حكايا البيدر

السرّ المُتدحرج

السرّ المُتدحرج
راهيم حساوي
يَدور كلامٌ خاصّ بَيْن شَخْصين، فيَقول أحدهما للآخر: فليكنْ هذا الكلامُ سرّاً بَيْني وبَيْنك.
في حقيقةِ الأمْر لا أجِدُ أنّ هذه التّسْمية (السرّ) تسميةً صحيحة، فالكلامُ يَفْقد سرّه بمجرّد خُروجِه على لسانِ صاحبِه، سواءً كانَ على مسمعِ شخص أَوْ عدّة أشْخاص. وقدْ نَجد رَبَّ أُسْرة يَقول كلاماً ما لأفرادِ أُسْرته ويَطْلب منْهم أنْ يَبْقى ذلكَ سرّاً. والكلامُ في الحالتيْن السّابقتيْن هو كلامٌ خطير، ومِنَ الأَفْضل كتْمانه كَيْ لا يُسبّب الضّرر ويَفْقد الغايةَ المَرْجوةَ منْه، وفي حقيقةِ الأمْرِ فإنّ ما يُسمّونه سرّاً هو كأيْ كلامٍ يُقال بَيْن اثْنين أوْ أكْثَر رُغْم وجودِ خطورةٍ ما في هذا الكلام أو ذاك.
والسرُّ الحقيقيُّ هو ما يَبْقى في النّفْس ولا يَخْرج مِنْها، ومتى خرجَ مِنَ النّفْس فقدَ جَوْهر سرّيته فلا يُمْكن أَنْ نُسمّيه سرّاً سواء أباحَ بهِ هذا الآخرُ، أمْ لمْ يبحْ.
الإنْسانُ بطبْعهِ يَميلُ لِصناعةِ الحَدث بطريقةٍ غَيْر مُباشرة، فَتراه يَرْوي تَعطّشه لِصناعة الحَدث الدّفين دون أنْ يَدْري، ويُغامرَ بأشياءٍ لا يَعْلم خُطورتَها إلّا فيما بَعْد، وهو يَفْعل هذا بذريعةٍ ما تَخْتلف عَنْ الذّريعة التي يظَّنها، وفي عَقله الباطنيّ ثَمّة دافعٍ يَقوده نَحْو صِناعة هذا الحَدث، وعلى إِثْر نتائج هذا الحَدث فَقدْ يُصيبَه النّدم، لكنّه في بداية الأَمْر روى غريزته التي دَفعتْه نَحْو صناعةِ حدثٍ ما رغم عدم مَعْرفته لما ستؤولُ إليْه نتائجُه.
ومِنْ هذا المُنْطلق، نَجد أنّ الإنْسانَ يَميل للبَوْح بسرّه للآخر، بِحجّة الشّكْوى أوْ البَحْث عَنْ ملاذٍ آمنٍ عَبْر هذا البَوْح، لكنّه قَدْ يَشْعر بالنّدم فيما بَعْد، وهذا النّدمُ هو حَدثٌ جديدٌ بحدِّ ذاته أَحْدثه ببوحِه هذا، وربّما يَزْدادُ النّدم لِيَصل الأمرُ به إلى الدّخولِ في مَجْموعة أَحْداثٍ: حدثٌ يَصْنع حَدثاً آخر.
لِذلك أرى أنّ كِتْمان السرّ في النّفس يُخفّف مِنْ عَدد حُدوث الأحْداث في حياةِ صاحبِ السرّ، وتكونُ الحياةُ أقلّ توتّراً وأَكْثر أمْناً، وتَزْدادُ الرّابطةُ بَيْن النّاس الذين لا يَعْرفون أَسْرار بَعْضهم البَعْض.
ولَيْس مِن الضّرورة أنْ يكونَ السرّ خطيراً حتّى نَحْتفظَ به، فَخُطورةُ السرّ تَكْمن في لحظة خُروجه، وقَدْ يَتبادرُ لِصاحبه أنّه شَعَر بالارْتياح للوَهلة الأولى لكنّه فيما بَعْد يَتّوتر، ويَقْلق، ويَنْتابه شعورٌ بالنّدم، وهُنا تَتَوالد الأحْداث التي لَمْ يَكنْ لها أَنْ تَحْدثَ لوْلا التّحدّث بهذا السرّ.
