رحى

بيْن زبْدة الشّعب وعُيونه .. بنْدقية

بيْن زبْدة الشّعب وعُيونه .. بنْدقية

–  حلقة 1 –

د.عبد الفراتي

لا، لَيْست تلْك لا ريتا دَرْويش ولا غِنائيّاته .. بلْ ” رِيتّانا ” نَحْن ومَأْساتنا الخَاصّة مَع عُيونِنا التي لمْ تَعْرف يَوْماً شَيْئاً عنْ قَدر العُيونِ العَسليّة …

مَعْ غُمُوض العُنْوان وسُرْياليةٍ لا نَمْلك لَها سِوى الضَّحك السَّاخِر منْ كلّ مَا يُحيطُ بِنا منْ تَراجيديا، لا بُدَّ منَ القَوْل أنّا رَقَصْنا عَليْها ومَا زِلْنا، رَقْص زوربا المُنْتشي ألَماً وتَنَاقضاً على مَدى مَا يَزيدُ عَلى العُقود الأرْبعة مِن أَوْراق زَمنِنا المُرّ.. ذَلك أَنّ بيْن الزّبْدة والُبْندقية قصّةٌ اقْتصاديّةٌ قَديمة، لمْ نَكُن فيها سِوى غَاسلي صُحُون لمَائِدةٍ مَا دُعِينا إلَيْها يَوْماً ….

بِدَايةً، لا بُدّ منْ سَرْد الحِكَايةِ بِنَكْهتها الاِقْتصادية المُجرّدة، فَعِن الزّبْدة “لا المارجرين” تَتحدّث النَّظَرية الاِقْتصاديّة في جَدَليّة تَنْمويّةٍ اِقْتصاديّة يَخْتار إيقَاعَها سَاسةُ الاِقْتصاد العَامْ في كلّ اِقْتصاديّات العَالَم، عَن نَظريّة ما يُسَمّى ” butter/gun curve” مُنْحنى الزّبْدة والُبْندقيّة، وَهُو تَعْبير اِصْطلاحيّ عَنْ شَكْلٍ هَنْدسيّ يُمَثّل جَدليّة العَلَاقة بَيْن اقْتصاد الحَرْب، واِقْتصاد التَّنْمية. وفي سَبيلِ اِخْتيار أَحَد الطَّريقيْن يَتدرَّج المُنْحنى صُعوداً وهُبوطاً، مَزيداً منْ أَلْواح الزِّبْدة، أَوْ مَزيداً منْ رَصَاصات البُنْدقيّة …

ويُمْكن لتَوْضيح الصُّورة أَكْثر، تَمْثيل تلْك النَّظرية بِبَسَاطة كَمَا في الشَّكْل التَّالي:                     gun

لَسْنا هُنا طَبْعاً في مُحَاضرةٍ جَامِعيّةٍ لِشَرْح دَرْس اِقْتصاديّ، لَكنْ بإِمْكانِنا ببَسَاطة

أَنْ نُلاحِظ أَنّ التَّدرّج صُعوداً يُنْتج المَزيدَ مِنْ الرَّصَاصات، ويَميلُ المُنْحنى ليُذيبَ   butter

المَزيدَ والمَزيدَ منْ أَلْواح الزّبْدة لصِنَاعة رَصَاصاتٍ جَديدة “بكَلماتٍ أُخْرى، إذَابَة مُنْجزات التَّنْمية وتَحْويل الاِقْتصاد التَّنْمويّ إلى اِقْتصاد حَرْب”، ويَحْدث العَكْس عِنْدما يُصْبح التَّدرّج أُفُقيّاً فَيَتجه الاِقْتصاد لِحَرْق المَزيدِ منَ الرَّصَاصات لصِنَاعة المَزيدِ منْ أَلْواح الزّبْدة. بكَلماتٍ أُخْرى، تجَمّد الأَسْلحة واِقْتصاد الحَرْب لصَالِح اِقْتصاد التَّنْمية”.

