جرن حنطة

الحرْب الأهليّة في بلاد الشّام

الحرْب الأهليّة في بلاد الشّام

مروان عبد الهادي

انْتفاضَة “أَهْل السّنة”، أوْ انْتفاضة “العَشائر” كَما يُسمُّونَها، ضدّ نِظَام المَالكي “الشِّيعي” في العِرَاق، يَفْتح البَوَّابة الوَاسِعة لِحَرب طَائفيّة دَمَوية مَكْشوفة، بَيْن “السِّنة” و”الشِّيعة”، لَيْس في العِرَاق وَحْده، إنّما في كُلّ بِلادِ الشَّام (العِراق، سُورية، لُبْنان)، والتي تَتَشابه في تَنوُّع مُكوّناتها المُجْتمعيّة، والاِثْنية، والدِّينيّة، والقَوْميّة.

والبَحْث في الأَسْباب المُبَاشرة، أوْ القَريبة، تُعِيدنا إلى مَرْحلة صَدّام حسين الذي أَقَام نِظَاماً اسْتبْداديّاًّ، أوْ “دَوْلةً أَمْنيةً” بتَعْبير طيب تيزيني، شَبيهَةً بالنّظَام الأَمْنيّ الذي أَسّسه الطَّاغيّة الأَب في سُورية. والاِثْنان “خِريجو نفْس الايدْيولوجيا البَعْثيّة”، وعَمِلوا بِنَفْس المَبْدأ لتَثْبيت نِظَامهم الأَمْنيّ، وهُو الاِعْتماد على الطَّائفة لاِخْتيار وانْتقاءِ عَنَاصر المَافْيات المُسَيْطرة، وخاصّة في الجَيْش والأَمْن. ممّا أَصْبغ عَلى النِّظام كَكُلّ الصِّفة الطَّائفيّة: نِظَام طَاغية العِراق “السُّني”، ونِظَام طَاغية الشَّام “العَلَوي”. وهَذا أَحَد الأَسْباب للخِلافِ التَّاريخيّ بيْن الاِثْنين، واِصْطفاف طَاغية الشَّام إلى جَانِب إيرَان في حَرْب السَّنَوات الثَّمانية بيْن إيرَان والعِراق (1980-1988)، والتي سَاهَمتْ إلى حَدٍّ كَبيرٍ في تَعْميق الرُّوح الطَّائفيّة في العِرَاق، ومَا تُفْرزه مِنَ النّقْمة، والثَّأْر وانْعدام التَّسَامح، وُصولاً إلى اسْتحالة العَيْش المُشْترك.

ومَع سُقُوط الدِّكْتاتور، وَجَد الشَّعْب العِراقي نَفْسه- وكَذلك الشَّعْب السُّوريّ منْذ انْتقال الثَّوْرة نَحْو الكِفَاح المُسلّح، وأَيْضاً لُبْنان منْذ الاِسْتقلال- لا يَنْتمي إلى هُويّة مُوَّحدة، أوْ لِوطنٍ واحِد. إنّمَا كَانَ الوَلَاء للمَذْهب والمَرْجعيّة الدِّينيّة، أوْ للعَشيرةِ والقَبيلةِ، أوْ حتّى للمَنْطقة، هُو السَّائد والأَكْثر فَعَاليّة. ولذَلك منَ الطَّبيعيّ أَنْ يَكُون البَديل عَن النّظَام الدّكْتاتوريّ الطّائفيّ، نِظَاماً منْ نَفْس البُنْية، لَكن مَع اسْتبْدال الطَّائفة (السُّنة)، بطَائِفة أُخْرى (الشِّيعة)، والتي كَانَت مُسْتعدة للاِنْقضاض على السُّلْطة، والثَّأر “لمَظْلوميتها” على يَدِ النِّظَام السَّابق.

