاجاتها وهسيسها توهّجاً، وتمضي دون أن يرشقها عابر سبيل بكلمة شكر عاجلة.

الفنّ، سلاح الإنسان الأوّل، عبر التاريخ والعصور وعرّاب الشعوب المعبّر عن حالهم، وكذا السوريون اليوم وأمام كمّ “السقوط” الهائل الذي تجلى ويتجلّى، يحدث أن يورثهم السقوط حيناً موتاً، وأحاييناً ولادة، ولادة تورث القتل عاجلاً أم آجلاً.. سقوطاً.

الفنّ في الثورة السورية أكثر المواضيع تهميشاً حتى اليوم، طلّقهُ أصحابُ الاختصاص وتعربشتهُ أصابع الهواة فصنعوا من طلاقه، اختصاصاً، وباتوا اليوم المعبّرون الوحيدون الصادقون عن الثورة، وإن شابها ما شابها من عكارة الحرب وتقلبات السياسة إلا أنه بقياً وفياً لأول صرخة نادت في البدء “واحد واحد واحد الشعب السوري واحد”.

وللبدء قدسيته الأولى، فـ “في البدء كانت الكلمة، وكانت الكلمة عند الله، وكان الكلمة الله”، ومن سفر التكوين، إلى سفر المعاناة وسفر التشتّت والتهجير، وبقية الأسفار الأخرى التي يعيش السوريون أجزائها، يحدثُ أن يتهاوى سفرُ الفنّ ليكون للرصاص الصوت الأجلى والأوضح.

الفنّ بوصفه معبّراً لا يعدو كونه “علاك”

بهذه المفردة الأخيرة يصف “سالم” (اسم مستعار) أحد المشتغلين بالفنّ منذ بداية الثورة السورية حيث يرى أن من يقوم بانجاز أعمال فنية، إنما يقوم بها من وحي الواقع وحالة من التنفيس والتفريغ، إلا أنها لا تعدو كونها مجرد أشياء جميلة لا تغير شيئاً من الواقع.

“سالم” وكبقية الفنانين السوريين من غير أصحاب الاختصاص كرسّوا جلّ وقتهم لانجاز أعمال فنية حظي معظمها بمتابعة شعبية كبيرة، إلا أنها طالما كانت فاتحةً لمطاردات وملاحقات من قبل التنظيمات المتطرفة، فبعد حدوث من سُمي لاحقاً بالمناطق المحررة تخلص النشطاء من سطوة النظام السوري لتلاحقهم سطوة من نوع آخر.

ويرى العاملون في هذا المجال أن الوقت حان لإنتاج أعمال فنية تكون على المستوى المطلوب غير معظم التي نراها هنا وهناك ولا تكاد تتعدّى حدود صفحات التواصل الاجتماعي.

أصحاب الاختصاص “مصلحجية” والهواة ضائعون

قبل عام من الآن، عكف بعض المثقفين السوريين على إنتاج أعمال فنيّة بمجهود شخصي أدواته الكاميرا، وجهاز الكمبيوتر، وحصدت تلك الأعمال متابعات كبيرة دفعت بالعديد منهم إلى القفز قدماً وتطوير تلك الحالة.

حالة التطوير والبحث عن المزيد اصطدمت بعائق التمويل والإنتاج المكلف، فضلاً عن غياب الموهبة المحترفة، أو الاسم الفني اللمّاع.

وسبق أن روى لي الفنان الشاب عبد الوهاب ملا المختطف حالياً لدى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، أنه تواصل بنفسهِ مع عدد من الأسماء اللامعة من الفنانين السوريين الذين أعلنوا موقفاً إيجابياً من الثورة، وطلب منهم المساعدة في إنتاج أعمال درامية وغنائية، إلا أن الردّ كان من الجميع هو الرفض.

وقال الملا يومها إن أحدهم (وهو فنان مسرحي شهير) طلب مبلغاً ضخماً من المال مقابل مشاركته في أحد اللوحات الدرامية التي كانت تصوّر في مدينة حلب حينئذٍ.

الملا.. ورفاقه في الهم في بقية المحافظات السورية يبدو أنهم كانوا وما زالوا يواجهون المشكلة ذاتها، فلا تمويل لإنتاج أعمال حقيقية تقف في وجه تلك التي ينتجها النظام السوري عبر شركات إنتاجه، ولا وجوه مشهورة أو مواهب احترافية تعطي القليل من وقتها لتحتضن الشباب المتحمس.

وبين المعمعة وسياسة الفوضى التي طالت كلّ شيء كان للهواة الضياع فاندثرت معظم البذور الفنية التي كان يمكن لها أن تكون مشروعاً بحد ذاته، فعلى سبيل المثال توقف إنتاج برنامج “عنزة ولو طارت” الذي يعتمد أسلوب الـ “ستاند أب كوميدي” والذي ظهر مع بداية الثورة السورية وحقق حضوراً كاسحاً.

