حكايا البيدر

منْ ذاكرة أبو محمود الطنبرجيّ

منْ ذاكرة أبو محمود الطنبرجيّ

(قصّة حقيقيّة)

المخْترع ومصّاصة المتّة

مأمون الجعبريّ

كُنّا في العَام 2004 مَجْموعة مِنَ الشُّبان اليَافعين اِنْطلت عَليْنا كِذْبة تَشْجيع الحرّياتِ مِنْ قِبل الرأس الكبير, وبأنَّه يَبْحث عَن بِدايةِ التّغْيير الدّيمقراطيّ. فَقرّرْنا تَشْكيل نُواة حِزْب مِنْ مَطَالبه إِلْغاء قَانونَ الطّوارئ، وإطْلاقَ الحُرّيات السّياسيّة. ولَمْ يَمضِ غَيْر وَقْتٍ قَليل لِنَجد أَنْفسنا في اِسْتضافة مُنْتجع صيدْنايا الشّهير (السِّجن), وبِأَحْكامٍ وَصَلت إلى السّبْع سَنَوات. وحينَ صَحوْنا منَ المُفاجأة كَانَ الحَنينُ إلى حَفيف الأَشْجار خَارج القُضْبان يَجْعلنا نَأْرق لأيّام، وكلّ شيْء مَهْما كنْت تَظنّه بَسيطاً حينَ كانَ مُتوفّراً بَيْن يَديْك يَتحوّل إلى سجّانٍ جَديد بَيْن القُضْبان, حتّى كَأْس الشّاي الذي مِنَ المُمْكن أَنْ تَرْمقه بِسخريّة في صَبَاحاتك العَاديّة, هُو حُلْم في داخِل السّجْن.

وَفي أَحدِ الأَيّام الغَادِرة بَعْد أَنْ فَجَعنا الحَنين، وكانَتْ مُباريات الموندْيال العَالميّ لكرةِ القَدَم قَدْ بَدأتْ, تَجرّأتُ وطَلبْت مِنْ أَحدِ السّجانين مِذْياعاً صَغيراً, وكَانَ يَرْبطني بِه بَعْض الودّ, وبَعْد سِلْسلة مِنَ التّرجي وَافَق على إعارَتي الراديو ليَوْم واحِدٍ فَقطْ. مِنَ الصّعْب أَنْ تَتخيّلوا فَرحَتنا، أَعْتقد أَنّها تَجَاوزت فَرْحة مَنْ وَضَع قَدمه مِنَ الَبشر على القَمرِ لأوّل مرّة. تَحلّقْنا حَوْل الرّاديو نَكْتم أَنْفاسنا، وَنَفْتح أَفْواهنا وأَذَاننا وقُلوبَنا كَيْ تَخْتزن ذَاكرتُنا أَقْصى ماتَسْتطيع.

