ملف

فنون النظام السوري

فنون النظام السوري

حواس محمود

كَانَ مِنَ المُفْترض أَنْ تَكونَ المُعَارضة يَقظة إِزاءَكلّ مُمَارسات النّظام تجَاه ثَورةٍ مُباركةٍ عَظيمةٍ تُريدُ زَلْزلة الأَرْض مِنْ تَحتِ أَقْدام الطّغاةِ الذين يُمهّدون الطَريقَ أَقْدام الغُزاة؛ كَماذَهَب إلى ذَلك المُفكّر الفلسْطينيّ أحمد برقاوي.

فَمَع بِدْء الثّورةِ تَسرّبت وَثيقةٌ سريةٌ مِنْ الأَجْهزة الأَمْنيّة مُلخّصها هو تَشْويه الثّوْرة مِنْ دَاخِلها بِدسّ مُنْدسين، وَظيفتُهم القِيامَ بَأَعْمالٍ ومُمَارسات تُشوّه صُورة الثّورةِ المُشرقة، والتي انْدَلعت شَرارَتها مِنْ دَرْعا، وتوزّعَت الشّعلةُ إلى بانْياسَ وحِمْص، وحَطّت رِحالها في القامشْلي، وفي الشّام لهيبَها ونارَها الحَارِقة للاِسْتبْداد، والظّلْم، والقَمْع، والسّجون، والنّفي، والتّشرد، وحِرْمان الإِنْسان مِنْ أَبْسط حُقوقه التي كَفَلتها له كلّ الشّرائعِ السّماويةِ والوَضْعيةِ، وقَوانينِ الأُمَم المُتحدّة ومَبادِؤُها.

ركّزَ النّظَام في إِعْلامه على نَظَرية المُؤامَرة الكَوْنيّة، حَيْث أَنّ الأَدَوات لِهَذه المُؤامَرة هُم سوريّون، وهُمْ عِبارة عَنْ عِصاباتٍ مُسلّحة، هَدَفها حَرْف سُورية عَنْ مَسَارها القَوْميّ المُمَانع الكَبير تجاهَ إِسْرائيل وأمْريكا وغَيْرها مِنَ الدُّول المُعادية لِسُورية.

ووَجَدْنا مِصْداقاً لِذَلك التّخْطيطا لمُؤامراتيّ، تَمْثيليات مُخْتلة التّوازن الفنّي: فقَدْ تَمّ اتّهامُ البَشْمركة الكُرديّة العِراقيّة بالدّوْس على رِقابِ ثوّار بانْياس وإهانَتِهم، وتَوَالت التّمْثيليّات فمِنْها ماادْعى أنّها عِصاباتٌ مُسلّحة تُخرِّب في دَرْعا، سُرْعان مااكْتُشف بأَنّ المَكَان هو بِمُحافظةٍ أُخْرى، وأَنّ العَمَليّة تَمْثيلٌ بتَمْثيل.

ومِنْ بَعْدها حَادثةُ زَيْنب التي تَمّ تَقْطيعُ أَشْلاء جُثّتها، وادّعاء النّظَام أَنّها لَيْست زَيْنب المَقْصودة فهِي حَيّة تُرْزق،وكَأنّ التي قُتِلت كَانَ قَتْلها مُبرّر،ولَيْس عَمَلاً إجْراميّاً.

ومُروراً بِمَجْزرة الحُولة والتريمْسة، وادّعاء النّظَام أَنّه مِنْ غَيْر المُمْكن مَنْطقيّاً أَنْ تُرْتكب والمُراقبين قَريبين مِنَ المَكَان،وتَمَاماً كَما الحَال مَعَ الكيماويّ، بأَنّه مِنْ غَيْر المُمْكن للنّظَام أَنْ يَرْتكب جَريمةَ الكيماويّ واللّجْنة مَوْجودةٌ في دِمشقَ، كَمَا كَانَ النّظامُ يَقْتل مِنَ الشّرطة في اللّاذقيّة والادّعاءبأَنّ الأَمْن لايُمْكن قَتْلهم مِنْ قِبَل النّظَام، وكَما كَانَ يدّعي أَنّ العِصاباتَ المُسلّحةَ كَانتْ تَقْتل المُتَظاهرين، وعِنْد السّؤال عَنْ مَصْلحتهم في ذَلك،كَانَ الجَوابُ لِخَلْق البَلْبلة والفَوْضى، وقَدْ حَاوَل النّظامُ وَضْع الأَسْلحة عَلى جُثَث المُتظاهرينَ لِيُبيّن أَنّ هَؤلاء مُسلّحون، وعِصاباتٍ ولَيْسوا مُتَظاهرين، لَكنّ عَدسَة تَصْوير كَشَفت التّزْوير، ونُشِرَتْ الصُّور لِتُبيّن أَنّ الوَثيقةَ السّريةّ تُنفّذ بِدقةٍ لِخَلْق صُورةٍ تَشْويهيةٍ للثَّوْرة أَمَام الرّأْي العَام العَالميّ.

وتَماماً كَما حَاولَ النّظَام التَظَاهر بِمَظْهر البَريء المُسالِم تجَاه جَريمة قَتْل المُنَاضل الكُرْديّ الوَطنيّ مِشعل التمو في القَامِشْلي 7/10/ 2011 عِنْدما اتّهمَت عِصاباتٍ مُسلّحة مَجْهولة بِقَتله، عِلْماً أَنّ النّظَام هُو الذي ارْتكَب عَمليّة الاِغْتيال، ولَمْ تَكْتفِ أَجْهزة الإِعْلام بِذلك وحِسْب، إِنّما اعْتبرتْه شَهيداً عَلى مَبْدأ «يَقْتل القَتيل ويَمْشي بجْنازتو».