بكلّ بَسَاطة على كلّ شَعْب “اخْتيار” مَاذا عَليْه أَنْ يُنْتج، أَسْلحةً وحُروبَاً، أَمْ تَنْميةً وازْدهاراً. على أنْ نَنْتبه هُنا أنّ إِنْتاج الحَرْب لا يَعْني بالضّرُورة تَصْنيع السِّلاح – فهُو مَا لا يُتَاح في مُعْظم الدُّولِ النَّامية، ونَحْن مِنْها – بَلْ يَنْصرف إلى تَجْيير مَوَارد الاِقْتصاد الوَطَنيّ لآَلَة الحَرْب أوْ الأَمْن على حِسَاب التَّنْمية والإِنْتاج الاِقْتصاديّ، وهُنا تَقَع الجَدَليّة التي قَدّمْتُ لها أعلاه، فالمَوارد الاقْتِصادية في أَي اقْتِصاد هِي مَحْدودة حُكماً والحَاجاتُ لا تَنْتهي، وهُنا يَحْكمُ قَرارُ الإِنْفاق أيديولوجيا الحُكْم وطَبِيعَةُ المَرْحلة، فَتَتَّجِه الدُوَلُ غَالباً إلى الرَّصَاصاتِ في فَتَراتِ الحُرُوب والكَوَارث، وتَعُودُ فتَتَّجِه إلى أَلْواحِ الزّبدة بَعْد انتهاءِ الحَرْب أو الكَارِثة، ويُشْبه ذَلِكْ إِلَى حَدٍّ كَبِير تَفَاعُل الجِسْم الإِنْساني إزاءَ خَطَرٍ مُحْدقٍ بِهِ، فَهُوَ يَعْمَدُ إلى إجْرَاءاتٍ دِفَاعيةٍ فِطْرية تَدْفَعُ بالأوكسجين إلى الأَعْضاءِ الحَّيويةِ كالقَلْبِ والدِمَاغِ والرِئَتين عَلَى حِسَاب بَقيَّة الجِسْم رَيْثَما تَمُرُّ أَزْمةُ الإخْتِناق، وكَذَلك يَفْعل اقْتِصادُ الأَزْمة فَهُو يُوَجِّه مُقَدَّرات الاِقْتصاد لِخِدْمةِ صُمُود البَلَد أَمَام الحَرْب أَو الكَارِثة، حتّى تَمُرَّ الأَزْمة فَيَعُود لِضَخِّ الأوكْسِجين الاقْتِصادي لبَقِّية القِطَاعَات …

أَمَّا أَنْ يَختَنِق اقْتِصَادٌ ما لأَرْبَعةِ عُقُود في أَزْمة “شرفٍ تَنَفُسِّي” مَعْ ذَاتِه ومَعْ أوكْسِجِينه ومَعْ نَفْسِه، فَتِلْك ظَاهِرةٌ اقْتِصاديّةٌ قَبْل أَنْ يَعْجَزَ عَنْها العِلْمُ الاِقْتِصادي، عَجِزَت عَنْها رَصَاصَات البُنْدقِّية الجَامِدَة وأَلْوَاح الزبدة الذَائِبَة نَفْسَها في اقْتِصادٍ امْتَلَك ويَمْتَلكُ أَرْوَع مُكَوِّنات الزبدة التَّنْمَوية…..!!!!

وإِن كَانَتْ الدَّوْرَات الاقْتِصاديّة والتَّقَلُبات الزَّمنِيَّة هِيَ سِمَاتٌ اعْتِياديةٌ لمُعْظم اقْتِصاديات العَالم،فإِن تَبدُّل الأَحْوال من تَنْمية مُسْتَدامة إِلى خَرابٍ مُزْمنٍ، يُعَبِّر بالضَّرَورة عَن فِكْرٍ مُشَوَّه وأيديولوجية مَرِيضة، لا تُوجد في غَالبِ الأَحْيان إِلَّا في دِكْتاتوريَّات العْالم الثَّالث، إذْ لَيْس عَلَيْها سِوَى الامْتِثال لأَوَامر صَانِعِّي الرَّصَاص لِإذَابة كُلّ مَا يُمْكن أَنْ يَكُون الزّبْدة في “أَفْران” برَّاقة, أُعِدّت خِصِّيصاً للإِذَابة القَوْميّة والمَذْهبيّة والطَّائفيّة وربّما المِزَاجيّة وحَسْب، عَلى الطَريقَة النَيْرونيّة, وهي كَفيلةٌ على اخْتلافِ أَنْواعِ الزّبْدة، ومَهْما كانَ حَجْمها بإِذَابة “رَأْس أَكْبر لَوْحٍ” مِنْها بِلَمْح البَصَر، وحَرْق عَشَرات السِّنين التَّنْمويّة في لَحْظة جُنُون بُنْدقيّة !!!