وأيضاً لحقت به سلسلة “ويكي شام” التي تعتمد أسلوب “أنيميشن” (الكرتون) وكان لها حضوراً لافتاً في تناول الحدث السوري بطريقة سياسية ساخرة.

ولاحقاً توقفت سلسلة “حرية وبس” التي كان يؤديها ممثلان هاويان في المغترب.

وهناك الكثير من الأسماء التي يمكن ذكرها وكانت حاضرة مع بداية الثورة واستمرت أشهراً لتتوقّف لاحقاً إمّا بسبب عدم تبنيها من جهات إعلامية، أو حاجتها الملحّة للتمويل.

التمويل عقبة أساسية تنصاع للأجندات “غالباً”

عبر سنواتها الثلاث شهدت الثورة السورية عدداً لا بأس به من الأعمال الفنيّة المموّلة بشكل سخيّ، وظهر هذا السخاء جليّاً في جودة الصورة والإخراج الاحترافي والتعامل الخبير مع المؤثرات والتعاطي مع المونتاج، إلا أنه كان يخفي في جوفه ما يخفي، فحيث منبع المال تظهر الأديولوجية واضحة ويبدو تكريس قيمٍ بعينها هو الأهم لجهة التمويل.

ومن هذا المنطلق فقد أطلقت سلسلة حلقات مولت من جهات عدة، تارة كانت تكرّس القيم الإسلامية بشكل فجّ وممجوج، وتارة تقدم قيم الحرية والعدالة والديمقراطية حيث يكون التمويل غالباً غربياً.

الانصياع لجهة التمويل أمر محتوم واجه ويواجه العاملين في هذا الحقل، ليتحوّل العمل الفنّي من كونه موجِّـهاً، ليصير موجَّهاً.

قليلة هي الأعمال التي نجت من فخّ الانقياد لأيديولوجية التمويل، وأطلقت العنان لأفكار صناعها، إلا أن ضريبة هذا كانت على حساب الجودة والانتشار.

التمويل بوصفه جانباً رئيساً في العملية الفنيّة مازال إلى اليوم يتدخّل في أي عمل فنّي يموّله، وإن كان هذا التدخّل غير مباشر، أو بالحد الأدنى، فلكي توافق جهة ما على تمويل مشروع ما يجب بداية أن يكون هذا المشروع لا يتضارب وأجندتها السياسية أو المذهبية الدينة.

وفي سوريا، أنجز شباب في أكثر من محافظة أعمالاُ فنيّة دون تمويل، بل تعدّى ذلك إلى فنون صعبة كالمسرح الذي يحتاج بطبيعة الحال إلى جهد إضافي، وتمويل ضخم يضمن الحصول على خشبة عرض وتجهيزات إضاءة وصوت وباقي التقنيات.

 

لعنة رمضان..تحلُّ على فنون الثورة

عبر ثلاثة أعوام ونيف وتعقّد الوضع السياسي والعسكري في سوريا، بدأت تسري العدوى الرمضانية إلى فنون الثورة، لتأخذ شكلاً مهرجانياً كذلك الذي كان قبل الثورة للدراما السورية.

ولعلّ أولى مظاهر تلك العدوى بدأت في رمضان الماضي 2013 حيث أطلق عددٌ من الأعمال لعل أشهرها كان “ثورة 3 نجوم” الذي أعده وقدمه الفنان عبد الوهاب ملا، بتمويل ضئيل من شبكة إعلامية بالاشتراك مع محطة تلفزيونية، وعرض البرنامج وقتها على ست محطات سورية معارضة.

تزامنُ رمضان مع إطلاق الأعمال الفنية بات تعويذة سورية، تعوّد عليها المشاهد العربي ليتحول الشهر إلى مهرجان فنّي في كل عام.

“الملا” قدّم في برنامجه الساخر أكثر القضايا الحياتية في تلك الفترة، إلا أنّ الرجل وقع ضحية أعماله، ففي الوقت الذي كانت تسيطر فيه الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على أجزاء واسعة من مدينة حلب التي يقطن فيها “الملا” قدم الأخير حلقة ناقشت فكرة الدولة المدنية والخلافة الإسلامية بطريقة ساخرة قادته لاحقاً ليكون مغيّباً في سجون التنظيم وسط تجاذبات وأنباء متخبطة عن تصفيته.

وفي هذا العام 2014 قدم عدد من الناشطين مسلسلين أنتجا في الداخل المحرر وسط قصف غير مسبوق تشهده مدينة حلب.

المسلسل الأول بعنوان “منع في سوريا” ويتناول بقالب ساخر الوضع الميداني في المناطق المحررة متناولاً الظروف والأخطاء التي تجري هناك، منتقداً أداء بعض الفصائل العسكرية والأجسام السياسية.

