حكايا البيدر

يوميات حصار(1)

يوميات حصار(1)

غياث عبد العزيز

 

“المخزون ينفذ.. والطعام سيكفينا لثلاثة أيام لا أكثر”..نطق مساعد التعييناتذو الشارب الكث والنظرات اللامبالية تلك الكلمات ببساطة شديدة لا يمكن أن يتقبلها جندي محاصرٌ منذ أسبوع في قطعة عسكرية من المفترض أنها تحوي مخزوناً يكفيها لشهرين على الأقل.

المكان حيث كنت موجوداً لا يحتاج مزيداً من الإحباط, إلا أن المساعد أصر على إسماع من بالداخل كلماته وتحطيم آخر خيوط الأمل المتبقية لدينا .

عندما سمعت تلك العبارة كنت مصاباً أتلقى ما يفترض أنه علاج في مستوصفٍ بدائي داخل الفوج, المستوصف كان غرفةً لا تتجاوز مساحتها خمسة أمتارٍ طولاً وعرضاً حُشرَ بها أكـثر من خمسة عشرَ جريحاً تلقوا إصاباتهم على مدى أسبوعين من الحصار والاشتباكات التي لا تهدأ.

لم تسبب لي الإصابة ألماً, بقدر ما سببتها لي تلك الكلمات وأسلوب نطقها من قبل شخصٍ خزَن في غرفته ومستودعه ما يكفيه ويكفي رؤسائهُ لشهرٍ من الزمن طعاماً وشراباً بينما يسقط الجنود من التعب والإعياء على محارسهم نتيجة الجوع.

 

قبل أشهر وصلت مع مجموعة من زملائي برفقة ثلاثة من الضباط إلى هذه القطعة العسكرية بمهمة حراستها وصد أي هجوم محتمل, كانت دباباتنا تعبر الباب الرئيسي مترافقة بأهازيج وصيحات الجنود في الداخل ما جعلنا نشعر ببعض الفخر وبالكثير من القوة.

بيد أن هذه المشاعر سرعان ما تلاشت مع أول عملية سطو قام بها هؤلاء الضباط على منازل خالية من أهلها لا يحرسها سوى غبار الزمن وبعض ذكريات خطها أطفال على دفاتر قديمة ممزقة.

 

العقيد عاكف رئيس العصابة، كان ضابطاً محنكاً في جميع المجالات عدا المجال العسكري, كان بارعاً في السرقة والسطو والتعذيب والنفاق وبليغاً في الخطابات الوطنية الحماسية التي من المفترض أن ترفع من معنوياتنا وقد أدت وظيفتها بالفعل لفترة من الزمن قبل أن يبدأ مفعولها العكسي بالظهور.

كنت أراقب أول سرقة قام بها ذلك العقيد أمام أعيننا برفقة بعض أعوانه من المتطوعين والمقربين منه, الغنائم كما يسمونها لم تكن سيارة مكدسة بالذخيرة أو صندوقاً مليئاً بالقنابل اليدوية, بل كانت عبارة عن عدة برادات وغسالتين وبضع أسطوانات من الغاز وسريراً صغيراً ودمعة طفل سيبكي يوم يرجع ولا يجد سريره فينام على أرضٍ باردة دنسها أولئك اللصوص بأقدامهم وحجتهم في ذلك أن (بيوت من يدعم أعدائنا وممتلكاتهم هي حلال لنا).

صديقي شربلكان يقف بقربي مشدوهاً مما يرى, عدنا للتو من اشتباكٍ عنيفٍ في إحدى المزارع القريبة, المهمة التي أوكلت لنا من قبل العقيد كانت مداهمة تلك المنطقة التي من المفترض أنها تضم تجمعاً مسلحاً, انطلقت دباباتنا نحو المكان المحدد ودارت اشتباكات عنيفة انتهت بعودتنا بسبب الذخيرة التي أوشكت على النفاذ, كنت أخاطب العقيد عبر اللاسلكي لأعلمه بالوضع وبحاجتنا الماسة للإمداد فيأتيني صوت ملازمٍ متردد لا يملك أن يتخذ أي قرار,ما دفعنا لاتخاذ قرار الإنسحاب لمقرنا, لنفاجئ بالعقيد يمارس هوايته في جمع العملات والمفروشات المنزلية.

