حصيدة

تكتيك الأنفاق في حلب ــــــ حرب تدور رحاها تحت الأرض

تكتيك الأنفاق في حلب ــــــ حرب تدور رحاها تحت الأرض

مكتب حلب ـــــ عماد حسّو

لَطالما كانَتْ الأَنْفاق تَكْتيكاً عَسْكرياً، تَلْجأ لَه الأَطْراف المُتَنازعة بِهدف التّفوق على الأَرْض وتَحْقيق الإنْتصار، وذَلك تِبْعاً للظّروف العَسْكريّة التي تَفْرضها المَعْركة. فالأَنْفاق مَوْجودة في التّاريخ بِدْءاً مِن العُصور الوُسْطى حَيْث كانَتْ تُسْتخدم كمَمرّات سرّية يَتُمّ مِنْ خِلالها حِمايةُ القِلاعِ والحُصون، وتَزْويدها بالمُؤَن. وكَذلك في العَصْر الحَديث، حَيْث اسْتَخدم الفيتناميّون الأَنْفاق كَمراكز تُمكنّهم مِنْ شَنّ غاراتٍ على قُوّات الولايات المتّحدة الأمْريكيّة، ومَن ثَمّ الاخْتباء فيها.

وكَذلك في سورية، فَقَد وَجد الثّوار أَنْفسهم أَمام واقعٍ سيّء حَيْث التّفوق العَسْكريّ على الأَرْض للنّظام السّوريّ بالإضافةِ إلى سَيْطرته على سَماء البلاد. مُقارنة لا يَجْدر ذِكْرها بَيْن ما يَمْتلكه النّظام مِن تَرسانةٍ عَسْكرية، وبَيْن الأَسْلحة الخَفيفة والمُتوسّطة لَدى الثّوار. كلّ ذَلك جَعل مِن تَكْتيك الأَنْفاق خياراً لا بُدّ مِنْه، فَكانَت في حمص سنة 2012، وتَمّ تَفْجير أوّل مَبْنى، وهُو مَشْفى الْقصير الوطنيّ والذي اسْتُخدم كَثَكنةٍ عَسْكريّة آَنذاك,وقَدْ تَمّ التّفْجير مِنْ خِلال نَفقٍ حَفَره الثّوار وقَاموا بِزَرْع المُتفجّرات أَسْفل المَبْنى.

وهَكذا أَصْبحت الأَنْفاق التّكتيكَ العَسْكريّ الأَبْرز الذي لَجأ لَه الثّوار في سورية بِشكلٍ عَام، وفي حلب بشكلٍ خاص. فَقد شَهدت مَدينةُ حلب خِلال الأَشْهر المَاضيّة العَديد مِن عمليّات التّفْجير لِمباني يَتَمرْكز فيها النّظام، وذَلك مِنْ خِلال حَفْر أَنْفاق مِن المَناطق التي يُسيطرون عَليْها إلى مَناطقِ النّظام، وزَرْع كميّات كبيرة مِن المَواد المُتفجّرة ومِنْ ثَمّ نَسْفها، (مَبْنى فُنْدق الكارلتون، ومَبْنى القَصْر العَدْليّ، ومَباني في ثَكنة هنانو، ومباني في فرْع المُداهمة في الميدان، وغُرفة صِناعة حلب في السّبْع بَحرات)، وكلّها مَراكز تجمّع لِقوّات النّظام وشبّيحَته, نَجَح الثّوارُ مِنْ تَدْميرها ونَسْفها مِنْ خِلال الأَنْفاق التي حَفروها إلى نُقاطٍ تَقَع تَحْت تِلْك المَباني أَوْ بالقُرْب مِنْها. وبالتّالي فَقد كبّدوا قوّات النّظام خَسائرَ كبيرةٍ في صفُوف شبّيحتِه ومُقاتليه،إِضافةً إلى إِجْبارهم على التّراجعِ نَحْو الخَلْف في جَبَهات القِتال.

