ملف

ترسانة الفنّ السّوريّ

ترسانة الفنّ السّوريّ

 

وائل زيدان

لَمْ تَكْترث أَنْظمة الحُكْم ومؤسّساتِها عَبْر التّاريِخ بتَطْوير مِيراثها منْ الطُّقوس، كَمَراسم تَنْصيب المُلوك، والحُكّام، والبُروتوكولات المُخصّصة لاسْتقْبالهم وتَوْديعهم. ولَمْ يَخْطر لَها مُطْلقاً الاِسْتعانة بالفُنونِ المُخْتلفة لأنّ الهَدَف الأَساسيّ منْ تِلْك الطّقوس والمَرَاسم، كَانَ تَكْريس هَيْبة الحكْم وإِبْراز سَطْوته أَمَام النّاس. لِذَلك اتصفَت تِلْك النُظُم وطُقوسها عَبْر التّاريِخ بالجُمود، والثّبات، والإِفْتقار إلى التّجْديد. ولَمْ تَتْنبه الشّعوب (المُنْتج الأساسيّ للفُنون والفُلكلور) إلى الاِسْتعانة بِهذا الإِرْث كَسِلاح مَحْمول في وَجْه الاِسْتبداد، إلاّ في العُصُور الحَديثة معْ نُشوء فكْر المُقَاومة السّلْميّة، وهُو بالضَبْط ما قَامَ به الشّعب السّوريّ الأَعْزل لكَسْر الهَيْبة والخَوْف الذي كَدّسه النِظَام، ورَاكَمه منْذُ عُقود.

اشْتغل المُتَظاهرون، وبمُنْتهى العَفْويّة عَلى أشْكال الفنّ الأَسَاسية الثّلاثة: الفنّ التَشْكيليّ، والفنّ الصّوتي، والفنّ الحَرَكيّ. وذَلك بالرّسْم والكِتابةِ عَلى الجُدْران، وإِنْشاء المُجسّمات كَسَاعة حمْص التي تمّ تَجْسيدها في مَناطِق عَديدة، لَيْس فَقطْ تَضامناً مَعْ أهْل حمْص بَلْ لإِظْهار رغْبَة النَّاس المُسْتميتة بالحُصولِ عَلى ساحةٍ ومَيْدانٍ للاِعْتصام، الأَمْر الذي كَانتْ تَمْنعه قوّات النّظَام ومِيليشياتِه بالرّصاصِ الحَيْ.

والفنّ الصّوتيّ الذي تَبدّى باِسْتخدام الطّبول، وابْتكار الإيقاعَات المُتَعدّدة بالتّصْفيق، وعَن طَريق الصّوْت واسْتحْضار مُخْتلف الأَغَاني التّراثيّة، حَيْث اللّغة المُشْبعة بالسّخْرية والتَّهكّم، والمُركبّة عَلى فنّ الهِتاف سَدّدت ضَرباتٍ مُوجعةٍ للغةِ المُخَابراتِ والقَنْص، وأَزَاحت الهِتَافات الخَشبيّة البَائسة لشخْص الرّئيس. ولَمْ يَكنْ اجْتِثاث حُنْجرة المُنْشد الثّوريّ ابْراهيم القَاشوش في حَماه إلاّ دَليلاً عَلى انْتصار الفنّ.

في مِضْمار الفنّ الحَرَكيّ شَاهَدنا رَقْصاً جَمَاعياً، وحَلَقات دَبْكة في مُخْتلف المُظَاهرات وشَاهدْنا أَيْضاً تَقْديم المَشَاهد المَسْرحيّة السّاخرة منْ كلّ رَدّة فِعْل قَام بِها النّظَام والمُجْتمع الدّوليّ مَعاً، كَان يُؤدِّيها أُنَاسٌ عاديّون. وفي تَعْليق لضَابِط اسْتخْبارات أَمْريكيّ عَلى أَحَد المَشَاهد المَنْشورة على اليوتيوب، والتي تَتَهكّم عَلى زَعْم النّظَام بأنّ هَؤُلاء مُجرّد مُسلّحين وإِرْهابيين. قَالالضّابط : “حلّلنا الفيديو وتَفحّصْناه، وعِنْدما اكْتَشفنا أنّ البَنادق التي ظَهَرت بأَيْدي المُمثّلين عِبارة عنْ دُمىً وفَاكهة، انْفَجرنا بالضّحك”.

