ملف

القطط الثائرة .. عشّاق الحياة!

القطط الثائرة .. عشّاق الحياة!

علي حمّودة                            

 

“مُهْداة إلى أَرْواح الشّهداء: إِنْعام يَاغي، مُلْهم رسْتم، عَلي القَطْريب، كَريم عَوَض، أبو حَيْدر، شادي كرديّة، أَنْور الدّعاس، عُمَر الدّعاس، أُسَامة سَلْهب، خَالد القَصير”.

 

 

تُلاحقهم عُيون الفُضوليين والشَّكّاكين أَيْنما اتجَهوا، يَظْهرون فَجْأةً .. ويَخْتفون فَجْأة، وبِهُدوءٍ مُطْلق .. وثمّ!! حَمْلة مَسْعورةٌ واسْتنفارٌ تَام في كَامِل صُفوف قِطْعان الأَمْن والشّبّيحة لِتقفّي أَثَرهم بيْن طيَّات الرِّياح ..

إنّهُم دُعَاة سَلَام، يَكْرهون رَائِحة الدِّمَاء ويُحبُّون لَوْنها، الثَّوْرة الدَّائمة هي أُسْلوب حياة، لا حَيَاة للحُكّام والزّعَماء. يَبْحثون عَن القَائِد الحَقيقيّ لِبِلادِهم .. ولا يَكفون!

 

أتَحدّثُ عَن شَبابٍ اخْتَلفت أَعْمارهم، وثَقَافاتهم ومُعْتقداتهم، واتفَقَت أَحْلامهم. سِلَاحهم بَخّاخاتهم، وأَوْراقهم، وأَقْلامهم، وَلَافِتاتهم، ورَايَاتهم، ومُكبِّرات الصَّوْت، وكلّ مَا يَسْتطيعون جَمْعه مِنْ طُوبٍ ودَوَاليب، وبَرَاميل قُمَامة، وحِجارةٍ لِمَقاليعهم المَشْدودة دَوْماً؛ والجاهِزة لإِطْلاق قَذَائف غَضَب السِّنين الطَّويلة؛ جَاهزةٌ لإِطْلاق صِراخ وأَلَم كلّ مَنْ دُفِن بِأَقْبية أَكْثر السُّجون هُولوكُوستيّةً على مَرّ العُصُور في وَجْه أَسَاطيل نَيْرون هَذا الزَّمان..

مَعْركتهم مَعْركة وُجود، ولا تًعْنيهم كلّ اسْتعْراضات القوّة التي تَجْري أَمَامهم، ويَعْتبرون أَنْفسهم مُجرَّد أَرْقامٍ بالنّسْبة لِثَوْرتهم، رَقمٌ كَشهيدٍ أوْ مُعتقل أوْ مُهجّر.. فالثّوْرات أَعْظم مِنْ أَنْ تَكْتفي بِما نُقدمه، لِذَلك يَتَزاحمون للحُصُول عَلى رَقمٍ يُحَاسبون فيه المُتخَاذلين مُسْتقبلاً، ويَعْلم الشّبّيحة أَنّهم يُوَاجِهون عِصابةً لا تَهَاب الحَياة… فيَسْتميتون في الدِّفاع عَنْها.. لِذَلك يُواجِهون مَقَاليعهم بَأَرْتالٍ منَ السَّيّارات المُدجّجة بالحِقْد.. ألِهَذه الدَّرجة يَخَافون ثلّة مِنْ عُشّاق الحَيَاة البُسَطاء؟؟؟ أَيُسبّب العُشْق كلّ هَذا الخَوْف؟؟!!

 

مَشْهدٌ منْ مُظَاهرة :

حرية حرية … حرية حرية ..

سوريا لينا و ماهي لبيت الأسد

عاشت سوريا و يسقط بشار الأسد ….