هَذه السُّلْطة الجَديدة اعْتَمدت في تَأْسيسها، عَلى مَبْدأ المُحَاصصة الطَّائفيّة. بدَعْمٍ إيرَاني للسَّيْطرة على العرَاق، والتَّوافُق مَع أَمْريكا التي عَمِلت عَلى هَنْدسة السُّلْطة الطَّائفيّة الجَديدة في العِرَاق.ومَعْ تَسلّم “المالكي” السُّلْطة في (2006)، ثمّ اغْتصابِه للسُّلْطة لِولايةٍ ثَانيةٍ بَعْد أَنْ أَزَاح جَانباً أياد عَلّاوي، رُغْم حُصُول قَائِمة العَلّاوي عَلى الأَغْلبيّة في البَرْلمان، وتَأْسيسه لجَيْش ضمّ أَغْلبيّة المِيليشيات الشِّيعيّة، وجِهَاز مُخَابراتٍ طَائفيّ مَدْفوعاً بالثَّأْر والاِنْتقام منَ النّظَام السَّابِق، وتَعْميم هَذا الاِنْتقام ليَشْمل طائِفة السُّنة كَكُل. سَواءٌ بالقَتْل أوْ التَّهْجير، والتَّطْهير الدّينيّ والعِرْقيّ، أوْ الاِعْتقال الذي شَمِل مِئات الآَلاف منَ الرِّجال والنِّساء والأَطْفال،. وسَاعَد عَلى ذَلك غيابُ المُجْتمع المَدَنيّ ومُنظّمَاته، ومَوْت السِّياسة. حَيْث تمّ تَصْفية الأَحْزاب الوَطنيّة المُعَارضة بكلِّ تَنوّعاتها على يَدِ الدكْتاتور السَّابق. ولَمْ تَظْهر على السَّاحة الجَديدةِ أَحْزابٌ حَديثَةٌ شَعبيّةٌ تُعبِّر عَنْ الإِرَادة الوَطنيّة العَامّة للْعِراقيين. وإنْ وُجِدت فَهي نُخْبوية غَيْر فَاعِلة، لأنّها غيْر مُنْتشرة بيْن الشَعْب.

وهَذه “الانْتفاضة”، هي مُحصّلةٌ طبيعيّةٌ للصِّراع الطَّائفيّ الذي انْفجر بَعْد الاحْتلال الأَمْريكيّ للعِراق، وإسْقاط ديكْتاتوريّة صدّام، الذي أدّى في النِّهَاية إلى اسْتحالة اسْتمرار العَيْش المُشْترك تَحْت مِظلّةٍ وَاحدَة.

لكنّ انْفجار الصِّراع الطَّائفيّ بِهَذا الشَّكْل الوَاضِح، والتَّصْريح الوَاضح والمَكْشوف بأَنّ المُتَصارعين همْ أَتْباع “يَزيد” منْ جِهة، وأتْباع “الحُسين” منْ جِهةٍ ثَانية، الذي لمْ يَجفّ دَمَه بَعْد، ومَازَال يُغذّي رُوح الثَّأْر والاِنْتقام، والحَقْد الأَعْمى، يُعيدنا إلى الوَراءِ لأَكْثر منْ ألفٍ وأرْبعمائة عَام. إلى مَعَارك الجَمل، وصِفّين، وكَرْبلاء (680م-10 محرّم61 للهجرة). ومَازالت راية “ثَارات الحُسيْن” تُلاحقنا، وقَميصُ عُثْمان يَبْحث عنْ قَاتِله!!. وهُنا نَجدُ السَّبَب العَميق لاِسْتمرار هَذا الصِّراعِ المُميتِ والمُدَّمر.

والحَقيقة، فإنّ هَذا النُّكُوص لَيْس مُسْتورداً منَ الخَارِج، أَوْغَريباً عنّا. إنّهُ تَاريخُنا الذي يُلَاحقنا ولَمْ نَكُن قَادرين حتّى الآن على الاِنْفلات منْه. مازَال يُحَاصرنا ويَعْمي عُيوننا وقُلوبنا. ويُدّمر حَاضِرنا، ومُسْتقبلنا. وهُنا نَحْن بِحَاجة للبَحْث العَميقِ للإِجَابة عَلى السُّؤال الهَام: لِمَاذا مَازال المَاضي مُسْتمر في حِصَارنا، ويَلْتهم حَاضِرنا”؟

لاشكَّ بأَنَه “لوْ” عَمِلت النُّخَب السِّياسيّة بعْد سُقوط صدّام عَلى بِنَاء دَوْلةٍ مَدَنيّةٍ ديمقْراطيّةٍ حَقيقيّةٍ، لمَا وَصَل الصِّرَاعُ إلى حَدّ الاِنْفجار المُسلَّح المَفْتوح كَما نَرَاه الآَن، لكنّ التَّاريخَ لا يَقْبل كَلمة التَّمنّي “لوْ”. “لوْ” حَصَل كَذا، فالنَتيجَة سَتَكون كَذا. والسُّؤَال الأَهمّ هُو تَفْسير عَدَم قِيامِ هَذه الدَّوْلة المَنْشودة التي تُعبّر عنْ الإرَادَة العَامّة للجَميع؟

