ملف

صناعة الفنّ في الثّورة السّورية

صناعة الفنّ في الثّورة السّورية

بقلم: إنديا ستوكتون-عن موقع الدايلي ستار.

ترجمة: غياث عبد العزيز

 

 

هذه السّلسلة مِنْ مَجموعة مواد لمقابلات أُجْريت مُؤخّراً مع فنّانين سوريين حَوْل عملهم مُنْذ بداية الثّورة في سورية.

بيروت: شَهدتْ مَواقف الفنّانينَ السّوريين الأشْهرَ المَاضيّة تَغيّراتٍ دراماتيكيّة بدرجاتٍ متفاوتةٍ فيما بَيْنهم. كما شَهِدتْ هذه الفَتْرة المُضْطربة ظُهورَ جيل شابٍّ مِنَ الفنّانين في البلاد، والكَثيرونَ مِنْهم لَمْ يَظْهروا قَبْل الرّبيع العربيّ. وقَدْ ظَهَر التّباينُ جليّاً في ردّات فِعْلهم ومَواقِفهم ومُمَارساتِهم المُتنوّعة مِنَ التّغيّرات التي تَعْصفُ بالبِلادْ.

(أنس الحمصيّ): المَوْلود في دمشق عام 1987 م، وبَعْد مُشاركتِه بالعديد مِن المَعَارض الجَماعيّة، أقامَ مَعْرضه المُنْفرد الأوّل بعنوان “طُفولة” ثمّ مَعْرض ” تَأثير”، في غاليري آرت سيركل في مَنْطقة الحمراء ، وقَدْ عَرض لَوْحاته بشكلٍ أقْرَب للتَّجريد.

الحمصيّ كانَ لا يزالُ يَعيشُ في دمشقَ حتّى أقامَ مَعْرضه الأوّل في الحَمْراء، وبَعْد ذلك انْتقل لِيَعيشَ في بَيْروت. وتَبْدو أَعْماله الفنيّة كمُحاولةٍ للعوْدةِ إلى مَرْحلة الطُفولة – لَيْست طُفولته الشّخصيّة التي يَقول أنّه بالكادِ يَتّذكرها- بَلْ الشّعورُ بالعَفويّة التي تَرْتبط مَع الطفولةِ، كما يَقول.

وعلى الرّغْم مِنْ ابْتعاد أُسْلوبه الفنّي عَن المَوْقف السّياسيّ، يَقولُ الحمصيّ بِأنّ الأَحْداث في سورية أثّرت بِشكْلٍ مُلْفت على أَعْماله.

“الجَميع تأثّر بالأَحْداثِ بمَن فيهم أنا كفنّان” يَقولُ الحمصيّ، “لا أَحَد يُمْكنه أَنْ يَتَجاهلَ مَشاهِد العُنْف والكراهيّة التي تَحْدث، لِذلكَ تَجدُ تِلْك الحالاتِ ظاهرةً في لًوْحاتي، الفنّ هو وسيلةٌ للتّواصل بَيْن الأَفْكار والذّكْريات، لِذلكَ سَتْظهر تِلْك الحَالَة بوعيٍ أَوْ بدون وَعي في أَعْمالنا الفنيّة”. و يتابع الحمصيّ: “هُنالكَ الكَثيرُ مِن الفنّانين السّوريين يَعْملُ حَوْل الأَحْداث بِشكْل مُباشر أكثر، يُمْكنني اسْتخدام المَوْتى في لَوْحاتي، لكِنْ تِلْك لَيْست هي الطّريقةُ المُباشرة، هُناك الكَثير مِنَ الرّموز وعَليْك أَنْت أَنْ تَبْحث عَنْها”.

وعلى الرّغم مِنْ غُموض اللّوحات، فإنّك تَسْتطيع أَنْ تُميّز أَلْوان الإنْفجارات على الفَوْر، والمَوْجودة في جَميع لَوْحاته بِشكْلٍ عام، وهُناك فَرْق واضحٌ بَيْن بَعْض اللّوحات مِثْل “النّزهة” و”التّفجير”.