 

كَانوا قَرَابة المئتيْن في حيِّ جُورة الحرّيّة في مَدينَة السّلميّة.. أَصْواتهم مَلَأت السَّماء في لَيْلة المِيلاد.. خَرَجوا رُغْماً عَن أُنُوف أَهَاليهم الذين تَمَنّوا أَنْ يَقْضوا سَهْرةً سَعيدة مِنْ دُون مَشَاكل .. احْتَفلوا أَنْتم .. أمَّا نَحْن فَلَديْنا وَاجبٌ للتّاريخِ!! التَّجْهيزات كلّها عَلى أَتمّ الاِسْتعداد، تَوَزّعت الرَّايَات وقُبَّعات سانْتا كلوز.. يَحْضر (الهَتّيفة) قَادةُ التَظَاهرة، ومَعَهم بِضْعة شَبَاب للحِمَاية، الحِجَارة جَاهِزة .. أُغْلق الحَيّ بالطُوب عَلى المَداخِل.. يَصْنعون بقْعةً مُحرَّرة منْ كلّ مَا صَنَعتْه السِّنين العِجاف الأَرْبعين عَلى سُورية، الكَشَّافون عَلى امْتداد الشَّوارع المُحيطةِ. كلّ الطُّرقات مَرْسومةٌ مُسبَقاً، تَوقّعات الإِصابات ثَلَاثة، تَوقّعات الإِعْتقال خَمْسة أوْ ستّة لأنّ الوَقْت المُتوقّع أَطْول منَ المُعْتاد!! .. حَمَلَةُ المَسَامير، والمَشَاعل، والدَّواليب المُشْبعة بالزّيوت والوُقود عَلى أَبْواب مَنافذ الطّرق، هَاهُو المُخْبر يَتّصلُ بِقُوّات الأَمْن، دَقَائق مَعْدودة.. تُطْلَق الصَّفارات وتَهْدر المَاكينة الأَمْنيّة، وتَمْلأ أَنْوار الكَشَّافات المَكَان ..

 

(واطلق كلابك.. في الشّوارع..واقفل زنازينك..علينا…إتقل علينا بالمواجع.. إحنا اتوجعنا واكتفينا.. وابتدينا نسلك طريق مالهش راجع ..والنصر قريب من عنينا النصر أقرب من إدينا)1*

 

يَتَراجَع خَطّ الدِّفاعِ الأَوّل للاِنْضمام إلى الجُمُوع المُتَواضعة بَعْد أَنْ عَطّل حَمَلة المَسَامير تَقدّم قَافلة السَّيّارات. يُجَنّ جُنُونهم، فيَبْدؤون بإِطْلاق القَنَابل الصَّوْتيّة والرّصَاص الحَيّ في السَّمَاء…  يَبْقى اثْنان مُكلَّفان بإِشْعال الإِطَارات، يَفْشلون في الوُصُول لِغَايَتهم، ويُحَاصرون في زَاويةٍ شِبْه مَكْشوفة، ثمّ هَجْمةٌ عَكْسيةٌ لإِنْقاذ المُحَاصرين.. الحِجَارة تَتَساقط عَلى قِطْعان الشَّبّيحة منْ كلّ مَكَان، تَتَكسّر سَيَارتان: السَّوْداء والبَيْضاء. أَمْن عَسْكريّ وجَويّ!!

.. أَكلْناها يا شَباب!!.. ويَبْدأ الاِشْتباك. تَنْفجر جُمُوع الأَمْن بالغَضَب فيَبْدؤون بالتَّوحّش أَكْثر ويَشْتدّ إِطْلاق النَّار مَع احْتمال التَّصْعيد، وتَعمّد إِصَابة المُتَظاهرين .. وتَنْقلب مَوازينُ القُوى لِصَالح الأَمْن، ويَتَفرّق المُتَظاهرون ببِضْعة إِصَاباتٍ جِرّاء ضَرْبهم بالهَرَاوات وأَكْعاب البَنَادق، وخَسَارة خَمْسة شَبَاب اعْتُقلوا بالاِشْتباكات، وتَعَرّض إِحْدى الفَتيات للإِصَابة، وسَيّدتيْن منَ اللاتي اشْتَبكن بالأَيْدي مَعَ رِجَال الأَمْن لِتَخْليص المُتَظاهرين مِنَ الاِعْتقال .. كَانَت (الحجّة) كَمَا تُلقّب، إِحْدى المُصابات .. دخيل عينك يامو .. يا جبل ما يهزّك ريح!! والأُخْرى أُصِيبت برَفْسةٍ عَلى رَأْسها، ضَرَبها أَحَد الشَّبيحة بَعْد أَنْ مزّقَت ثِيَابه..

