جرن حنطة

السّلاح الأكثر فاعليّة في القرن الواحد والعشرين

السّلاح الأكثر فاعليّة في القرن الواحد والعشرين

مأمون جعبري

(بوعزيزي): بِذْرة الرَّبيع العَربيّ الذي هزَّ وُجْدان أُمَم وكَانَ الشّرارة، لَمْ يَكنْ الوَحيد الذي يَمْلك حَجْم الأَلَم هَذا، بَلْ هو وَاحدٌ منْ مَلايين عَاشتْه قَبْله وانْدَثرت في طَيْ النّسْيان، عَلَينا أَنْ نَقْتنع أَنّ مَنْ صَنَع مَجْداً لِمَأساة الْبوعزيزي لَيْس مَرارةَ قصّتِه وحَسْب، بَلْ كَانَ هُنَاك دَاعمٌ أَسَاسيّ أَخْرج تِلْك القصّة إلى الضَّوْء بَدَلاً مِنْ أَنْ تَمُوت كَسَابقاتِها، وَهَذا المُضِيء هُو الإِعْلام. ومِنْ هُنا، لِنبْدأ في البَحْث عَنْ كَيْفيّة الإِضاءَة التي عَاشَتْها الثّوْرة السّورية إِعْلاميّاً، والنَتَائج التي حَصدْتها مِنْ هَذا التّسْليط، ولِنبْدأ بالإِعْلام المُعْلِن عِدائَه للثّوْرة بِشكْل صَريح، وهُوَ إِعْلام النّظَام السّوريّ.