ربّما الحَدَث الأَكْبر الذي يَحْدث في حياةِ الإنْسان هو المَوْت الذي لا يُعْرف عَنْه شيئاً، ولكنّه سرٌّ يلازمَه طوالَ حياتِه، وبمجرّد حُدوث المَوْت ترى الآخرين يَبْحثون ويَتُوقون لِمَعْرفة أَسْرار مَوْتاهَم، وهذا خَيْر مُؤشّرٍ على طَبيعةِ حُبّ الإنْسان لِسماعِ ومَعْرفة أَسْرار الآخرين، لَيْس بِدافعِ المَعْرفة الخالِصة بَلْ البَحْث عَنْ الحَدث وتطوّرات الحَدث. وبِهذا الحَدث تَسْتمرّ الحَياة وتَتَوسّع، وهذا التّوسّعُ هو الذي أَرْهق ويُرْهقُ الحياة.
بطبيعةِ الحالْ، لِنَفْترض أنّ هناكَ ثَلاثة رِجالٍ في زَنْزانة، أوْ في مَكْتب عمل، أوْ في بَيْتٍ مُشْترك، ولا تُوجد بَيْنهم أسْرار، فَسنجدُ أنّ علاقَتهم تَسيرُ في شَكْلٍ مُنْتظمٍ وواضح، وهذا ما يؤكّدُ أنّ تَبادلَ الأسْرار يُثير الأحْداث، وبذاتِ الوَقْت تَرى كلّ واحدٍ مِنْهم يُحاولُ مَعْرفة سرّ الآَخر بِمُخيلته، وهذا ما يُؤكّد أنّ الإنْسانَ بِطبْعه يَبْقى يَبْحثُ عَنْ إثارةِ الحَدث حتّى لَوْ اقْتصرَ الحَدثُ على خيالِه فَقطْ.
ونَحْن نَرى كَيْف أنّ مُعْظم الأساطيرِ قامَتْ على السرّ، ولَوْلا البوْح بِهذا السرّ أوْ ذاك لما كانَتْ في أَصْلها، ونرى هذا الأمْر أيْضاً في بَعْض الأفْلام السّينمائيّة، وفي بَعْض الرّوايات، وفي الجرائمِ التي اعْتَمدت وقامَتْ على مَعْرفة سرٍّ ما تطوّرَ في حَدثه ووَصَل لحدِّ الجريمة، سواءٌ كانتْ جريمةَ قَتْلٍ، أوْ جريمةً مَعْنوية تُسبّب الدّمار والهَلاك لشَخْصٍ ما، أوْ لمجموعة أشْخاص معاً.
يَعيشُ المَرْء حياتَه كامِلةً، ويَموتُ ويَبْقى في صَدْره مُعْظمُ الأَسْرار التي لا يُمْكن البوْحَ بها، ولا يُمْكن أَنْ تكونَ قابلةً للبوْحِ في أصْلها وذلك بِسبب خُصوصيتها التي لَيْس مِنْ شَأْنها صِناعةُ الحدث الذي يَبْحث عَنْه الآخر؛ لذلك تَراها أسْراراً ثَقيلةً على عاتقِ المرْء، ولا مَجال لأحدٍ أَنْ يُصْغي لها في حالِ أراد صاحِبَها البَوْح بها، بَيْنما تَمْلك هذه الأسْرارُ القُدْرة على صِناعة الحَدث وتَطوّره، إذْ يَرْغب الآخرون في سَماعها أوْ البَحْث عَنْها لِملء الزّمنِ بالأَحْداث على المُسْتوى الفَرديّ، أوْ ربّما على مُسْتوى جماعاتٍ أوْ مُجْتمعات أَيْضاً.
في نِهاية الأَمْر، عَليْنا أنْ نَعْرف أنّ السرّ الذي يتمّ طَرْحه للآخرين هو كلامٌ قَدْ يكون كلاماً خاصّاً وخَطيراً، ولكنْ لا يُمْكن تَسْميته سرّاً، طالَما أنّ البوْح بِه واردٌ لضرورةٍ ما تَتعلّق بصاحبِ هذا البَوْح، أوْ بالذين باحَ لَهُم بِه، بَيْنما السرّ الحقّ هو ذاك الذي لا يُمْكن البَوْح به، ويَموت بموْتِ صاحبِه. ومِنْ سِمات هذه الأَسْرار، تعلّقها بالقضايا الوجوديّة، وبُعْدها عَن كلِّ ما هو شَخْصيّ، وارْتباطِها بالقيمِ سواء أكانتْ قِيماً نَبيلةً، أَوْ رديئةً.

 

حنطة ١٨ نت33

برومو الشهيد ناجي الجرف