 

التَّخْطيط للتّظَاهرة يَتمّ خِلالَ أَيّام الأُسْبوع، البَرْنامج كَالتّالي، تَحْفظه أَفْرع الأَمْن أَكْثر منّا، تَظَاهرة طلابيّة، وتَظَاهرة للنِّساء، وتَظَاهرتيْن طيّارَتيْن عَلى الدّراجات النَّاريّة، أوْ أَكْثر إِذا اسْتدعى الأَمْر ذلك، والتَّظاهرة الرَّئيسيّة يَوْم الجُمْعة.. وهَذه التَظاهرات كَانَت تَتم بالتَّزامُن مَع نَشاطاتٍ أُخْرى، كَعَمليّات البخّ، وتَوْزيع البَيَانات والمَجلّات الثّوريّة، ورَمْي المَنْشورات والقُصَاصات في شَوَارع المَدِينة والمَدَارس والدَّوائِر الرَّسْمية، بالإِضَافة إلى تَنْظيم حَمَلات الإِضْرابات والحِرَاك المَدنيّ، كَمَا كَانَ يَحْدث يَوْم الأَرْبعاء في السَّلَمية، فَقَد كَانَ الأَرْبعاء مُخصّصاّ لِما يُسّمى بِحِراك (الشّارع إلْنا) وهي فِكْرة ظَهَرت بَعْد ضَرْب حِراك التَّظاهر بتَاريخ 15/8/2011 وحَمْلة الاِعْتقالات المَسعورة الشّهيرة في مَدينَة السّلَميَة، والفكْرة تَقَوم على التَّواجد في أَحد الشَّوارع والسَّيْر بعَشْوائيّة بِشكْلٍ صَامت تَمَاماً، وعَدَم القيَام بأيْ حَرَكة تَدلّ عَلى التَظَاهر، ممّا كَانَ يُثير جُنُونهم، فلا يَعْرفون ماذا سَيَفْعلون..

لَمْ يَكُن شبَاب السَّلَميَة عَاجزين عَن الخُروج بأَفْكار جَديدة لإِثَارة القَلَق والبَلْبلة، كَانَت رَايَات الثَّوْرة تُرْفع في كلّ مَكَان، في المَشَافي والدَّوائِر الحُكوميّة والشَّوارع الكَبيرة، فَقدْ تَميّزت السَّلَميَة -المَدينة الثَّانية التي التَحَقت بالثَّوْرة بَعْد دَرْعا الوَطَن- بأَنّها أوّل مَدينةٍ تَحْت حُكْم النّظَام رَفَعت الرَّايَات الخَضْراء في كلّ مَدارِسها دون اسْتثْناء، فقدْ اسْتَيْقظت المَدينةُ في صَبَاحٍ شِتائيّ عَلى أَصْوات مُكبِّرات الصَّوْت في المَدَارس – والتي كانَتْ تُسْتعمَل لتَرْديد شِعَارات الدَّجَل الصَّباحيّة- وهي تَسبُّ وتَشْتم الصَّهاينة الذين بَاعوا الجُولان والقُدْس، وأَنْزلوا عَلَم الوَطَن الكَبير إلى مَا تَحْت الصَّرامي، ونَتيجةً لذَلك انْتقموا أَشدّ انْتقام، حَرَقوا رَايَتنا ودَاسوها بأَقْدامهم، واعْتُقل طُلابٌ كُثر، وطُرِد آَخرون، واسْتمرّ التَّشْبيح عَلى قَدَم وسَاق لمدّةٍ طَويلَة، وتَحوَّلت المَدَارس إلى مُعَسْكراتٍ للتَّحْقيق، وقَامَ العَديد منْ مُديري المَدَارس بِتَرْكيب كَاميرات للمُرَاقبة.. لتَكُون الصَّدمة بنَفْس اليَوْم بحَمَلات الشَّباب البخَّاخين التي طَالَت كلّ مَكَان، حتّى سَيّارات الشّرْطة… فَقدْ وَصَلت القطَط إلى المَحْكمة، وإلى شِعْبة كَذب البَعْث، والمَشْفى الوَطنيّ الكَبير- والذي تَحوّل في هَذه الأَيّام إلى مَرْكز للتّمْثيل بجَثَامين الشّهَداء، وجُثَث القَتْلى (المَشْكوك بعفّتهم وأَصْلهم) عَلى مَرْأى منْ كلّ النّاس.