فـ “النّزهة” هي مَزيجٌ مُخْتلط مِن الخُطوطِ والأَلْوان الزّاهيّة المُحْكمة، والتي تُصوّر أُمّاً تَسْتمتع بنزْهة عائليّة مَع طِفْليها، الجوّ هُنا يَتحدّثُ عَن السّلام. وعلى الرّغْم مِن الضّرباتِ المَحْمومة للفُرْشاة، فإنّ اللّوحة تُصوّر عائلةً مثاليّة.

وعلى نَقيضِ ذلك نَجدُ لَوْحة “التّفْجير”، والتي تُصوّر خُطوطَها العَريضة مَشْهداً كَئيباً مِنْ خلالِ أَرْبع شَخْصيّات كَئيبة تَظْهر في الظّلام الكَثيف مَع خَلْفيّة مِنَ الألْوانِ الطُفوليّة التي يَتميّز بِها الحمصيّ. في المُقدّمة تَبْدو إحْدى الشّخْصيّات تُحَاول أَنْ تَسْحبَ نَفْسها على الأَرْض، وشَخْصٌ آخرَ يَظْهر أَعْزلاً مِن السّلاح، والشّكْل بِأَكْمله يَظْهرُ مَقْلوباً كأنّ انْفجاراً قَدْ حَدَث للتّو.

أمّا (رانيا مدرس سيلفا) الفنّانة الشّابة المَوْلودة عام 1981 في دمشقَ حَيْث لا تَزالُ تَعْمل، والتي أَقامتْ مَعْرضها المُنْفرد الأوّل في غاليري آرت سيركل، فهي – وعلى خِلاف الحمصيّ- تَقولُ بأنّ أَعْمالها لَمْ تَتأثَر قَطْ بالانْتفاضة في سورية: “أَسْتطيع القَوْل أنّني مَحْظوظة بأَنْ أكونَ فنّانةً في هذا الوَضْع لأنّني أَسْتطيع أَنْ أَبْعثَ الأَمَل”. وتُتابعُ سيلفا: “لكنّني في نَفْس الوَقْت أَسْتيقظ وأَسْألُ نَفْسي: ما الذي أَقوم بِه؟ هَلْ حقّاً أَسْتطيع فِعلَ شيء؟”.

تُركّز لَوْحاتها المُخْتلطةِ على جَمالِ وُجوه النّساء، والجَمْع بَيْنها وبَيْن عَناصر الطّبيعة -غالِباً الأزْهارُ والطّيور- وتَقولُ سيلفا أنّها حاوَلت الاسْتمرار في أَعْمالها بسِلْسلةٍ مِنَ الوُجوه الوَهْميّة النّسائيّة مِنْ دونِ أَنْ تَسْمحَ للصّراع السّوري أَنْ يُؤثّرَ على عَمَلها.

“أَكْره السّياسة، ولَيْس لِي أيّة علاقةٍ بِها”، تَقولُ سيلفا: “بالنّسبة لي، ذَلكَ يُشْبه المَرَض وأنا لَسْت مُضطّرةً لأنْ أُغيّر ما أَقوم بِرسْمه فَقطْ لأَنّهم يَقْتلون ويَرْتكبون الجَرائم، لا أُريدُ أَنْ أُضيفَ الدّماءَ إلى أَعْمالي، ذَلك فَوْق تَصوّري، لا أُريدُ أَنْ أَكونَ فنّانةً ماديّةً، وأَبيعَ نَفْسيَ مِنْ خِلالِ الثّورة”.وتُتَابعسيلفا: “الأَحْداث لَمْ تُؤثّر على تَوجّهي وأُسْلوبي، لَقدْ جَعلتْني آَخذُ مَنْحىً مُخْتلفاً فقط، لَقدْ بَدأْتُ بالهُروبِ، بَعْضُ النّاسِ يَجب أَنْ يَظلّوا في الكَواليس، وأَعْتقدُ أنّ الثّورةَ السّلميّة هي التي تَسْتطيع أَنْ تُغيّر شَيْئاً ما، أمّا العُنْفُ فلا يولّد سوى العُنْف”.

