ملف

صُنع في الثورة… حين تتحوّل الخطوط إلى يافطات، واليافطات إلى فنّ

صُنع في الثورة

حين تتحوّل الخطوط إلى يافطات، واليافطات إلى فنّ

عبّاس علي موسى

لَقدْ عُرِف مَفْهوم الاِحْتجاج عَبْر عَرْضه بَصريّاً باليَافِطات التي تَنْقلُ إلى العَالَم أَوْجه الاِحْتجاج والاِعْتراض والثّوْرة والأَمَل، فكَانَت الأَكْثر بُروزاً في التّوْثيق البَصَريّ.

ولَقَد كَانَت هَذه أَيْضاً سِمة الثّوْرة في البُلْدان التي مَرّتْ عَليْها رِيَاح الرَّبيع أَوْ التّغْيير، وفي سُورية أَيْضاً، كَانَت ثمّة سِمتان مُتقَاطِعَتان وَمُتجَانِستان هُما الصّوْت والصّورة، الصّوْت والكَلمة.

كَانَت الهِتافَات لأَجْل إِيقاظِ الرّوحِ الثّوْرية النّائمة في دَواخِلنا والتي غَلّفها الصّمْت والخَوْف، فكَانَت الهِتافَات تَكْسرُ الجَليدَ رُويْداً رُويْداً، وكَانَت اليَافِطات التي تَحْملُ مَعْنى الثّوْرة وأَمَلها. وأَمَام الشّاشات، كَانَ العَالمُ يُتابعُ بِشغفٍ صَوْت الهِتافات التي تُنَادي بالحرّية وإِسْقاط الدّكْتاتوريّة، وكَانت اليَافِطات الحَامِل الأَهمّ لتَكْثيف الهُموم، والعِشْق، والأَمَل بالغَد.

هَكَذا بَدَأ المُتَظاهرون يَرْفعون اليَافِطات وهُم يَخطّون عَليْها آَمَال الشّعْب في تَطلُّعه إلى الحُرّية، وَبَدأت اليَافِطات تَأْخذ شَيْئاً فشَيْئاً طَابعاً مُتقدّماً مِنْ حَيثُ الرّسَالة التي تُقدّمها للآَخَر، فَشَاشات الإِعْلام التي أَعْطتها فِسْحة نُورٍ لِتَخْرج إلى العَالَم أَكْسبتْها أَهميّة، لِذَلك بَدَأ المُتَظاهرون يَهْتمون أَكْثر بِمَضْمون هَذه اليَافِطات، لِتَخْرج إِليْنا يَافِطات كفرنبل وعَامودا بِمَضامين سَاخِرة لِدَرجة المَهْزلة، وجَادّةٍ حَاملةٍ أَفْكاراً إِنْسانيّة عَاليّة، وقِيمَاً مَدنيّة تَعْكس المَطَالب المَدنيّة التي نَادَت بِها الثّوْرة.

في قَامشْلي، التي كَانَت مِنْ المُدٍن التي اِنْخرطت في الثّوْرة في بِدايَاتها، اِهْتم المُتَظاهرون باليَافِطات وبِمَضامينها ذاتُ الرّسَائل السّياسيّة المُوجّهة للرَأْي العَام العَالميّ، والمُوجّهة للدّاخِل السّوريّ حَوْل مَفَاهيم الوَحْدة الوَطنيّة، والدَّعْوة للعَيْش المُشْترك، والتّرْكيز عَلى شِعَارات وحْدة الأَلَم والاِنْتماء.

وكَمَا أَنّ سُورية أَبْرزت أَيْقوناتٍ وَحَالاتٍ مُميّزة أَفْرزتها الثّورة، فإِنّ النّاشط جهاد قامشلو (جهاد مُحيْ الدّين) تَرك بَصْمته فِي يَافِطاته المُميّزة التي كَانَ يَصْنعها بِيَديْه مِنَ الخَشب الـ (إن دي إف) وَيُلوّنها، ويَحْملها بِيَديْه لِيتَصدّر وَاجِهة المُظَاهرات مُنْذ أَنْ كَانَت المُظَاهرات تَحْملُ ذَاك المَعْنى الكَبير، إلى أَنْ تَشظّت ولَمْ تَحْمل كلّ تِلْك المَعَاني التي خَرَجت بَادئ الأَمْر لأَجْلها.