(أبو عَرب الأنْصاريّ) هو أَحد مُقاتليّ الجَيْش الحُرّ القَائمين على حَفْر النّفق الذي اسْتهدفَ قُوّات النّظام في غرفةِ صِناعة حلب في حيّ السّبع بَحَرات. يُحدّثنا أبو عَرب عَن العَمليّة قائلاً: “يَتطلّب حَفْر النّفق الكَثير مِنَ الجهْد والتّعب لَقَد عَملنا لِـخَمْسة أَشْهر تَقريباً في حَفْر النَّفق لِلْوصولِ إلى النّقْطة المَطْلوبة. ساعات طَويلة مِن العمَل الدّؤوبِ حَيْث قُمْنا بِحفْر مَسافة تُقارب الـ 500 مِتراً بعُمْق ثلاثةِ أَمْتار تَحْت الأَرْض. كانَ عَملُنا سرّياً، حَيْث بَدَأنا مِنْ أَحَد المُسْتودعات في حيّ بابِ النّصْر. لَمْ يُغادِر مَكانُ الحَفْر أيٌّ منّا، وذَلك ضَماناً للسرّية التّامة، وحَيْث الإِلْتزام الدّائم بالعمَل. أَدواتنا البَسيطة التي اسْتَخدمناها كانَتْ (الكريك، والفَأْس، والمِعْول)، ولَمْ نَسْتعمل الكمبريسة إلاّ في بِدايةِ حَفْر النّفق، وذَلك لِضمان عَدَم اكْتشافِه مِنْ قِبل قُوّات النّظام”، ويُتابع أبو عرب: “صُعوبة التّنفس، والجُهْد الكَبير هو أَبْرز الصّعوبات التي واجَهتْنا، خُصوصاً وأنّ عَددنا كانَ مَحْدوداً، فكُنّا نَتَبادلُ ساعات العَمل للوصولِ إلى النّقطة المُسْتهدفة والتي كانَتْ بِمثابة النّصْر بالنّسْبة لنا، بَعْدها قُمْنا بِوَضع الموادِ المُتفجّرة (تي إن تي, سيفور, بارود, أصابع الدّيناميت) في ثَلاث نُقطٍ لإِغْلاق النّفق بِأَكياسٍ مِن التّراب، ووَضْع الخَرَسانة المُسلّحة في بدايةِ النّفق لِكَي نُبْعد الخَطَر عنْ مناطِقنا, وأَخيراً التّفْجير لِأَكْثر مِنْ 200 طنّ، فكانَت النّتيجةُ إنْفجارٌ ضَخْم في غُرفة صناعةِ حلب، وسُقوط أَكْثر مِن 85 بَيْن قَتيلٍ وجَريح، وتَراجُع قوّات النّظام للْمباني الخَلْفيّة في حيّ السّبْع بَحرات”.

لَقدْ أَصْبحت الأَنْفاق كابوساً يُهّدد مُقاتلي النّظام وشبّيحته، يُحدثّنا النّاشط في مَناطقِ النّظام (محمد الحلبي) عَنْ ذَلك قائلاً: “حَالةٌ مِنَ الهَلَع والذُّعْر الكبيرَيْن تُصيب قوّات النّظام، فالخَوْف الدّائم مِن التّفْجيرات التي تُلْهب الأَرْض وتَنْسف مَبانيَ يَتَمرْكزون فيها جَعَلهم يَعيشونَ في حَالةٍ مِنَ الإِرْتباك والقَلَق، فالهستيريا الحادّة هي ما يَعيشُونه عِنْد سَماعِهم بِتَفْجيرٍ قَتَل زُملائهم في الإِجْرام. لذَلك لَجَأ النّظام في الآونةِ الأَخيرة إلى حفرِ خَنادقَ على عمْق خمْسةِ أمتارٍ حَوْل أَغْلب المَباني التي يَتمرْكز فيها، والتي تُعْتبر على خُطوط التّماس مَعَ جَبَهات الثّوار بِهَدف اكْتشاف أيِّ نَفقٍ جَديد، وبالتّالي إفْشال عَمليّة التّفجير. كَما تَوَاردت الأَنْباء عَن لُجوء النّظام في بَعْض المَناطق لذات التكتيك حَيْث قامَ بِحَفْر الأَنْفاق بُغْية التّسلل إلى مَناطق الثّوار، وهذا ما ذَكره بَعْض مُقاتلي الجيْش الحرّ في جَبْهة “سُليْمان الحَلبيّ” حَيْث سمِعوا أصواتَ حَفْر مِنْ تَحْت الأَرْض هُناك”.