نَحْن أَمَام ثَوْرة شَعْبيّة غَيْر مُسلّحة، تَسْتَحضر كلّ مَوْروثها الفَنّي لِتُواجه آَلَة القَمْع والإِرْهاب. أَيْ الرّد عَلى التّعَابير الهَمَجية بمُفْردات وتَعَابير فَنيّة، جَرَى فيها ابْتداعُ كَلماتٍ وإيقَاعَات جَديدة، وإِهْمال أُخْرى لتَتَوافق مَع اللّحْظة الثّوْرية الرّاهنة. اشْتَركَت بإِبْداعه مُخْتلف شَرائِح المُجْتمع السّوري منَ العَربْجي إلى الطّبيب وأُسْتاذ الجامعة، فالمُساهَمة بالإبْداع لَمْ تَعُد هَذه المَرّة حِكْراً عَلى الخَاصّة أوْ الطّبَقة الوُسْطى.

طِوالَ فَتْرة المُظَاهرات، كَانَ يَجْرى بَيْن المَنَاطق تَبَادل المَعْرفة الفَنّية وتَعْميمها باللّحظة والثّانية عَبْر وَسَائل الإِعْلام ووَسَائل التَّواصل الإجْتماعيّ. ولَقَد تَنبّه النّظَام إلى الكَمّ الهَائل مِنَ الفيديوهات المُنْتشرة والتي سَتَكون شَاهداً عَليْه في المُسْتقبل، لكنّ قِطْعان المُؤيّدين الذين لا يَتَحرّكون ولا يَتَكلمون إلاّ بأَمْر، وبِما تُمْليه عَليْهم الإِدَارة السّياسيّة، خَذلوه في ابْتداعِ حَالاتٍ فَنيّة تُقَارع الحَالَات التي يَبْتدعها المُتَظاهرون. لذَلك، وفي خُطْوة بَاهتة لِمحْو التَّاريخ وَرَدمهِ، قَامُوا بِأَخْذ وسَرِقة أَغَاني الثّوار واسْتبدال كَلماتِها بكَلمات أُخْرى تُكرّس العُبوديّة لِشَخْص الرّئيس دونَ أنْ تَبْتدع، أوْ أَنْ يَكون لَها أَيّ خُصوصيّة. كَما فَعَلوا بأُغْنيةٍ للمُنْشد ابراهيم القاشوش. ومنْ شدّة فَقْر الجانِبِ المُؤيّد للاِسْتبْداد واِرْتباكه، صَار النّظَام مَثَلاً يُكرّر عَلى مَسْمع الجُنود الأَغَاني القَديمة الجَاهزة التي قِيلتْ في الرَّئيس، كأُغْنية (حَمَاك الله يا أَسد) للْفنّانة أَصَالة نَصْري التي انْحَازت للثّوْرة منْذُ بِدَايتها. يَنْشر أَغَانيها القَديمَة وَيَقود في نَفْس اللّحظة حَمْلة تَشْهير ضدّها.

مِنْ أَكْثر المَشَاهد الفَنيّة فَرادةً في الثّوْرة السُّورية حِين غَنّى المُصلّون في أَحَد جَوامِع مَدينة دوما أُغْنية سميح شقير الشّهيرة (يا حيف)، لَقدْ انْتَقلت تِلْك الحَادثة مِنْ كَوْنها ردّاً عَلى اتهاماتِ النّظَام بأَنّ مَا يَحْدث في سُورية هُو رجُوع إلى عُهُود الظّلام والتّعصّب، إلى إِظْهار حَقيقةِ التّدينِ وطَبيعتِه في بِلادِ الشَّام ككُلّ. ذَلك التّديّن الذي تَحوّل عَلى أَيْدي الأُمويين إلى فَلْسفةٍ ومَذَاهب كَلاميّة مُخْتلفة، وانْتَقل بِفَضْلهم إلى بَقيّة أَنْحاء العَالَم.

أَذْكر أَنّ أوّل إِشَارة مُقْلقة لِتَجْريد المُتَظاهرين منْ سِلاحِ الفنّ، والتي لَمْ تَأْتِ منْ جَانب النّظَام، كَانَت عنْدما تَحدّث عبْد الباسط السّاروت مَع قَنَاة (وِصَال) الوهّابيّة في أَوْج أَحْداث حَيّ البَيّاضة. فَفي اتصَالٍ لَهُ، شَكَر السّاروت مُقدّم البَرْنامج، والضّيْف الشّيْخ، والقَنَاة على تَغْطيتها التَظَاهرات السّورية وتَعَاطفها مع الثّوْرة. فَمَا كَان منَ الشّيخ إلاّ أَنْ بَدَأ بتَقْديم نَصَائحه للسّاروت بأَنْ لا يَأْخذوا أَعْراضهم (نِسَائهم) إلى المُظَاهرات، وأَنْ يَمْتنعوا عَنْ تَرْديد الأَغَاني لأَنّها حَرَام، وأَنْ يَكْتفوا بالتَكْبير.

حنطة ١٨ نت7

برومو الشهيد ناجي الجرف