في أَمَاسي الجُمع تَراه مُنْهمكاً في إِعْداد لافِتاته التي تَحْملُ بَصْمته وَهويّته، وتَراهُ مُنْهمكاً بتَلْوينها بمُخْتلف الأَلْوان لتُعبّر عَنْ تَطلّعاته وتَطلّعات الشّارع حَوْل مَا يَجْري في سُورية، شَارَك جهاد بِأَكْثر مِنْ 170 يَافطة مِنْ خَشَب الـ (إن دي إف)، تَحوّل مُؤخّراً إِلى الكَرْتون نَظَراً لكلَفِ الخَشب العَاليّة، عَبّر مِنْ خِلالها عَنْ مَطالِب الثّوْرة، وَوَثّق كَذلكَ أَسْماء الجُمَع، ووَقائِع المجازر.

إنّ الثورة أتاحت لأنواع جديدة وجديرة من الفنون وكذلك عملت على صناعة الصحفي المواطن والنشطاء الصحفيين، وجعل الكاميرا أداة تماثل الكاميرا الإحترافية وتصنع الواقع التوثيقي لتداعيات الثورة السورية، فطرح أنماط جديدة للفنون من وجهة نظر ثورية، هي سمة من سماتها ناتجة عنها ومعبرة عنها بالضرورة وفيها بصمة الشارع.

إلاّ أَنّ طُولَ عَهْد الثّوْرة أَكْسبت القَائِمين على اليَافِطات والتّصْوير بالمُوبايلات والكَميرات الفُوتوغرافيّة خِبْرة ومِراساً، لِتَحْمل مَعَانيَ ومَضَامين أَعْمق مِنْ مُجرّد أَفْكارٍ وَشِعاراتٍ مُبَاشرة ومُسّطحة، ومِنْها مَا كَانَ يَقُوم بِه جهاد فَهُو لَمْ يَرْفع مُجرّد أَسْماء الجُمَع بَلْ إنّه لَجَأ إلى إِكْسابها مَعانٍ أُخْرى تَجْعله أَقْرب إِلى الفَنّ أَوْ لِنقُل نَوْعاً جَديداً مُبْتكراً، فَالخَشب يَغْدو عِبَارةً تَحْمل مَطَالب الشّارِع وإِيمانِه. جهاد حَمَل الكَثيرَ مِنَ الأَلْوان، وَدَهن بِها خَشَبه الذي كَانَ يَصْنعه بِمُعدّات صناعيّةٍ وَيَنْزل بِها إلى الشّارِع، لِدَرجةٍ تَحوّلت بِها هَذه اليَافِطات إلى مَعْنىً أَكْبر. فَحِين خَفُتت التَّظاهراتُ في مَنْطقة الجَزيرة عُموماً، وقَامشْلي بِخاصّة، كَان لا يَزال يَخْرج مُدجّجاً بيَافِطته، وإِنْ كَانَت وَحِيدة، وفي إِحْدى الجُمع -والتي كَانَت بِاسْم “كُلّنا حِمص.. عَاصمة الثّوْرة.. حِمْص تُناديكم”- خَرَج لِوَحْده وَحَمل اليَافِطة لِوَحْده، لكِنّه أَوْصل رِسَالته إلى العَالَم.

تَتحوّلُ الخُطوط والأَلْوان إلى صَدىً لِهتافاتِ المُتظَاهرين، وتالياً إلى مَعانٍ سَاميّة وإلى فَنّ جَديدٍ مِنْ صِناعةِ الثّوْرة، مَثَلها كَمَثل الأَفْلام الوَثائقيّة التي تَمّ صِناعتها عَنْ طَريق المُوبايْلات، أَوْ تِلْك الرّسومِ والعِباراتِ عَلى الجُدْران التي كُسرَ فِيها حَاجزُ الخَوْف.

“الثّورة هي مَعْنى” هَذا هُو الدّرْس الأوّل والأَخير إلى العَالم، يَقُولها جهاد، ويَحْملُ مَعَه صَدى يافِطَاتها المُلّونة بِأَلْوان الثّوْرة، وَيَجْتازُ الحُدودَ التّركيّة مَعْ ابْنِه، وابْنته، وزَوْجته بَعْد أَنْ ضَاقَ عَلْيه المَكَان بِأَحلامه بإِسْقاط الطّاغية، بَعْد أَنْ لُوحِق بشدّة مِنْ قِبلِ قُوّات الأَمْن بِسَبب يَافِطته الأَخيرة المُتعلّقة بالاِنْتخابات، والتي حَمَلت هَذا الرّسْم “انتخاب العَبيد، عبيد الطّائفة-عبيد الخوف- عبيد الدّنيا-عبيد السّلطة- عبيد المال”.

 

 

حنطة ١٨ نت5

برومو الشهيد ناجي الجرف