وبَيْنما نَحْن نُصْغي، حَدَث شِجار بَيْن اثْنَين مِنَ المَساجين كانا قَدْ اخْتلفا حَوْل الجلوسِ بالقُرْب مِنَ الرّاديو. تَطوّر النّزاع، أَبْعدتُ كَنْزَنا قَليلاً عَنْ سَاحةِ الصّراع، ووَقَفْت بَيْن المُتخاصِميْن لِفضّ الاِشْتباك, بَاعَدْنا فيْما بَيْنهم، وحِينَ وَجَد أَحَدهم أَنّه لَنْ يَطَال الآَخَر حَدَثتْ الكَارِثة. قَفَز والْتقط أَقْرب ما تَطالَه يَدُه، وقَذَف بِه الخَصْم. مِنَ المُؤكّد أَنّكم كَتَمتم أَنْفاسكم وَأَنْتم تَقْرؤون خَوْفاً مِنَ المَحْظور, ولَكنْ، ويَا مُصيبتي كَانَ المَقْذوف هو الرّاديو الذي تَنَاثر وتَشَظّى. حِينَها انْتَابني إحْساسٌ بأنّ رُوحي خَرَجت مِنْ حَلْقي, غَصَصْت بالبُكَاء والقَهْر والحَقْد، أَصْبحَ طَعْم حَلْقي مُرّاً، احْمرّت وَجَحَظت عَيْناي, وسَاد الصّمْت المُطْبق وتَبَاعد المُتخاصِميْن, وكَانتْ كلّ العُيونُ تَنْظر بِبلاهةٍ في الفَراغ المُحيط, كَانَ لديّ رِغْبة أَنْ أَقْتل السّجين. لِلحظةٍ قَرّرتُ أَنْ أُطْبق على رقْبته لا أَتْركها إِلاّ بَعْد أَنْ يَلْفظ أَنْفاسه. ولَكنْ لا أَدْري مَا الذي مَنَعني، لَمْ يَكُن أَحدٌ مِنَ المَساجين، لأنّه لَمْ يَتجرّأ أَحَد على الاِقْتراب مِنّي, وَضعْت رَأْسي بَيْن كفّي لِبعضِ الوَقْت، مَسَحت عَيْني وبَدَأت بِلَمْلمة أَشْلاء الرّاديو, كَأنّ الجَميعَ كَانَ يَنْتظر هَذه اللّحْظة, فَبدؤوا يَجْمعون الحُطام. تَجمّعت قِطعُ الرّاديو، ووُضِعت في عِهْدة أَحَد السّجناء وكنّا نُلقّبه بالمُخْترع. حَاوَلنا جَميعاً أَنْ نُوفّر ما أَمْكن مِنَ الهُدوء للمُخْترع الذي اسْتعانَ بِإصْبعٍ مِنَ الصّمغ كنّا نَمْتلكه، وبَعْد أَكْثر مِنْ ساعَتيْن كَانت الأَشْلاء قَدْ بَدَأت تَأْخذ شَكْل الرّاديو, ولَكنْ ظَهَرت مُعْضلة، فالجزْء المُحرّك للقَنَوات كَانَ قَدْ تَحطّم تَماماً, وهُو جِزْءٌ يُسْتعمل دَوماً ولا جَدْوى مِنْ إِلْصاقه, انْتابَنا غَمّ كَبير ويَأْس، و كعادته فاجَأنا المُخْترع، وأَحْضر مِنْ حَقيبةِ أَسْراره قطعة معدنية ثَناها وأَدْخلها في النّتوء, وتَمّ تَحْريك المُؤشّر الذي تَجَاوب مَع الحَرَكة، نَهَضتُ سَريعاً وأَخَذتُ أُقبّل المُخْترع. حَمَلت الرّاديو بِحِرْصٍ شديدٍ وأَنا أُفكّر كَيْف سَأَشْرح ماحَدَث للسّجان, كانَتْ سَاعات، ولكنّها بالنِسْبة لِي أَيّام قَبْل أَنْ يَأْتي السّجان ويُطالِب بالرّاديو, اقْتَربْت مِنْه وشَرَحت لَه ماحَدَث, وقُلْت لَه كَيْ يَهْدأ غَضبه: “أنا المَسْؤول، وتَسْتطيع أَنْ تُدَوْلبني” (تضعني على الدولاب ليتم جلدي),هَذا أَكْبر مَا كان مِنَ المُمْكن أَنْ أُقدّمه مِنْ ثَمَن. نَظَر إليّ بِبَعْض العَطْف، ورَفَض أَخْذ الرّاديو واِنْصرف، لَمْ تَكَد فَرحتنا تَكْتمل بالخَلاص, وإذا السّجان عائِداً وشَرار النّار يَخْرج مِن عُيونه, صاحَ لي: ولاك (خرى) تَعال إلى هُنا. أَتَيْته سَريعاً، قَال لي: “مَا هَذا؟ وهو يُمْسك الرّاديو بِيده”, قُلْت له: الرّاديو. أَجَابني: “بَعْرف بلّوط، ولَكِن ماهذا؟” وكانَ يُشيرُ إلى القِطْعة المَعدنيّة, شَرحْت لَه وهُو يَكادُ يَنْفجر غَيْظاً لَمْ يَدعني أُكْمل قالَ لي: “هَذه القِطْعة هي مَصّاصة متّة، مِنْ أَيْن أَحْضرْتموها؟”, شَعَرت حِينها بِمُصيبةٍ قَادمة، قُلتُ له: “مِنْ عِنْد المُخْترع”، وسَريعاً نَدَه للمُخْترع: “تَعال ياكَلب”, ذَهبا معاً، وعَادَ المُخْترع بَعْد حَوالي السّاعة يَجرّ قَدَميْه المُدمتان، كَانَ يَشْتمنا ويَقُول: أَيْن العَدْل؟ هُم كَسروا الرّاديو، وأَنا أَكلْت الدّولاب. سَأَلْته: “منْ أَيْن لَك المصّاصّة؟”, اِعْترف أَنّه سَرَقها منْ إِحْدى الكُؤوس حينَ كَانَ ذَاهباً إلى الحَمّام. اسْتَغربتُ كَثيراً، قُلْت لَه بِغَضب: “ولَكنْ لِماذا وِنحْن أسَاساً لا نَمْلك عشْبة المَتّة، أَوْ كُؤوساً، أَوْ وَسيلة لِغَلْي الماء؟”, قَال لِي: “كُنْت أَقْصد إِغاظَتهم”. وفِعْلاً تَسبّب في مُشْكلة فيْما بَيْنهم لأَنّهم اتّهموا بَعْضهم, ولَكنْ الثّمن كانَ دولاباً، واعْتَزل المُخْترع المِهْنة مِنْ بَعْدها.

فَرَجائي مِنْكم: لا تَسْتهينوا بِمصّاصةِ المتّة.

 

حنطة ١٨ نت34

برومو الشهيد ناجي الجرف