 

من حياة الرجل البخاخ:

فسسست .. فسسسسسسست …فسسست ..فسسسسست.. الآَن اكْتَملت الكَلِمة الأُولى، المَرْء في هَذه الحَالَة لا يُمْكن أَنْ يَرى شَيْئاً، فالظَّلام دَامس، و الشَّوارع مُعْتمة، ولا يَعْمل مِنَ الحَوَاس الخَمْس إلاّ … السَمَع.

 

لا تَسَلْ لِمَاذا يَفْعل هذا !! سَيَفْعله، لأَنّه مَفْطور على الثَّورة.

نَحْن جَميعاً نَعْلم أنّ التّعْبير عَنْ الرّأْي في بَلدِنا هُو عَمَل فدائيّ .. وهُو الآَن يَقوم بِعَملٍ فِدائيّ. هَل يُمْكنك تَصوّر عَاقبة مَا يَقُوم به ؟!، إنّه في أَحْسن الأَحْوال سِجْن .. وتَشْريد .

 

سَأَحْكي لَكُم مِنَ البِداية:

لمْ يَكُن يَرى، إنّما يَسْمع فَقَط، كَانَت دَقّات قَلْبه واضِحَة جَليّة للسَّامعين، لمْ تَكُن مُنْتظمة أبَداً، وَسَريعة. أمّا أَنْفاسه فكَانَ صَوْتها بالنِّسْبة لَه كَالأَبْواق، ياااااااااااااه ما أَقْواها !!!

هَلْ الخَوْف هُو مَنْ يَفْعل بهِ هَذا؟!

كَانَ يَسْمع كلّ تَفَاصيل الأَصْوات المُحيِطة بِه.. كَانَ يَعيش دَقَّات مُحرِّك الدَّراجة النَّاريّة التي يَسْتخدمها في كلّ جِزْء صَوْتيٍّ مِنْها.. ما أَبْشع الضَّجيج في لَحَظات يَلفّ فيها الصّمْت القَاتَل كلّ الشَّوارع.

ها هو يَصِل.. ويَتوقّف ليَلْتقط أَنْفاسه، ويَحْزم أَمْره، ويُقرِّر:

– نَعم .. سَأَنزل.

عنْدها أحسَّ وكأنَّ كلّ أَرْواح الشُّهداء تَمثَّلت أَمَامه مُبْتسمة .. فَخُــورة بِعَمَله البَسيط، وأَحسّ أَيْضاً أنَّ المَكَان مُحَاط بالأَشْباح..ولَكنْ لا يَهُم، فالمَلَائكة تَطْردهم لِتَحْميه، يَنْزل عَن الدَّراجة .. (الله يحْميك ) يَقُول صَديقه سَائِق الدَّراجة.

خُطواته على الأَرْض كالزَلازِل.