حَرْب ما تَحْت الأَرْض (الأَنْفاق) هي التي حقّقتْ نوعاً مِن التّوازن العَسْكريّ على الأَرْض، ومَنَحت الثّوارَ قوّةً كبيرةً في امْتلاكِ زِمام المُبادرة والسّيطرة على مناطقَ جديدةٍ، فأَصْبحت اسْتراتيجتهم الأُولى في الوَقْت الحاليّ تَفجير أَكْبر عَددٍ مُمْكن مِن مَباني النّظام مِنْ خِلال الأَنْفاق. وفي ذَلك يُحدثّنا القائِد المَيْدانيّ في الجَبْهة الإِسْلاميّة، وفي جَيْش الإِسْلام (أبو موسى) قائدُ قطّاع أقيول في جَبْهة حلب قائلاً:”إنّ تَمَركز قنّاصي النّظام في مَبانٍ مُرْتفعة ومُحصّنة، ورَصْدهم مَسافاتٍ طويلةً على خُطوط التّماس بَيْن الثّوار وقوّات النّظام، بالإِضافة إلى امْتلاكِ جَيْش النّظام للطيَران الحَرْبيّ الذي يَقُوم بالتّغطيّة لِقواتِه على الأَرْض جَعَل مِنْ خَيار الإِنْتفال إلى ماتَحْت الأَرْض اسْتراتيجيّة يَتْبعها كلّ الثّوار على جَميعِ الجَبَهات”.

إنّ الأَنْفاق كَتكتيك عَسْكريّ ضَروريّ في الوَقْت الحَالي، فهُو يُحقّق الغَرَض المَطْلوب بِما يَمْتلكه مِن عُنْصر المُفاجأة لِقوّات النّظام والقوّة التّفْجيريّة الضّخمة لمبانيه، فَقدْ حَققّت تَقدّماً واسِعاً على كَثيرٍ مِن الجَبهات، وكبّدت النّظام الكَثيرَ مِن الخَسائر البَشريّة والاسْتراتيجيّة على مُسْتوى مَقرّات تَمَركزِ قوّاته، فدائِماً ما يَتَرافقُ الإِنْفجار باقْتحامٍ يَشنّه الثّوار، إلاّ أنّها لا تُعْتبرُ حلاًّ دائِماً، وذَلك بِسببِ الجُهْد والزّمن الكَبيريْن في عمليّات حَفْرها، وهي سِلاحٌ سَيَسْتعمله الثّوار حتّى حُصولهم على مُضادات الطّيران والأَسْلحة الثّقيلة مِن صواريخ بَعيدة المَدى، والتي سَيكونُ لَديْها القُدْرة على تَدْمير مَباني النّظام وإِسْقاط طائِراتِه، وبالتّالي جَعْل المَعْركة مُتوازنة على الأَرْض.

إذاً، هي حَربٌ تَدورُ رِحاها تَحْت الأَرْض، يُحاولُ الثّوارُ مِنْ خِلالها المُضي في ثَوْرتهم التي بَدؤوها بِشكلٍ سِلْميّ، إلاّ أَنّ دَمويةَ النّظام وآَلتِه العَسْكريّة جَعلتْهم يَحْملون السّلاحَ دفاعاً عَنْ أَرْضهم وعِرْضهم، وهاهُم اليَوْم يَتْبعون كلّ التَكْتيكات العَسْكريّة عَلى الأَرْض نَتيجةً لضِعْف تَسْليحهم، وتَفوّق النّظام مِنْ حَيْث العِتاد. إلاّ أنّ إيمانَهُم بالنّصْر وبقَضيّتِهم جَعَلهم يَبْتكرونَ الكَثيرَ مِن الطّرقِ والأَدَوات التي تُساهم في الوصولِ إلى حرّيتهم المَنْشودة، ووَطنهِم القَائِم على العَدْل والمُساواة.

حنطة ١٨ نت19

حنطة ١٨ نت20

برومو الشهيد ناجي الجرف