حَقيقَةُ الأَمْر أَنّ الإِعْلام السّوريّ المُدجّن لِأكْثر مِنْ أَرْبعين عَاماً في نَمَطه المُؤسّساتيّ الشّكْلانيّ، لَيْس إلاّ طَفَرات لا تُفْرز ظَاهِرةً للخَطّ العَام، عَاجزٌ أَنْ يُبْدع في حَالَة الخُروجِ عَنْ المَأْلوف، وهَذِه الطّفَرات لَمْ تُقَدّم للنّظَام خَدَماتِها في تَغْطية الحَدَث السّوريّ إلاّ مَا نَدَر، ممّا جَعَل الإِعْلام السّوريّ الرّسْميّ في بِدايةِ عَام 2011 يَبْدو مُترنّحاً، خاصّةً وأَنّ الأَمْر مُخْتلفٌ عَنْ تَجْربته السّابقة في تَغْطية أَحْداث حَمَاه الدّاميّة في مَطْلع الثّمَانينات مِنَ القَرْن المَاضي، حينَ كَانَ مُتفرّداً في نَقْل الخَبَر وصِناعَة الحَدَث. فَفي القَرْن الوَاحدِ والعِشْرين أَصْبح مِنَ السّهْل تَجَاوز كُلّ العَقَبات التي تَجْعله مُتفرّداً في نَقْل الحَدَث، وَهَكذا نَذْكر جَميعاً كَيْف بَدَت هَشَاشة الأَخْبار التي يَنْقلها النّظَام عَنْ انْتفاضَة السّوريين في عام 2011، وَسَريعاً مَا كَانَ يَتمُّ كَشْف التّلْفيق، فَلَم تَصْمد قصّته في حَادثة إِذْلال سُكّان قَرْية (الَبْيضا) في بَانْياس بِدايَة التّظاهُرات السّلْميّة لِسَاعات، ومِنْ جِهة ثانيّة البَلَاهة التي تَمّ بها إِلْقاء الخطابَ الأَوّل الشّهير لبشّار الأَسَد في مَجْلس الشّعْب، ومَا رَافَقه مِنْ آَثَار سَلْبيّة عَلى النّظَام كَانَ دَليلاً آَخراً عًلى فَشَل الإِعْلام الرّسْميّ في بِدايةِ الانْتفاضة مِنْ لَعِب دَوْرٍ إيجابيٍّ لِصَالح النّظَام، وَلَكنّ هَذا الوَضْع لَمْ يَسْتمرّ وَقْتاً طَويلاً، إِذْ سِرْعان مَا بَدَأ النّظَام يُدْرك أَهميّة الإِعْلام في الحَدَث السّوريّ، وبَدَأ بالاعْتماد المُمنْهج عَلى خُبَراء إِعْلاميين يُتْقنون دَوْر الإِعْلام في التّأْثير عَلى مِصْداقيّة الحَدَث، وكَانتْ كلٌّ مِنْ روسيا وإيران هُمْ الرّافد الأَساسيّ لِسدّ العَجْز لدى النّظَام في هَذا المَوْضوع الخَطير، حَيْث بَدَأت مَرْحلة جَديدة مِنْ السّلُوك الإِعْلاميّ الدّاعِم للنّظَام تَعْتمد عَلى محْوريْن أَساسييْن: المحْور الأوّل مُحَاولة إِتْقان صِناعة الخَبَر، إمّا عَنْ طَريق اسْتِخدام تَقنيّات ذَات جَوْدة أَعْلى، أَوْ عَنْ طَريقِ قِيامِ بَعْض الأَطْراف المَحْسوبة عَلى انْتفاضةِ السّوريين بِتَنْفيذ مَا يَخْدم النّظَام وتَبنّيه عَلانيّة، وَمَنْ ثَمّ، يَقُوم النّظَام بِبثّه دُون إِمْكانيّة تَكْذيبه (حَادثة اغْتيال محمّد رَمضان سعيد البوطيّ مثلاً). والمحْور الثّانيّ البَحْث عَنْ المَادّة والحَدَث والجِهة التي تَجْعل مِنَ الجُمْهور الغَرْبيّ يَتَعامَلُ بِحرْصٍ شَديدٍ ورِيبةٍ مَع الاِنْتفاضةِ السّورية، ووَجَد ضالّتَهُ في مَفْهوم الفوبيا مِنَ الإِسْلام والمَنْظور الغَرْبيّ المُتجذّر بالنّظْرة إلى مُعْظم الحَرَكات الإِسْلاميّة بِأنّها جزْءٌ أَسَاسيّ مِنِ الإِرْهاب العَالَميّ، الأَمْر الذي تَمّ البدْءُ في مُحَاربته عَمَليّاً بَعْد تَفْجيرات الأَبْراج في أَمْريكا. فَبَدأ الإِعْلام الرَّسميّ التّابعِ للنّظَام بِتَجْهيز مَكنةً إِعْلاميّةً مُتكَاملةً تَمْتدّ عِبْر القارّات لإِقْناع الرّأْي العَام الغَرْبيّ أَنّ الاِنْتفاضَة السّوريةَ ذاتُ توجّهٍ إِرْهابيّ تَكْفيريّ. وقَدْ نَجَح إلى حدّ كَبير في هَذا، وكَان يَسْتثمر نَجَاحاته في الإِفْراط باسْتخدام القُوّة مُوظّفاً كَافَة الوَسائلِ المُتَاحة لِقَمْع انْتفاضة السّوريين، ومُطْمئنّاً إلى رَدّ فِعْل المُجْتمع العَالَمي كَوْنه قَدْ نَجَح في إقْناعه بأَنّ حَرْبه هي مَعْ أَخْطر مَا يُهدّدهم.