لا..لا.. مَهْلاً !! سَتَسْتيقظ الغُرْبان لتُخْــبر عَنْك..مَهْلك..هَدّئ مِنْ رَوْعك، ومِنْ خَطَواتك،  .. ولَكنْ … اللّعْنة!!! صَوْت جَديد يُعكِّر سرّية العَمَل، إنّه صَوْت احْتكاك أَكْواعه بخَاصرتيْه.. اللّعْنة!!

افْتَح يَديْك قَليلاً -يَا أَنَا- عنْدَما تَمْشي!!

خُطْوتان..ثَلاثَة..هَا قَدْ وَصَل إلى الجِدارِ.. الآَن خُذْ مِنْ هَذا الزَّمن المَديد لَحْظة اسْترخاء ..وصفِّ ذِهْنك..

آ آ آ …. مَا هَذه الحَرَارة التي تَلْسعه في أَوْردته؟!، هَلْ ارْتَفعت حَرَارة دَمِه؟ .. أَحسَّ بحرْقة تَلْسع جُدْران أَوْردته وشَرايينه الدَّاخليّة..حرْقة تَزْداد باِزْدياد سرْعَة جَرَيان الدَّم عَلى طُول الجَسَد… لا بَأْس..إهْدَأ!!

ما هَذا الصَّوْت الجديد؟ كَأنّه هرٌّ يَنْبش كيس قُمامة منْ بَعيد؟ نَعَم..إنّه يَسْمع بوُضُوح صَوْت احْتكاك أَسْنانه بالكِيس.. يَسْمعه بكَامل الوُضُوح الذي يُمْكن أنْ تَتَخيّلوه، وصَوْت غَرْغرته أَيْضاً.

يَجبْ أَنْ تَنْسى.. اسْحب نَفَساً عَميقاً قَبْل أَنْ تَبْدأ، إنّي أَسْمع صَوْت أَوْراق الشَّجَر تَتَحرك بشدّة، وكأَنّك سَحَبت كلّ الهَوَاء في الشَّارع الضَّيق..رَائِحة الحرّية!!

تَبْتسم لَه أَرْواح الشُّهداء (مجدّداً) .. تِلْك الحَاضِرة مَعنا أَيْنما ذَهبْنا، ( يَرجّ) بَخَّاخته ..” يا ربّ العَالمين !!!” ويَبْدأ.

-اخْتَصر .. اخْتَصر قدْرَ المُسْتطاع كلّ ما يَدُور في ذهْنك، وأَذْهان رِفَاقك.. كَلمتيْن يَكْفي.

-لَيْس لَديّ منِ الوَقْت لِأَكْثر مِنْهما..هيَّا يَا ذَاكرتي .. سَاعِديني.

إنّه يَقْتل، يَحْرق، يُحَاصر، يَعْتقل، يَضْرب… فلْنَبْدأ أيّتها اليَدُ برَسْم (اليَاء.(…

تُطَالعه أَفْكار أُخْرى: سَرقة .. سُجون .. سِياط .. سَحق.. وها هُو حَرْف (السِّين) يَشدّ عَلى ذِراع (الياء).

ثمّ: قَهْر .. قَتْل .. قَمْع .. قُوات.. فَيَتموْضَع (القاف) شَامخاً في مَكَانه.

بَقي حَرْفٌ أَخير لإِنْهاء الكَلمة الأُولى:

طَيَران حَرْبيّ .. طَلَقات نَاريّة ..طَقْطَقة العِظَام..

اكْتَملت الكَلمة الأُولى الآَن.

اللّوْن الأَحْمر يُضْفي عَليْها حَمَاساً رائِعاً، ويُتَمْتم بصَوْت خَافتٍ جُمْلة دُون تَوقّف: “أيّها الوَغْد المُدّعي الفَضيلة، كلّما زُدْت في تَعْذيبي زُدْت في تَرْسيخ مَبادئي أَكْثر” ويَهُـمّ بإِكْمال الكَلمَة الثّانية..