أمّا (عبدالله العمري) المَوْلود عام 1986، والمُقيم في دِمشقَ حتّى الشّهْر الماضي، قَبْل أَنْ يَضطّر للفرارِ إلى جورجيا، فَيَعْمل الآنَ على فيلمَيْن، فَضْلاً عَنْ سِلْسلةٍ مِنَ اللّوحاتِ التّصويريّة الواقعيّة -ومُعْظمها لأطفالٍ سوريين- تَحْضيراً مِنْه لِمَعْرضه الخاصّ الأوّل “الأطْفالُ في مُواجهةِ الحَرْب”.

إضافةً لِذَلك، يَقومُ العُمريّ بِتَحْميل صُوراً مِنْ عَمَله “الفنّ والحريّة” على مَوْقع التّواصلِ الاجْتماعيّ “فايسبوك” مِنْ خِلالِ صَفْحته الشّخصيّة.

“الفايسبوك مُهمّ جِداً كَوسيلةٍ سَريعةٍ للْوُصولِ إلى النّاسِ في جَميع أَنْحاء العَالمْ وهُو يُسهّل لَنا إِظْهارَ أَعْمالَنا إلى الجُمْهور”، ويُتابِع الفنّان شَرْحه في مُقابلةٍ على الإيميل الإلكتروني: “أنا أرْسُم الأَطْفال، الأَطْفالَ السّوريين في وَضْعهم الحاليّ، أنا أَرْسُم صِلَتهم بالواقِع السّوريّ، وتأثّرهمْ بِه”.

و أَعْماله تَرْتكز على المفارقات: “رَأيْتُ طِفلاً يَحْمل موزة على أنّها بُنْدقية، ورَأيْتُ طِفلاً آخرَ بوجْهٍ مُغطّى بالأَلْوان، ألوانٌ طبيعيّةٌ كَمنْ يَلْعب لِعْبة، لكنّه كانَ كَمنْ يَخْرج مِنْ تَحْت أَنْقاض مَنْزله المُتهدّم، ووَجْههُ مُغطّى بالجروحِ والدّماء. الأطْفال هُم أَكْثر المُتضرّرين ممّا يَجْري حَوْلهم، وذَلك سيُؤثّر بِشكْلٍ أَساسيٍّ على تَكْوينهم في المُسْتقبل”.

كثيرٌ مِنْ صُور العمريّ هِي أَزْياءٌ غامِضة، تَخُوضُ في تَفاصيلِ بَعْض الأَلْعاب الطّفوليّة التي لَها الآن دَلالاتٍ أَكْثرَ سَوْداوية. “النّاجي الوحيد” مَثلاً، هو عَملٌ يُظْهر فَتىً يُحدِّق في قطْعةٍ مِنَ القِماش، ووَجْهه مُغطّىً باللَوْنين الأَحْمر والأَسْود، وكأنّ الكَدَمات، والدّماءَ تُغطيانَه، خاصّة تَحْت أنْفِه وعلى ذَقْنه.

“عَلْينا جَميعاً أَنْ نُحاولَ عَزْل الأَطْفال قَدْر الإمْكان عَنْ كلّ ما يَحْدث”، يَقولُ العمريّ: “لِتفادي كلّ الأَضْرار التي يُمْكن أَنْ تُصيبَهم في المُسْتقبل، فكلّ شَخْص يَعيشُ في هذا البَلدِ يَتأثّر بِما يَجْري، وأنا لا أُريدُ أَنْ أَكونَ سَلْبيّاً، لِذلكَ أَرْسم لَوْحاتي في مُحاولةٍ لأَنْ أُحدِثَ أَثَراً إيجابيّاً نَحْو التّغيير”.

ويَبْدو أنّ الهِجْرةَ القَسْرية قَدْ خَلَقت فَلْسفةً خاصّةً لدى العُمريّ فَيقول: “في بَعْضِ الأَحْيان، نَحْتاجُ أَنْ نَذْهب إلى مَكانٍ بَعيدٍ كَيْ نَسْتطيع فِعْلَ شَيء جيّد لنا، ولبلِدنا، وللعالَم كُلّه”.

حنطة ١٨ نت6

حنطة ١٨ نت7

برومو الشهيد ناجي الجرف