لِنَنْتقل إلى الجانبِ الآخرِ، وهُو الجانبُ الدّاعم للاِنْتفاضَة السّورية إِعْلاميّاً:

في بِداية التّظَاهرات اسْتَطاعتْ مَجْموعة منَ النّاشطينَ الإِعْلاميين- كَمّا سَمّوا أَنْفسهم، وبِخبْراتٍ بَسيطَة جدّاً وأَدَوات لا تَقلّ بَساطةً عَن الخبْرات- نَقْلَ صُورة جيّدة ومُؤثّرة عَن انْتفاضَة الشّعْب السّوريّ، وآليّة التَّعامُل الوَحْشيّ التي يُمارسها النّظَام لِقَمْع هَذه الاِنْتفاضة. وحَقيقةُ الأَمْر، أَنّ هَؤلاءِ النّاشطين لَمْ يَكُونوا في البِدايةً مُتَبنين مِنْ جِهةٍ إِعْلاميّة خَارجيّة مُحدّدة، بَلْ كَانُوا يَعْتمدون عَلى الوَسَائل الإِعْلاميّة لِنَقْل خَبَرهم، واسْتطاعَت هَذه الكَاميراتُ البَسيطةُ مُواجَهة إِعْلام النّظَام بإِمْكانيّاته الهَائلةِ لِمدّة عَام تَقْريباً، وفَجْأة بَدَأ يَحْدث تَغيّر نوْعيّ في الأَداء، وَبَدأت تَظْهر لدى النّاشِطين الإِعْلاميين أَدَواتٌ أَكْثر تَقنيّةً وتَطوّراً، ولكنّها تَرَافقَتْ مَع مِصْداقيّة أَقلّ بِكَثير مِمّا كَانَ في نَقْلهم الأوّل لِبِداية الاِنْتفاضة. وبِوُضوحٍ، امْتَلأت المَحطّات العَالميّة بمَجْموعة مِنَ الأَخْبار المُفبْركة التي يَبثّها النّاشِطون، وَأَخذَ النّظَام يَتصيّدها ويَستعملها لِصَالحه مُظْهراً كَذِب إِعْلام الثّوْرة في نَقْله للْخَبر، وفيما أَذْكر، فقَدْ ظَهَر أَحدُ النّشطاءِ السّياسيين مرّةً على إِحْدى القَنَوات لِيَنْقل خَبَراً مَفَاده: أَنّ عَشَرات الآلاف مِن المُتظَاهرين خَرَجوا في السّلميّة يَهْتفون بإِسْقاط النّظَام لِيَظهر لاحِقاً، وَبِشكْلٍ سَريع، عَدَم دقّة الخَبر، وأَيْضاً فيما أَذْكر، أَنّني كُنْت في الرّمْل الجنوبيّ في مُحَافظة اللاذقيّة، لِيَظْهر فَجْأة أَحدُ الإِعْلاميين ويَنْقل الخَبَر الآتي: “إنّ الرّمْل الجَنوبيَ يُدّك بالمَدافِع”، وأَصَابنا الذُّهول لِمَدى الكَذب في الخَبَر، الكَذب الذي اسْتُخدم لاحقاً في غَيْر مَصْلحة الشّعْب السّوريّ، فالدّلائلُ عَلى إِجْرام النّظَام أَكْثر مِنْ أَنْ تُحْصى. وَحينَ تمّ تتبّع الخَلَل في هَذا التّحوّل الطّارئ تبيّن أَمْرين مُهمّيْن أوّلهما: أنّ هُناك أَمْوال تُقْبض عَلى نَشْر الخَبر الذي يُثْبت فَظَاعة النّظَام، وإنْ لَمْ يَكن دَقيقاً في حِينه، والثّاني: تمّ إقْصاءُ الإِعْلاميين السّوريين ذَوي الخبرة ، والمُسْتعدّين للمُساهمةِ وتَمّ تَجَاهلهم مِنْ قَنَواتٍ ذاتُ تَأْثيرٍ عَالميّ، وهَذا الإِقْصاء مَردّه: إمّا لِعَدم تَمكّن هَذه القَنَوات منْ إِجْبار هَؤلاء الإِعْلاميين عَلى نَشْر