وأما المسلسل الثاني فكان بعنوان “أم عبدو الحلبية” من بطولة طفلة موهوبة، وأيضاً قدم عبر لوحاته القصيرة جانباً من الحدث اليومي للحياة في المناطق المحررة.

ويؤخذ على العملين غياب النص بشكل واضح، ويظهر بجلاء مدى اقتراب الإخراج والمونتاج إلى الشكل الاحترافي، رغم غياب أدنى مقومات الإنتاج الصحيح، ونقص شديد في معدات التصوير.

المحترفون.. عندما يكون الاستسهال عنواناً !!

قبل أشهر من الآن أطلقت جريدة زمان الوصل الالكترونية عملاً من إنتاجها بعنوان “رئيس ونساء” من تأليف وإخراج فؤاد حميرة، وبطولة مجموعة من النجوم السوريين وعدد من الشباب الهواة وعلى رأسهم “مي سكاف”.

العمل الذي كان من المفترض أن يكون احترافياً بكل ما تعنيه الكلمة، أطلّ باهتاً يحمل الكثير من إشارات الاستفهام حول طبيعة النصّ المكتوب، والذي كان من المفترض أن يكون مدهشاً مقارنة باسم “فؤاد حميرة” المعروف عنه قدرته المدهشة في السبك والصياغة والحبكة.

“رئيس ونساء” وللأسف أصاب الجميع بالخذلان، وتبريرات الكاتب والمخرج لم تكن مقنعة، لتبرير الارتباك الحاصل في المسلسل.

وقال “حميرة” إن الظروف التي صور المسلسل فيها كانت سيئة للغاية، رغم أنه صرّح بنفسه عن حجم المبلغ الذي أنتج به العمل (25 ألف دولار)، وهو مبلغ ضخم إذا ما قورن بحجم الأعمال التي تنتج في الداخل، وتكاد تقارب “رئيس ونساء” الجودة والإخراج، ولا تكلف أكثر من 100 دولار.

في الجهة المقابلة أقام الفنان المسرحي همام حوت، منتدى فنيّاً ثقافياً، بعنوان “بيت العيلة” في تركيا، يعقد مرة كل أسبوع يتناول فيه قضايا سياسية وخدمية ويستضيف فيه عدداً من السياسين والمسؤولين والوزراء.

المنتدى الذي يموّل بشكل سخي من أكثر من جهة لعلّ أبرزها وحدة تنسيق الدعم ACU والذي كان من المفترض أن يكون فنياً ثقافياً، تحوّل ومع مرور الوقت ووقع في مطبّ التكرار، فلا تفاعل واضح، ولا شكل فني واضح، وإنما حوارات مكرورة لا تغني ولا تسمن من جوع، فضلاً عن أن الشريحة المستهدفة من ذلك المنتدى هي فقط من القاطنين في تركيا.

“رئيس ونساء” ومنتدى “بيت العيلة” نموذجان حاضران عن صناعة الاستسهال، وذكرهما في هذه المادة هو من باب المثال فقط، إذ يوجد عشرات الأعمال الأخرى التي تتناول الثورة السورية بشكل أو بآخر وتحترف صناعة الاستسهال.

وبالعودة إلى الفنانين السوريين المؤيدين للثورة، سيبدو جلياً أن معظمهم بقي صامتاً منذ الإعلان عن هذا التأييد، ويمكن ذكر بعض هؤلاء الفنانين كفارس الحلو، وجلال الطويل، ومازن الناطور، ويارا صبري، وجمال سليمان، لويز عبد الكريم..الخ

ويبقى الفنّ في الثورة السورية غريباً إلى الآن، ربما بسبب تعقّد الوضع السوري، وربما بسبب التمويل، وربما بسبب غياب المحترف، إلا ان ذلك لا ينفي اجتهاد واضح وإصرار مازال يمكن أن يُرى للوصول إلى المستوى المطلوب.

أكثر من ثلاثة أعوام وقت طويل نسبياً ويكفي لأن تظهر مؤسسات تحتضن المواهب السورية وتقدمهم بأفضل شكل، دونما أجندات ومال سياسي.. يستحق الشعب السوري والشباب السوري مؤسسات كتلك، ويستحق الفن السوري أن يقدم بأفضل حال، بنفس القدر الذي تستحق فيه المجالات الأخرى جلّ الاهتمام.

ومن يقول إن الفنّ سلعة خاسرة، فهو حتماً يعيش في الوهم، فصناعة السينما وصناعة الدراما، تدر الملايين إذا ما عرف كيف تدار.. وتبقى صناعة الفن رابحة أكثر من صناعة الاستسهال الذي يطلق عليه بهتاناً “فناً”.

 

حنطة ١٨ نت3

حنطة ١٨ نت4

 

 

 

برومو الشهيد ناجي الجرف