حكايا البيدر

الحراكُ المدنيّ في المناطق الكرديّة في سورية/ج1

الحراكُ المدنيّ في المناطق الكرديّة في سورية/ج1
شمسه شاهين
تَلْعب هشاشةُ البُنية السّياسيّة في البُلدان النّاميّة عامّةً، والبيئة الكرديّة خاصّةً، دوراً سلبياً في مُمارسة الدّيمقراطيّة، بحيث تَبْدو أَكْثر فأَكْثر تَجْسيداً للمصالح الخاصّة والجزئيّة، فغياب القانون الحاكم يُنمّي نُزوعاً قويّاً إلى البَحْث عَنْ المُواطنةِ، والعُموميّة، والمصالحِ الوطنيّة، والحرّية داخلَ المجتمع المدنيّ، الذي أَصْبح إحدى الوسائلِ المُوظّفة والمُسْتعملة لِخدْمة المصالحِ السّياسيّة في الفكر “الحزبيّ الكرديّ” ومَنْ يُسوّقون (بشكلٍ غَيْر مُباشرٍ) لِخطابِه.
وبالإجْمال، فإنّ كُرْد سورية مُوّزعو الانْتماء بَيْن تيّاريْن سياسيَيْن أساسيَيْن يُشّكلان قوّتيْن رئيستَيْن هما “المَجلسُ الوطنيّ الكُرديّ” و”مَجلسُ غربيّ كردستان”، وأيّ فعاليّة مدنيّة يَجب أَنْ تكونَ شديدةَ الحرْصِ في التّعاملِ معهما ضِمْن المُجتمعِ المدنيّ، فبشكلٍ عام لَيْس مِنْ ضررٍ في أَنْ تكونَ أيّ (كُتلة مُجْتمعٍ مدنيٍّ) مُمثّلةً في الإدارةِ الذاتيّة أَوْ في المجالسِ المَحليّة، وهذا لا يُعْتبر نشاطاً خارجَ إطارِ عملها، فـ”المُجْتمع المدنيّ” لا يَعْني طلاقَ السّياسة وتجنّبِ الاقْترابِ مِنْها بَلْ قدْ يكون أساسَهُ السّياسة، لكنْ بِشكلها “الرّقابيّ” لا كـ “مُمارسة” فالمُجْتمع المدنيّ يُشكّل الحيّزَ المُسْتقل بَيْنهما. وناشطُ المُجْتمع المدنيّ يقومُ هنا بوظيفتينن فمِنْ جهة يَعْمل لكيْ يَحْمي السّلطة مِنْ الإنْزلاق نَحْو الاسْتبداد، ومِنْ جهةٍ أُخرى يَقفُ إلى جانبِ المُجْتمع ويَقومُ بتَوعيتهِ ومُساعدتهِ في الوقوفِ على قدميْهِ مِنْ خلال تَقْديم دراساتٍ، أَوْ مُذكّراتٍ، أَوْ اسْتخدام وسائلَ الإعلام.
المُجْتمعُ المَدنيُّ في “كوباني” ما يزالُ في طوْرِ التّنْشئة والتّكْوين، ولا زالتْ مسألةُ النّخبة هي السّائدة ، ولَمْ يعمّ الوعي الذي يَجْعل المُجْتمع المدنيّ واقعاً جماعيّاً، ويَبْقى تُراثنا مِنْ أَكْبر العوائقِ التي تَحول دونَ تَعْميم هذا الوعي. إذْ لازالَ الوعيُ الجماعيُّ مَحْكوماً بِسُلطةِ أدبيّات سياسيّةٍ هَيْمنت طِوال قرون. فالوعيُ العامُّ لا زالَ غارقاً في الظّلامِ والتّخلفِ على مُستوى المؤسّسات والأُطر القانونيّة، ممّا يُسهل تَأْويلها وفْق قوالبَ فكريّةٍ حدّدتْها أَشْكالٌ سياسيّةٌ انْدثرت على مُسْتوى التّنْظيم والخطاب ولكنّـها حاضرة كسلْطة رمزيّةٍ على مُسْتوى الوِجْدان والفِعْل والمُمارسة واللاوعي. ومِنْ هذه الزّاوية، فإنّ السُّلطة لَنْ تَعْمل إلاّ في سبيلِ الحفاظِ على الخِطاب الذي أَنْتجها، فالخطابُ السّلطويّ يتوّلى مُهمةَ إخْضاعٍ مُزْدوج: إخْضاعُ الذّوات المُتحدّثة إلى خطابات، ومِنْ جهةٍ أُخْرى إخْضاعُ الخطابات إلى جماعات يُفْترض أنّها جماعةُ ذواتٍ مُتحدّثة. وهذا ما تَسْعى “الأحْزابُ الكُرديّة” إلى تَعْميمه باعتبارها الوريثَ الشّرعيّ للنّظامِ البائد.
منظمات المجتمع المدني في كوباني:
لعلّ المُتابعَ لطبيعةِ ما يَحْدث مِنْ حراكٍ في كوباني بجوانبه كافةً، سواء أكانَ مدنيّاً أمْ ثوريّاً، لنْ يتوهَ مُطْلقاً عَنْ تَسْميته بالرّبيع الكرديّ المُزْدهر، والذي بَدأ يتفتّح بجمالٍ في كوباني، رغْم بُروز ما يُعكّر صَفْو ذلك الرّبيعِ أحْياناً.