والكُلّ-أيْ “النُّخَب السِّياسيّة”- يَتَهم الكلّ، بالاِرْتباط بالخَارِج. واعْتبار هَذا الخَارِج هُو المَسْؤول الأوّل. أَمْريكا هي السَّبَب الرّئيس لأَنّها دَمّرت جَيْش صدّام وأَجْهزته الأَمْنية الطّائفيّة، ودَعْم السّعوديّة للسُّنة هُو الذي دَفَع بالشَّعْب للانْتفَاضة. وبالمُقَابل اسْتقْواء النّظَام الطّائفيّ الشِّيعيّ بإيرَان. وهَذا صَحيح وطبيعيّ، نَتيجة النِّظامِ السِّياسيّ الطَّائفيّ، سُلْطة ومُعَارضة.كَمَا هُو الحَالُ في لُبْنان منْذ عُقود.حَيْث تُؤكّد التَّجْربة اللُبْنانية أَنّ الطَّائفيّة لا تُؤَسّس للدّيمقْراطيّة والحرّية. وديمُقْراطيّة الطَّوائف لَمْ تُجنِّب لُبْنان الحَرْب الأَهْليّة، وهي مُرَشّحةٌ دائِماً لِعَوْدة هَذه الحَرْب منْ جَديد.

والكُلّ يَتَحدّث باسْم الوَطَن، والدِّيمقْراطيّة. لكنْ لكلّ فِئة وَطَنها الخَاصّ الذي تُحَاول أنْ تَرْسمه وُفْق ايدْيولوجيتها المَذْهبيّة المُغْلقة، ولا تَقْبل بالآَخَر كَإِنْسان، أوْ كَمُواطن، إنّما كَرعيّةٍ عَليْها تَقْديم الطَّاعَة. وإلاّ فالرّعيةُ كَافِرة، وإِرْهابيّة مُرْتَبطة بالخَارِج، يَجبُ القَضَاء عَليْها، وُفْق مَبْدأ طَاغية الشَّام الجَديد “إمّا أَنا، أوْ أَحْرق البَلَد”.

الكُلّ يَتحدّثُ باسْم العَقْل، والكُلّ يُحَارب العَقْل مُنْذ أنْ رَفَع رَايته المُعْتزلة قبْل ألْف وأرْبعمائة عَام. الكلُّ يُخْفي حَقْده التَّاريخيّ وَرَاء الدَّعْوات الزَّائفة للسَّلام، والتَّعايش المُشْترك. لأنّ “الكلّ يُحَارب الكلّ”، وُفْق مَبْدأ هُوبز الشَّهير “الإِنْسان ذِئْب للإِنْسان الآَخر”، بِهَدف السَّيْطرة على السُّلْطة وإِخْضاع الآَخر. والذِّئْبية نَرَاها بأَعْينِنا في المَرْحلة الرَّاهِنة. عِنْدما يَغيبُ العَقْل، والوَاجِب الأَخْلاقيّ، ويَسُود المَكْر، والخِدَاع، والفَظَاعة في قَتْل وتَدْمير الآَخَر.

وَرُغْم أنَّ الكُلّ يَبْحث عَنْ حَلٍّ سياسيّ، لِوَقْف العُنْف والقَتْل المُتَبادل. لَكنّ لا حَلّ سِلْمي في المَرْحلة الرَّاهنة. إذْ يَبْدو أنّ الكُلّ لَمْ يَرْتوِ مِنْ دِمَاء الآَخَر، ورُبّما يَمْتدّ هَذا النَّزيف لِسَنَواتٍ طَويلةٍ، ويَشْمل بِلاد الشَّام بالكَامِل،سُورية المُشْتعلة مُنْذ ثَلاث سَنَوات، ولُبْنان الجَاهزِ دَوْماً للحَرْب الأَهْليّة،حَيْث سَيُعاد تَشْكيل المَنْطقة مِنْ جَديد،وفْق سايكس-بيكو عَربيٍّ جَديد لَمْ تَتّضح مَلَامحه بَعْد.

 

حنطة ١٨ نت23

برومو الشهيد ناجي الجرف