دَقَائق قَليلة بَعْد انْتهائهم، وتُهَاجم الكَلمتيْن اليَتيمتيْن كلّ قُوّات الأَمْن المُدجّجة بمُخْتلف أَنْواع الأَسْلحة، دَقَائق قَليلة.. وتُصْبح آَثَارهم عَلى الجُدْران بِمَثابة جَرائم ضدّ الإِنْسانيّة…

– لا بَأْس.. سَيفْعل الكَثير.. فنَحْن نُوَاجهه بمرآةٍ .. ولَكنْ يَبْدو جَليّاً أنّه لمْ يُعْجب بمَا يَرى.. لذَلك أَرْسل كلّ قُوّاته لتَقْمع كَلمَاتي…فَفَشلت.. وخَابَت بَعْدما انْطَلقتُ تَحْملني ريَاح الحرّية إلى رفاقيَ المُنْتظرين.

تَوْزيع المهمّات يتمّ حسْب القُدرات البَدنيّة والمَوَاهب التي يَمْتلكونها، فالأَصْوات الجَميلة والقَالِعة للهِتاف، الرّسّامون، وأَصْحاب الخُطُوط الجَميلة لتَجْهيز الرّسومات واللافِتات، أَصْحاب الليَاقة العَاليّة والقُلوب المُتَماسكة يَعْملون كبَخّاخين أوْ يَقُومون بمُهمّات تَحْتاج إلى الخفّة والتّسلّق والتّوَازن، مُحْترفو قِيَادة الدَّراجات النَّاريّة هُمْ العُنْصر الأَهم والرّكيزة الأَساس في العَمَل، فهُم يُرَافقون البَخّاخين، ومُوزّعي المَنَاشير، والكَشَّافين، وفي المُظاهرة همْ المَسْؤولون عنْ سَلامة الإِعْلاميين، وحَمَلة الكَاميرات، ومُكبِّرات الصَّوْت، وما شَابَه، وهُمْ يَحْفظون الطُّرق البَعيدة، ومَخَابئ الثُّوار، وتَقَع على عَاتقهِم إيصَالُ المُسَاعدات إلى المَنْكوبين، وأمّا قَادة الحِرَاك فهُم الشَّباب الأَكْثر شَعْبيّة في الشَّارع، ولا يَسْتطيع ابْن الرَّب حتَى أَنْ يَفْرض نَفْسه كَزَعيمٍ أوْ رَئيسٍ عَليْهم، فَهُم يَعْلمون الفَرْق ما بَيْن القَاِئد والزَّعيم، قَادَتهم يَتقدّمونهم بالعَمَل، ولَيْس لَهُم رَأْي إلاّ بَعْد آَرَاء الجَميع، وطَبيعيٌّ جِداً ألاّ يُؤْخذ رَأْي القَائد إذا لَمْ يُعْجبهم، لايَهمّهم منْ هُم في كَواليس السّياسة، ولا يُحبّون حتّى خَوْض الأَحَاديث فيها.. ولَهم مُمثلون ليَتحدّثوا عَنْهم في جَلَسات التَّنْسيق أوْ المُفَاوضات أوْ مَا شَابَه، لأنّهم لا يُطيقون الجَلَسات الرَّسْميّة والنِّقاشات التي لا تُحْدث ضَجيجاً وبَلْبلةً في الشَّارع، ويَعْتبرونها(علاك بعلاك).

.. رِضَاهُم هَام جدّاً في سَبيل نَجَاح أيْ مَشْروع عَمَل يُطْرح مِنْ قِبَل أيّ جهةٍ كَانَت، وعَلاقَتهم مَع صَفحات الإِعْلام فَاشلةٌ جدّاً وفي حَالَة عِراكٍ دَائم، يُهَاجمون مُمثّليهم ولا يَهمّهم مَا يَقُول إِعْلام النّظَام، وحتّى لا يُضيعون وَقْتهم في مُتَابعته، ولا يَهمّهم حَجْم الشَّارب الذي أمَامَهم، ومَنْ صَاحبه. ولَكنّهم مَع ذَلك، لَهُم عَرّابون مِنَ الرِّجَال الكِبَار..