كَما أَنّ مَسْرحية وَزير الخَارجيّة السّوري وليد المعلّم ومُؤْتمره العَلَنيّ للصّحافة وَنَشْره للفيديو وفَضيحةَ هَذا الفيديو، الذي كَانَ يُحَاول اتهَام المُعَارضة بالإِرْهاب لازَالَت حاضِرةً في أَذْهاننا كَذلك، إِذْ تَبيّن أَنّ الأّشْخاص الذين ظَهَروا في الفيديو هُمْ لُبْنانيّون، الأمْرُ الذي أدّى إلى اتهامِ المعلم بِعَرْض مَقاطِع قَديمة، وَصَفوها بالمَغْلوطة أَظْهَرتْهم على أَنّهم جَماعات إِرْهابيّة مُسلّحة في سورية تُهَاجم الجيْش،و اعْتَبر أَحَد الذين ظَهَرت صُورتهم في الشّريط في تَصْريح لِقناة العَربيّة، أَنّ هَذه الصُّور تَمّ الْتقاطها في طرابلس أَثْناء المَعَارك التي جَرتْ في بابِ التّبانةِ، وجَبَل محسن عَام 2008،واتهَمَ  في تَصْريحه لِوَسائل الإِعْلام- النّظَام السّوريّ ببَثّ صُورهم على أَنّهم «مُسلّحون يَقْتلون قُوّات الجَيْش السّوريّ في مُدُن جِسْر الشّغُور، وحمْص، ودَرْعا» ،حينَ أَفْلسَ في قَمْع المُسلّحين بِبلدِه. ونَفَى أَحَد الذين ظَهَروا في شَريطِ الفيديو أَنْ تَكونَ لَه أَيّ عَلاقةٍ بِأَحْداث سُورية، كَمَا أَنّ تِلْفزيون «إمتيفي» اللّبْنانيّ قَدْ ذَكَر أَنّ مَقْطعاً آَخر ظَهَر في شَريط الفيديو الذي عُرِض خِلال المُؤْتمر الصّحفيّ هُو لِحادثةٍ شَهيرة جَرَت في لُبْنان عام 2010. وذَكَر المَوْقع الاِلِكتْرونيّ للْقَناة أَنّ بَعْض اللّقَطات الواردةِ في الشّريط عَلى أَنّه لِقَتْلى مِنَ المُفْترض أَنّهم قَضوْا عَلى أَيْدي مَجْموعاتٍ إِرْهابيّة سُورية؛ تَعُود لجَريمةٍ وَقَعتْ في بَلْدة «كترمايا» اللّبْنانيّة حينَ أَقْدم الأَهَالي عَلى قَتْل مَصْريّا تهِمَ بِقتْل عَائلةٍ في البَلْدة.

ومِنَ المَسْرحيّات الهَزليّة المُضْحكة المُبْكية ماجَرَى مُؤخّراً في لُبْنان،عِنْدما تَمّ إِجْبار النّاسِ وتَخْويفهم للاِشْتراك في اِنْتخاب رَأْس النّظام المُجْرم بَشّار الأَسَد، ومَا أَثَاره مِنْ لَغْط عِنْدما قَامَ النّظَام بِتبْيان أَنّ النّاسَ مُتحمّسة للاِشْتراك في هَذه الاِنْتخابات، فالحَقيقةُ أَنّ الأَحْزاب المُوالية للنّظَام السّوريّ قَامَت بِتَسْجيل أَسْماء العَديدِ مِنَ النّازحين السّوريين في سجلّات خاصّة لِتَسْليمها للسّفارةِ السّورية وَتَخْويفهم مِنْ أّنّهم قَدْ يَتعرّضونَ للْعِقاب ،وقَدْ يُمْنعون مِنَ العُبورِ إلى سُورية، بَيْنما كَانَ الإِعْلام شَاطِراً وفَهْلوياً بِتبْيان حَالة أَنّ الرّئيسَ يَتمتّع بشَعْبيّة كاسِحةٍ للاِشْتراك بالإِنْتخابات، وهَذا مَاتَبدّى مِنْ حَركاتِ وتَصرّفات مُراسلي القَنَوات الرّسميّة للنّظَام السّوريّ والقَنَوات المُؤيّدة لَه.

والحَقيقة، ونَظَراً لدَهاءِ النّظّام وقِدْرته على عَمليّات الخِداعِ والتّزْوير، واللفّ والدّوران، فإنّ البَعيدَ عَنْ سُورية مِنَ المُمْكن أَنْ تَنْطلي لعْبَة الخِداعِ عَلْيه، إِنْ لَمْ يَمْتلك قُدراتٍ فِكْريّةٍ وعِلْميّة وحتّى حَدْسيّة قَوية لِكَشْف أَلاعيبهِ وأَضَاليلهِ، وَمِنْ هُنا يُمْكن لَنا أَنْ نُعَاتب المُعَارضة، ومَنْ يُمثّلها، عَلى التّقْصير في المَجالِ الإِعْلاميّ لأَنّ مَنْ يَقفْ في وَجْهها هو نِظامٌ اسْتبْداديّ قاسٍ، وشَرسْ يُجيدُ فَنّ الحِيل، والنّصْب، والتّزْوير، والتّشْويه، والتّشْويش مَاعَجِزت عَنْه كلّ الأَنْظمة العَربيّة الأُخْرى مِنْ صدّام، إلى مُبَارك، إلى القَذّافي.

حنطة ١٨ نت11

برومو الشهيد ناجي الجرف