ملف

الثّورة السّورية: مساحاتٌ فنيّةٌ خضراء على امتداد وطنٍ ينزف أحمرا

 

الثّورة السّورية: مساحاتٌ فنيّةٌ خضراء على امتداد وطنٍ ينزف أحمرا

مصطفى عبدي

ليْسَت الثّورة السّورية ثورة قتلٍ وتعذيبٍ واعتقالات وبراميل تَمْطر المدنيين، بل هي ثورةُ أغصان الزيتون، بدأت بعنوان السّلام ودعوات الحرّية.

إنْ أمعنّا النّظر، نجدُ في يد كلّ شهيدٍ حرفاً، وتحْت كلّ شهيدةٍ لوناً، وفي فمه-ها قصيدةٌ، وألْفُ نَغْمةٍ وأُغْنية.

نعم، إنْ كانت الدّماء تُغطّي خارطةَ سورية بيوْميّات القمع والدّمار، إلاّ أنّه يُوجَد خَلْف كلّ جدارٍ شعبٌ حرّ أَوْجد لِنفْسه مساحةً إنسانيّةً بعيداً عَن المشاهد المأساويّة التي تَسْكنُنا يوميّاً.ومَهما علا صوتُ الرّصاصِ وأزيزُ المعركة، يُمْكننا أَنْ نثورَ بالفنّ، وأنْ نَصل أَعْمق في نَقْل مُعاناة النّاس وأزماتهم، فكانت صفحاتُ الانترنت التي حملت معها ثورةً مختلفة تُحاكي الواقع ومجرياته، والكثير مِنْها اتّخذ الفنَّ ثورةً وعنواناً مِنْ خلال الكاريكاتور، أوْ المَسْرح، أوْ الأغنية، أوْ المقاطعِ المصوّرةِ، أوْ تَوْثيق لافتات المُدن الثّائرة.

فالثّورة السّورية فجّرت كلَّ أنْواع الفنون، فلمْ يَعُد هناك فنّانٌ أوْ فنٌّ في مكانه. فتحوّل التّشكيليون إلى مُتابعة اليَوْميات والرّسم عَنْها، وكان لكلّ مِنَ المسرحيين والموسيقيين والأدباءِ مُساهماتِه.

وسائِل إبداعيّة في ترجمة “الثّورة”:

كثيرةٌ هي الصّفحات التي تَحْتضن الفَنّ، وكثيرةٌ هي التي تخصّصت في عنوانٍ واحدٍ بمهرجانات على الأرضِ كـ “شوارعنا ملوّنة” و”بالفنّ نَثور”؛ ومَنْ منّا لَمْ يُتابع “فرقة أبطال موسكو الأقوياء”؟، وكَمْ مرّة ردّدْنا أُغنيّة “يا حيف” لسميح شقير، وكرّرْنا صَيْحات “القاشوش” الذي أَصْبح العدّو الأوّلَ للنّظام، حالَه كحال أغْلَب فنّانيّ ومُبْدعيّ الثّورة الذين تحوّلوا إلى أهدافٍ قاسيّةٍ له؟ إذْ أنّ النّظامَ كانَ يَهابَهم ويهاب الإعلاميين أكْثر مِنْ أيّة قوّة أُخرى.

فالأغاني المُخصّصة تكاثرت، وتنوّعت بمعانٍ مُقْتبسة مِنْ روح الثّورة وبساطتها، وواكبت الأعمال الفنيّة تطوّرات الشّارع لتكون صدىً له، وصوتاً قوياً لآلامِ النّاس. وتصاعدت تدريجيّاً كردة فعلٍ على تزايد عمليات الإرهاب. فقدْ كسرت الثّورةُ حاجزَ الخَوْفِ عنْد النّاس، فارتفعت معها وتيرةُ العملِ الفنّيّ.

لافتات الثّورة عناوين فنيّة بارزة:

يَقولُ الفنّانُ التّشكيليّ بشّار العيسى: “أرى أنّ لافتات بلدة كفرنبّل أدّت دوراً لَمْ تُؤّده الصّحافة أيّامَ الثّورة الفرنسيّة ولا الحروبَ الكونيّة في نوعيتها وسخونتها، وَدفعت كفرنبل، وعامودا، وبنّش، والحراك، وريف دمشق إلى إنْتاجِ مدْرسةٍ عَصْريةٍ سوريّةٍ خاصّة بالكاريكاتير”. فقدْ ذاع صيتُ كفرنبل على أنّها أَكْثر البَلدات ظُرفاً وذكاءً في الشّعارات المرفوعة كلّ يومِ جمعة.

ووفقَ الفنّان العيسى فإنّ هذا الدّور الذي أدته كفرنبل وأخواتها تجاوز كلّ إبداعات الفنّانين التقليديين.

فنانّو”الثورة” وفنانّو “النظام”:

لَمْ يقف الفنّانون السّوريون جانباً، فالكثير مِنْهم اليَوْم يُعاني الاعتقالَ، أَوْ التّضييقَ والتّهديدَ، أَوْ حملات التّشهير، عدا عَنْ أُولئك الذين اضطروا إلى “النّزوح” خوفاً مِنْ بطش السّلطات، وآخرون لجؤوا إلى حِضْنه لَيْس فقط بتَبرير أَفْعاله، بَلْ وتَرْويج خطابه كذلك. كما حدث مع الزّيارة الأخيرة لجورج وسّوف إلى قصر الرّئيس بُعيْد انتخابه، والصّورة المُهينة التي نشرها على صفحته في إهانةٍ إلى أرواحِ الآلاف مِنَ الشّهداء الذين سقطوا على مَذْهب الحرّية.

مَهْما كان، فَقدْ كان للفنّ دوره في الثّورة لكنّه لمْ يَسْتطع أَنْ يكون بمستوى المأساة التي ألمّت بالنّاس، ولبس الأبيض- مؤخّراً على الأقلّ- مِنْ خلال لافتات كفرنبّل التي رُفِعت بَيْضاء كدلالةٍ عَنْ عَجْزهم عَلى تَجْسيد مدى ما وصلتْه الثّورة، وسورية التي تحوّلت بفعل تواطؤِ العالم إلى تَصْفية حسابات بَيْن أقْطابه.

حنطة ١٨ نت12

برومو الشهيد ناجي الجرف