مَا تُريده القَنَاة، أَوْ لأَنّ هَؤُلاء الإِعْلاميين كَانُوا يُؤرْشفون الأَحْداث لِملْكيتهم الخاصّة، ولَمْ يَقوموا بِبثّها مِمّا أَفْقدها أَهميّتها الزّمنيّة. والمَقْتل الأَكْثر خُطورة في نَقْل حَقيقة الشّعْب السّوريّ إِعْلاميّاً كَانَ مِنْ قِبل وكالاتٍ عَالميّة ذَات مِهنيّة عَاليّة جداً، وَلا يُمْكن القَوْل أَنّها كَانتْ تَتصرّف بِعفْوية. هَذا المَقْتل تَمثّل في إِظْهار أَنّ انْتفاضة الشّعْب السّوريّ هي انْتفاضةٌ إسْلاميّة حتّى في بَواعِثها (كلّ خَبَر عَنْ سورية كَانت تَنْقله أَكْبر محطّتيْن تُغطّيان الاِنْتفاضة السّورية، كَانت خَلْفيته في مُعْظم الأَحْيان مَجْموعة مِنَ المُلْتحين حَملة السّلاح الذين يَبدَؤون في قِراءة آياتٍ قُرآنيّة، ويَنْتهون بالتّكْبير. ممّا أَعَاد إلى ذَاكرةِ المُجْتمع العَالميّ المُقَاتلين الأَفْغان وَهويّتهم القَاعديّة)، وَأَصْبح كلّ مُشَاهد في أَيّ مَكَان يَرى الاِنْتفاضة السّورية عِبارةً عَنْ دَعْوة إلى دَوْلة إسْلاميّة بِما تَحْمله هَذه الصّيغة مِنْ الْتباس، ولَمْ يَقْتصر تَغْيير الحَقيقة عِنْد هَذا الحدّ، بَلْ تَمّ مُتَابعة الصّحفيينَ السّوريين المُخضْرمين الذين خَرَجوا عَن السّلطة ووَضْعهم في الصّف الأَخير، مُقَارنةً بِمَجْموعات شَبابيّة لا تَمْلك أَبْجديات العَمَل الصّحفيّ، ممّا حَدا بِقسْمٍ كَبيرٍ مِنْهم إلى الاِعْتكاف، وحتّى إلى مُراجَعة مَوْقفه، وهَذا كُلّه يَجْري حتّى هَذه اللّحْظة. والجَميع يَعْرف أَنّ المَبَالغَ التي تُرْصد منْ جِهات أَصْبح مُعْترف بِها عالميّاً كَمُمثّلة للشّعْب السّوريّ لِدَعم القطّاع الإِعْلاميّ هي مَبالغ خَياليّة، وقَادرةٍ على أَنْ تُحقّق غَايَتها في جَعْل الإِعْلام سِلاحاً يَعْمل فِعْله لِصَالح انْتفاضة الشّعْب السّوريّ المُحقّة في أَسَاساتِها (انْتفاضة الكَرامةِ والحرّية)، وَلَكنْ حتّى الآن هَذه القطّاعات الإِعْلاميّة لَمْ تَقُم بأَي فِعْلٍ مَلْموسٍ بِهذا الخُصوص.

وفي النّهايةِ، أَعْتقد أَنّه مِنْ وَاجبَنا، ووَفاءً لِمئاتِ الآَلافِ مِنَ الشّهَداء ولِمَلايين المُشّردين، القِيامَ بِمُراجعةٍ نَقْديةٍ شَاملةٍ لآَليّة عَمَل الإِعْلام الذي مِنَ المُمْكن أَنْ يَكونَ في صَالِح انْتفاضة شَعْبنا، واسْتعماله كَسِلاح فَعّال لِنصْرة مَطالبَنا المُحقّة، والخُطْوة الأَساسيّة هيَ التّعاملُ مَع مَفْهوم الإِعْلام مِنْ مَنْطقٍ عِلْميّ ومُؤسّساتيٍّن ولَيْس مِنْ مَنْطق المَحْسوبيّات والفِطْرة.

حنطة ١٨ نت30

حنطة ١٨ نت31

برومو الشهيد ناجي الجرف