جرن حنطة

كشْف المسْتور .. عبْر المناسبات الفيسْبوكيّة

كشْف المسْتور .. عبْر المناسبات الفيسْبوكيّة

مرهف دويدري

قَبْل أَنْ تُنْهي الثَّوْرة السُّوريّة عَامَها الثَّالث عَلى التَّوالي، ظَهَر جَليّاً تَمَلْمل فِئَات كَثيرةٍ مِنَ الشَّعْب السُّوريّ، الذي بَدَأ الثَّوْرة بحَمَاسٍ شَديدٍ لإِسْقاط الدِّيكْتاتور، عَلى اعْتبار أنَّ عَوَاصف الرَّبيع العَربيّ هَبّت غَرْباً مُتّجَهة إلى الشَّرْق المُسْتبدّ، فَكَانت المُشَاركة التي اعْتَبرها البَعْض شَعْبية فِطْرية، لأَنّ الإِنْسان وُلِد مَفْطوراً على فِكْرة الحرّية، اسْتناداً لقَوْل الخَليفة عُمر بن الخَطّاب (مَتَى اسْتَعْبدتْم النّاس وقَدْ وَلَدتهم أُمّهاتِهم أَحْراراً )، وآَخَر اعْتَبرها ثَوْرةً ذَات بُعْد فِكْريّ، خَاصّة وأنّ أَهمّ أَدَواتها هي السِّلْمية، ومَا أَنْ دَخَل السِّلاحُ إلى مَيْدان الثَّوْرة السُّوريّة حتّى صَمَت الجَميع، أوْ لِنَقُل مُعْظم مَنْ يُنَادون بالحُرّية، عَلى اعْتبار أنّ المَعْركة ذَهَبت باتْجاه الطَّائفيّة، وبِذَلك وَضَعت قُيوداً عَلى الكَلاَم والحُرّيات مرّة أُخْرى لا تَقلّ اسْتبداديّة عنْ تلْك التي اعْتَاد النّظَام عَلى مُمَارستها!

فَفي غُمْرة السِّجَالات واخْتلافَات الرّأْي حَوْل شَرْعيّة قِتَال دَاعِش، والذي تَمَحْور حَوْل عَدَم مَشْروعيّة هَذه الحَرْب ضدّ التَكْفيريين، وكَانَ الشُّعورُ بالأَمَان إلى حدٍّ مَا في قَوْل كَلَمة الحَقّ قَدْ بَدَأ يَتسلّل إلى قُلُوبُ النَّاس بِشَكْل عَام، فَبَدأ جُمْهور الفيسْبوك المُتّهمينَ مِنْ قِبَل المُقَاتلين بالتَّنْظير، وبأَنّ كَلَامهم فَارغ لا مَعْنى لَه؛ بَدَؤوا بإِنْتاج أَفْكارٍ جَديدة لدَعْم مَفْهوم الحُرّية والتَّعْبير عن الرّأْي بدُونِ رَقيبٍ أوْ حَسيب، فظَهَرت مُنَاسبات “events” عَلى مَوْقع التَّواصُل الاِجْتماعيّ “فيسْبوك” لِتَتْرك مَجَالاً منَ الحرّية الكَاملة لمُسْتخدمي الفيسبوك بالكَلَام المُبَاح، وكَشْف المَسْتور عمّا حَدَث منْ أَخْطاء كَبيرةٍ في الثَّوْرة السُّوريّة، وطَبْعاً جُمْهور الفيسبوك لَمْ يَنسَ جَرَائم النّظَام والحَديث عَنْها ضِمْن مَنْشورات المُنَاسبة!

ممذا لا شَكَّ فيه أَنّ تَحوّل هَذه المُنَاسبات إلى حَالات منَ السُّخْرية الشَّديدة منَ المُعَارضة السِّياسيّة، وبَعْض الكَتَائب المُقَاتلة عَلى الأَرْض، إنّما تَدّل بِشَكْل أوْ بآَخر عَلى ضَجر هَؤُلاء السُّوريين ممّا يحْدث في جَسَد الثَّوْرة بشَكْل عَام، وربّما قَدْ تَحوَّل في أَحْيانٍ أُخْرى إلى مَنْشورات فَضَائحيّة، تَصل إلى حدِّ التَّخْوين!