هُمْ مُهجّرون عَنْ بُيوتهم، مُلاحَقون أَمْنياً، لا يَمْلكون فِراشاً يُلقون أَجْسادهم المُتْعبة عَليْه، يَمْلكون حُبَّ الشَّارع فَقَط، لَهُم مُعْجبينهم الكُثُر ومُحبّينهم، وتَوْجيه أَحَدهم دَعْوةً لَهُم ليَقِيهم منْ قَسْوة الشَّارِع وخَطَره في مَنْزله، يُعْتبر قِمّة التَّرَف لَهم. وإِنْ لمْ يَجِد، فَسَيقْضي لَيْله في أَحَد المَخابِيء البَعيدةِ أوْ عَلى أَحَد الأَسْطح المَهْجورة، أوْ يَتجمّعون في الزّقَاقات المُعْتمة والهَادئة، ليَبْتعدوا عَنْ عُيون المُرَاقبين، والمُخْبرين، والمُتسَائِلين، لِيَبْقوا جَاهزين لأَيّ مُهمّة مُفاجِئةٍ، قدْ تَكون خَطرةً جدّاً وفِدائيّة أَحْياناً، وقَد لايُعودوا منْها أَبَداً.. يَحْفظون مَدينَتهم عنْ ظَهْر قَلْب، ويَسْتطيعون الوُصُول إلى أَكْثر ممّا يُريدونَ عبْر شَبَكةٍ طَويلةٍ مِن الأَسْطحةِ، والزَّوَاريب، والمَدَاخل، والمَخَارج، يَعْملون في صَمْت وهُدوء، لا يَعْرفون مَاذا تَعْني كَلمة  مُسْتحيل، أوْ كَلمة جُنُون، أوْ تَذمّر.. نَتَائج أَعْمالهم كَارثيّة .. وحُضُورهم قوّي في كلّ مَايَدور على امْتداد شوَارِع الوَطَن، وبمُجرّد خُرُوجهم منْ أَرْض المَعْركة يُجنّ جُنون الشَّبّيحة، يُحاصَر المَيْدان وتَبْدأ أَعْمال الكَنْس والتَنْظيف وطلاءِ الجُدْران بالزِّفْت..

يَرْسمون خطَطاً جَاهزةً لكلّ شَيْء.. طَريق الدُّخول والاِنْسحاب.. طُرق الهُروب منَ المَكَان المُتواجِدين فيهِ..يَعْلمون تَماماً متَى يَخْتارون تَوْقيت ضَرْبتهم، فَلا تَظنّ أنّك تَجْلس في الأَمَان والدفْء بلَيْلةٍ شَتويّة مَع منْ رَافَقك منَ المُجْرمين، لِترْفَع نَخْب انْتصَارك وتَعْفيشك لأَحَدهم، فهُنَاك الآَن مَنْ يَسْتعدّ لِقَلْب جوّ جَلْستك الجَميلة، وإِرْسالك إلى أَبْعد ممّا تَظن.. نَعم، منَ الطَّبيعيّ أنْ تَجدَهم يُشَاغبون عَلى بُعْد عدّة كيلومتراتٍ عَن المَرَاكز الأَمْنية، فَقَطْ لأَجْل إِخْراجهم منْ أَوْكارهم و(نزع مَسَاهم) تَحْت الثُّلوج، أوْ الأَمْطار والبَرْد والرِّياح..