 

أوشك شربل على البكاء لهول المنظر, قبل أسبوعين تقريباً من هذه الحادثة كان الجو بارداً لدرجةٍ لم يتمكن بها شربل من احتمال الصقيع وهو الذي لا يملك من الأغطية سوى غطاءً واحداً متهالكاً, ما دفعه لأن يدخل إلى منزلٍ قريبٍ تركه سكانه ويجلب غطاءً سميكاً أعانه على قضاء ليلته, شاهد العقيد الغطاء في اليوم التالي وناله من الغضب والجنون مالم ينل نيرون ساعة أحرق روما, وانطلق محاضراً بنا عن الأمانة التي نتحملها, وبأننا مؤتمنون على أملاك الناس وأمر صديقي بإعادة الغطاء إلى المنزل الذي أحضره منه.

 

والآن الفكرة الوحيدة التي فكر بها شربل هي أن الأمانة يجب أن يحافظ عليها أمثالنا فقط أما ذلك الأخطبوط فمباحٌ له كل شيء, غطاءٌ أخذه ليتدفأ به لا ليبيعه أصبح جريمة مستهجنة أما كل تلك السرقات فهي حلال.. ولم لا؟ فهو ضابط كبير ويحق له ما لا يحق لمرؤوسيه, ويحل له ما لا يحل لأحد سواه.

(السطو له تسلسل عسكري)

لم يقف الأمر هنا بل كانت المهام الموكلة لنا مهاماً انتحارية بكل معنى الكلمة، نُزجّ في الصفوف الأمامية ويظل ضباطنا في وكرهم مختبأين بحجة أنه المكان الأمثل لقيادة جميع الوحدات. كانت الفكرة التي زُرعت في رؤوسنا منذ بداية الأزمة هي استهداف الأقليات من قبل الثوار وعلى اعتبار أنني وشربل كنا من هذه الأقليات فقد كنا نستميت في قتالنا. إلا أن الصورة بدأت تتضح شيئاً فشيئاً عندما أصبحت أغلب المهام من اختصاصنا نحن فقط ويتخلف البقية, أتذكر جيداً قبل إصابتي بيومين عندما استدعاني عاكف وقد تأزم الموقف على الأرض وأخبرني بأنه يتوجب علي في حالة صدور قرار بالانسحاب من القطعة أن أترجل عن دبابتي ليحتل هو مكاني, فاجأني الطلب واعترضت قائلاً بأن في ذلك موتي المحتم تحت نيران القناصة وقذائف الهاون إلا أنه نهرني غاضباً بقوله: “أنا المسؤول وأنا أقرر ما سيحدث أم أنك تريدني أنا العقيد أن أنسحب مع المشاة ؟!”

(الموت أيضاً له تسلسل عسكري)

 

والجوع أيضاً يخضع لهذا التسلسل، فالمخزون الآن بدأ ينفذ والجنود في مواقعهم جياع. والضباط في مخابئئهم يأكلون, والثوار من حولنا يضيقون الخناق علينا يوماً بعد يوم. نسمع عن مؤازرةٍ قادمة منذ أسابيع لكننا لا نسمع هدير محركات قادم أو إطلاق نار أو مدافع.

ما نسمعه فقط صوت قذائف الهاون وصفير طلقات القناصة التي تحصد منا أعداداًكل يوم, وصوت أبي طالب الناطق الرسمي باسم من يحاصرنا يخاطبنا دوماً عبر مكبرات الصوت:

–       سلم نفسك يا عسكري

–       بعرفك جوعان.. لايمتى رح تتحمل الجوع؟؟

–       يا فلان طلاع أنت آمن

–       يا فلان انت ميت..

 

وغالباً ما يلي تلك العبارات صوت قذيفة من إحدى دباباتنا تطلق باتجاه مصدر الصوت فيصمت أبو طالب. نظنه جميعاً قد قتل نتيجة القذيفة لكن صوته يعود من مكان آخر مردداً نفس العبارات وبنبرة أقوى من قبل.

 

(يتبع)

حنطة ١٨ نت35

 

برومو الشهيد ناجي الجرف