الحَقيقة، أنّنا نَسْتطيع أنْ نَصِل إلى مَا يُشْبه اسْتطلاعاً للرَّأْي العَام، والمِزَاج الجَمْعيّ للمُواطِن السُّوريّ عبْر هَذه المُنَاسبات، عَلى اعْتبار أنّه في بَعْض المُنَاسبات تَكُون الدَّعْوة مُوَجهة إلى ما يُقَارب الـ 5000 مُشَارك، فَيصِلُ العَدَد إلى 7300 كَمَا حَدَث في مُنَاسبة (وَجهْ نصيحة لثّوار أوكرانيا و فنزويلا ) -على سَبيلِ المِثَال لا الحَصْر- هَذه الزِيادة في الأَعْداد تُعْطي مُؤشِّراً مُهمّاً عنْ أنّ هُنَاك إِقْبال عَلى إِبْداء الرَّأْي، حتّى بدُون دَعْوة، ورُبّما تَكُون هَذه المُنَاسبة هي الوَحيدة في اسْتطْلاعات الرَّأْي – بِغضِّ النَّظر عنْ المَنْهجيّة – والتي تَصلُ فيها نِسْبة مَنْ أَعْطوا رَأْيهم إلى مَا يُقارب 125 % ،و هي نِسْبة تَكَاد تَكُون مُسْتحيلة في اسْتطْلاعَات الرّأْي الخَاصّ بالمَرَاكز البَحْثيّة وقِيَاس الرَّأْي!

على كِثْرة هَذه المُنَاسبات إلاّ أنّ هُنَالك عَدَد قَليلٍ منْ هَذه المُنَاسبات صَادف إقْبَالاً عَلى قَدْر منَ الأَهميّة، وتَحْضرني هُنا ثَلاثُ مُنَاسبات رُبّما تُعْطي فِكْرةً لا بَأْس بِها عَنْ الرَّأْي العَام.

لنَبْدأ بالمُنَاسبة الأُولى (وَجِّه نَصيحة لثُوَّار أوكْرانيا و فَنزويلا)، والتي ظَهَرت بَعْد الأَحْداث التي تَفجّرت في شِبْه جَزيرة القِرْم شَرْق أوكرانيا؛ على اعْتِبار أنَّ الدَّاعِم الأَكْبر للنِّظَام السُّوريّ همْ الرُّوس، والأُوكْران هُم أَعْداء الرُّوس. وعَلى مَبْدأ (عدو عدوك صديقك ) أُسِّست هَذه المُنَاسبة، وبَدَأت المَنْشورات تَتَحدّث عنْ أَخْطاء الثَّوْرة السُّوريّة بكُلّ مَا فيها منْ إِشْكالاتٍ أَخْلاقيّةٍ، وتَكْتيكيّة عَلى الأَرْض، أوْ الإِخْفاقات السِّياسيّة عَلى مُسْتوى المَجْلس الوَطنيّ، أوْ الائْتِلاف السُّوريّ، ولكنْ بتَسْميات أُوكْرانيّة بَحْتة.

أمّا المُنَاسبَة الأُخْرى التي لا تَقلّ سُخْرية عَنْ الأُولى، فهي مُنَاسبة حَمَلت عُنْوان ( إي ندمان على.. ) لإِيرَاد أَفْكار ثَوْريّة كَثيرة نَدِم عَليْها فَاعِلُوها، ولوْ عَاد بِهُم الزّمن لربّما غَيّروا أَفْكارهم ولَمْ يُقْدموا عَلى هَذه الأَفْعال، كَتَأييد المَجْلس الوَطنيّ، أوْ أنّ “الاِئْتلاف السُّوريّ يُمَثلني”، غَيْر أَنّ التَفَاؤل أَحْياناً يَجِد حَيّزاً لَه في حِسَابات بَعْض الفيسبوكيين، على اعْتبار أنّه لَيْس كلّ ما حَصَل سَيىء، إذْ أنّ هُنَالك مُنَاسبة خَاصّة بالتَّمنّي، وتَحْمل عُنْوان ( بس تخلص الأزمة.. )، وهُنَا تَظْهر مَسَاحة الأَمَل المَوْجودة في قُلوب الفيسبوكيين الذين يُتَابعون كلّ الأَخْبار بَيْن مُصدِّقٍ وغَيْر مُصدِّق. هُنا في هَذه المُنَاسبة نَعْرف تَمَاماً مَا هُو الشَّيْء الذي يُفكِّر فيه السُّوريّ، ويَتمنَّى للمُسْتَقبل حتّى لَوْ لَمْ تَنْتهِ الأَزْمة، أوْ هيَ الثَّوْرة ..

والحَقيقة أنَّ لا فَرْق بَيْن مُنَاسبة ومُنَاسبة إلاّ في حَجْم الحرّية للمُوَاطن الذي عَاشَ، ويَعيش، الاِسْتبداد بِكلّ أَصْنافه..

حنطة ١٨ نت24

برومو الشهيد ناجي الجرف