مُنَظّموا النَّشاطات والحَمَلات مَجْهولون بالمُطْلق.. وطَريق الاتْصال والتَّبْليغ عَن المَواعيد والأَخْبار يَقُوم على مَبْدأ الخَلايا والحَلَقات الغَيْر مُتّصلة بِبَعْضها، فَلا تُضيع وَقْتك عَزيزي الشَّبّيح في أَسْئلةٍ لا أَجْوبة لَها.. واسْتِعْراض العَضَلات عَلى مُكَبّلي الأَيْدي.. فَهُم يَعْرفون تَمَاماً كَيْف يَعْملون .. يَحْسبون الخَسَائر قَبْل المَكَاسب .. ومُسْتعدّون لِدَفْع الكَثير وَلوْ مُقَابل القَليل، شِعَارهم مُوجّهٌ لِكُلّ مَظْلومي الأَرْض .. (يا عشّاق الحَياة!).. ويُلبُّون النِّداء بَأيْ وَقْت،  هَلْ تَسْتطيع مُواجهة كلّ مَظْلومي الأَرْض؟؟؟؟ هلْ تَسْتطيع مُواجَهة عُشّاق الحَياة؟؟؟؟؟ هلْ تَسْتطيع أنْ تَفْهم ما هُو الفَرْق ما بَيْن عُشَّاق الحَيَاة وعُشَّاق الشَّهادَة؟؟ أَنْتم عُشَّاق شَهَادة، تَسْتشهدون لأَجْل أنْ يَحْيى الزَّعيم، وأبو الزَّعيم، عَلى أمّ الزَّعيم. أمّا نَحْن عُشَّاق الحَيَاة، ولا نَهَابها، فنَمُوت منْ أَجْلها، وأَنْتم تَعْلمون هذا جَيّداً، ولَكنّكُم لا تُدْركونه.

هُم أوّل مَنْ يَخْسر، وأَكْثر مَنْ يَخْسر.. همْ الذين يَعْملون لَيْل نَهَار ليَعيش الآَخرون بِكَرامة، فيَخْسرون كلّ شيْء حتّى قُوت يَوْمهم .. لا تَظنّ أنَّك سَتكْسر شَوْكتهم.. فَحقْدك يَقْتل بَعْضهم، ولَكنّه يُنْشئ أَجْيالاً تَسيرُ عَلى خُطَاهم .. وتَدْرس فِكْرهم وتُنْشئ مَدَارسهم .. فهُم لا يَمُوتون، ولا يَرْحَلون، بَاقُون حتّى نِهَاية الزَّمان، بَاقُون أَرْواحاً حتّى بِدُون أَجْساد، باقُون لأَجْل كلّ شَيْء، لأَجْل حَمْزة الخَطيب، لأجْل باسِل شحَادة، وغيّاث مَطر،لأَجْل مَنْ سَجَد عُنْوةً لِصُورة فِرْعون العَصْر.. لأَجْل مَنْ قَال (أنَا إنْسان ومَاني حَيوان) .. لأَجْل ذَلك العَجوز الذي قَال يَوْماً (جاييك جاييك ..عمري ستين سنة، لو بيظل بعد بعمري يوم غير آآجيك) باقُون لأَجْل محمّد أبو العُيون .. لأَجْل درْعا التي صَرَخت منْ برَّاد المَوْتى عنْدما كَتَب أبو العُيون بِدَمه “وَضَعوني هُنا حيّاً.. آني عايش هسَّع، وراح أَمُوت بعدين.. بسْ بعدني بدّي حريّة.. أَمانة سلمولي على أُمّي..) بَاقون لأَجْل مشْعل تمّو، وأبُو الفُرات وحسين هَرْموش.. هلْ تَذْكرون حسين هَرْموش؟؟ .. بَاقون لأَجْل كلّ صَبايا، وسيّدات سُورية اللاتي صَرَخْن تَحْت أَنْفاس بشّار الأَسَد وهو يَغْتصبهنّ الوَاحدة تلْو الأُخْرى، ويَسْتلذ بآَلامهن .. آلَام البُطون التي أَنْجبت للعَالَم أَعْظم المُلُوك والمَلكات .. باقُون لِيَبْقَ الوَطَن، وتَبْقى سُورية ..

 

*1:منْ قَصيدة “شيّد قصورك” للشّاعر أحْمد فُؤاد نجْم.

 

#الزير_بوجريدة

حنطة ١٨ نت8

حنطة ١٨ نت9

حنطة ١٨ نت10

 

برومو الشهيد ناجي الجرف