أولى بَوادر ذلك الرّبيع نَشطتْ مِنْ خلال ظُهور عددٍ مِنَ التّجمعاتِ المهنيّة مَعْ نهايةِ العام 2011 كـ “مُحاميّ كوباني”، و”مُهنْدسيّ كوباني”، و”مُدرسيّ كوباني”، و”مُعلميّ كوباني”، وكذلك الأطبّاء والصّيادلة…الخ، وكلّها تجمّعاتٌ تأسّست على أُسسٍ وظيفيّةٍ مدنيّةٍ بهدفِ لَمْلمةِ الحراكِ الثّوريّ المهنيّ، وتَأْطيره بأسسٍ نقابيّة. وبهدفِ جَمْع الجهودِ بأكاديميّة، وحَقْنها بجملةِ نشاطاتٍ مَيْدانيّة وفْق رؤىً مُتقاربة، فَتكونُ تِلْك التّجمّعات كالعَيْن الرّقيب تُمارسُ عَمَلها بتمهّلٍ نَحْو بناءِ مجتمعٍ مدنيّ. ومَهْما كانت مفاهيمَهُ غامضةً أوْ مُبْهمة نسبياً فإنّ ما يتمّ الحديثَ عَنْه الآن في كوباني لهو اللبنةُ الأولى لِتلْك البِداية، وهيَ الخُطوات الأولى لمشوارٍ سيطولُ رحاه.
أضفُ إلى تِلْك التّجمّعات المهنيّة، الحراكَ الثّقافيّ، والحقوقيّ والذي نَسْتطيع تَمْثيله بالإعلانِ عنْ تَأْسيس أوّل جَمْعيّة ثقافيّة مُسْتقلةٍ في كوباني: “جَمْعيّة سَبا الثّقافية”، والتي تابعتْ نَشاطاتِها بفعاليّة مِنْ خلال إقامة ندواتٍ ثَقافيّةٍ، أَوْ حفلاتِ دَعْمٍ للثّورة والنّازحين، أوْ مِنْ خلالِ تبنّيها لعددٍ منَ المواهبِ، وإنْتاج أفْلامٍ قَصيرةٍ تُجسّد الواقعَ والمعاناة. وأَصْدرت جريدة “سبا”النّاطقة باسمها، كما نَجد أوّلَ رابطةٍ نسائيّة باسْم “رابطة هيرو للمرأةِ الكرديّة” كمنظّمةٍ تُدافعُ عَنْ حقوقِ المَرْأة. كما أُعْلنَ عَنْ تَفْعيل فرْعٍ لِلجانِ الرّبيع الكرْديّ في كوباني، الذي أقامَ مُحاضراتٍ وندواتٍ عَنْ الحقوقِ المدنيّة، وحقوقِ الإنْسان، والمجتمع المدنيّ.
مِنْ جهةٍ أُخْرى، تَعْمل جمعيّةُ “هيفي” في حقلِ ذوي الاحتياجاتِ الخاصّة في كوباني، حَيْث تَعْمل على رَصْد حالاتِ الإعاقة، ومحاولة تبنّيها وتَقْديم الدّعمِ المَعنويّ لهم مِنْ خلالِ ورشاتِ عملٍ، وبناءُ قاعدةِ بياناتٍ واستبياناتٍ شاملة تكونُ بمثابةِ دليلَ بحثٍ لسهولةِ الوصولِ إلى المُسْتهدفين.
هذا عدا عَنْ “مؤسّسة دم” ومدى دورِها مِنْ خلالِ ورشاتها المدنيّة المُتعدّدة، بدءاً مِنْ الورشات الإعلاميّة، والمدنيّة وصولاً إلى التّطوعيّة وغيرها.
أضفْ إلى ذلك هناك منظّمات عديدة كمؤسّسة بياني، وزَلال، ومُنظّمة هوشين، والسّنْبلة، وكلّها منظّماتٍ تَجْتهد في حقلِ المدنيّة، وتَتَسابق في تَنْظيم نشاطاتٍ ثقافيّة مُتنوّعة.
إضافةً إلى ذلك، فإنّنا اسْتطعنا رَصْد جَمْعيّات، ولجانَ مدنيّةٍ أُخْرى تَعْمل لِخدْمة النّازحين إلى كوباني، مِنْ خلال تَقْديم الدّعم الماديّ والمعنويّ لهم، والتي تَعْمل بأمانةٍ ومِصْداقيّة.
الدّوريّات المَطْبوعة:
نَشطت حركةُ الصّحفِ والمجلّات الورقيّة في كوباني لتصلَ إلى عشرِ دوريّاتٍ تَصْدر أُسْبوعيّاً ومِنْها ما يَصْدر شهرياً، نَذْكر مِنْها (جريدةُ سبا، جريدةُ هيرو، جريدةُ التّغيير، جريدةُ فُرات، جريدةُ زَلال، وجريدةُ طريقنا)، وكلّها تَطْبع في كوباني بجهودِ محرّريها.
هذا غَيْضٌ مِنْ فَيْض نِتاج كوباني وثَوْرتها الصّامتة، والتي يُعاب أحْيانا عليْها، فالثّورة عمل، وكما نَسْتطيعُ القتالَ بصوْتِنا، وبرصاصِنا، نَسْتطيعُ أيضاً أَنْ نُقاتلَ بقلمِنا وفكرِنا الذي ظلّت السّلطات تُكسّره وتُحطمّه طوالَ سنوات شبابِها.

حنطة ١٨ نت32

برومو الشهيد ناجي الجرف