فإِذَا انْطَلقنا مِنْ هَذا الفَهْم في تَفْسيرنا للإِذَابات المُتَتَالية لأَلْواح الزّبْدة في مُخْتلف بِقَاع الأَرْض الثّالثةِ -وأَعْني عَالَمنا المُتَخّلف- سَيَسْهل عَليْنا اسْتيعابَ الجَانِب المُنَاقض منَ المُعَادلة، وهُو الإِثْراء المُتَزايد لِصُنّاع الرَّصَاص والبَنَادق “هُناك في الطَّرَف غَيْر المُتَخّلف منْ ذَات العَالَم”، لا سِلاَحاً بَلْ أَلْواحاً مُتَراكمةً منَ الزّبْدة العَذْراء، عَلى نَحْو سِرْياليٍّ مُضْحكٍ منَ سُخْريته يَتَمثّل بِاِنْزياحِ الأَوَاني المُسْتطرقَة عَكْساً، وَلَيْس ذَلك سِوى اِنْسياب مُخْزٍ لبِحَار الزّبْدة الذَّائبة في مَنَاطق اِقْتصاديّات الحَرْب، نحْوَ مُسْتوعَبات التَّبْريد الأَبديِّ لِمَصَانع الرَّصَاص، التي غَدَت هي المَنْبع وهي المَصَبّ، وفيها الخِصَام وهي بكلّ تَأْكيد الخَصْم والحَكَم.

الآَن وقَدْ عَلمْنا زِبْدتنا ورَصَاصنا، يُمْكننا البِدْء بالحَديث عَن الاِقْتصاد السُّوري بأَلْواحه وبَنَادقه.

بِدايةً لنَبْدأ بالزّبْدة الذّائِبة، “إِذا أَرَدنا أَنْ نَعْرف مَاذا في إيطاليا فَعَليْنا أَنْ نَعْرف مَاذا في البَرازيل”، نَعَم وكَذلك الزّبْدة، فلِكَي نَعْرف حَجْم مَأْساتنا الذَّائبة، عَليْنا أَنْ نَعْرف بِدَايةً مَاهِي مُكَوّنات “لَوْحنا العَاثِر”

قُبَيْل الثَّوْرة.

لَطَالَما عُرِف الاِقْتصاد السُّوريّ بِمَجْموعةٍ منْ نُقَاط القُوّة التي مَيَّزته عَنْ كَثيرٍ منَ الاِقْتصاديّات المُشَابهة لَه بُنْيويّاً بِصِفته اقْتصاداً نَاميّاً، وقَدْ شَكّلت تِلْك النُّقاط قَاعِدةً مَتينةً ارْتَكز عَليْها الاِقْتصاد عَلى مَدى عُقُود، وَوَاجَه بِها مَوْجَات الكَوَارث البِيئيّة والسِّياسيّة والعَسْكريّة، التي تَرَكتْ أَثَرها عَمِيقاً وَلِعُقود تَاليةٍ، اسْتَغْرقنا كَثيراً لِنَعْلم بِها.

أُولى نُقَاط تِلْك القُوّة تَمثّلتْ -وحتّى قُبَيْل الثَّوْرة بِقَليل- بِعَجْز لا يَكَاد يُذْكر للمُوَازنة العَامّة قِيَاسَاً بالاِقْتصاديّات المُمُاثِلة في المَنْطقة –كَلُبْنان الغَريق حتّى أُذنيْه في الدَّيْن مَثَلاً– إذْ أَنّ مُعْظم الدِّراسَات التي قَدَّرت ذَلك العَجْز، وإِنْ كَانَت لَها بَعْض المُحَاباة، فإِنّها قَدْ اتفَقَت تَقْريباً عَلى نِسْبة 10% مِنْ إِجْماليّ النَّاتج القَوْميّ السُّوريّ في مُعْظم الفَتَرات، وهُو رَقمٌ لا يُعدّ سَيّئاً في اِقْتصاديّات العَالَم الثَّالث التي تَشْهد مُعدَّلات قِيَاسيّة سَواءٌ للدَّيْن العَامْ الدَّاخليّ، أوْ الخَارجيّ قَدْ يَتعدّى في بَعْض الأَحْيان أوْ حتّى يُجَاوز رَقَم المُوَازنة نَفْسها، وَتَجْدر الإِشَارة إلى أَنّ النِّسْبة الأَكْبر مِنْ هَذا الدَّيْن في الاِقْتصاد السُّوريّ، كَانَت تُعْزى إلى مَصَادر دَاخليّة نَتيجةَ اِقْتراض الحُكُومة، أوْ سَنَدات الخَزينةِ في الَبْنك المَرْكزيّ، ومَا يَبْقى يَعُود لِدُيونٍ قَديمةٍ غَالبيّتُها سُوفيتيّة وقَدْ تَمّت جَدْولة مُعْظمِها. وبالمُحَصّلة، فإِنّ الاِنْخفاضَ النِّسْبيّ لِنِسْبة خِدْمة الدَّيْن العَام إلى إِجْمالي النَّاتِج القَوْميّ السُّوريّ، كَانَ أَحَد أَهمّ المُرْتكزات التَّنْمويّة المُسْتَدامة للاِقْتصاد السُّوريّ.

ومَنْ ثمّ هُنَالك المَوْقع الجُغْرافيّ والاِسْتراتيجيّ المُميَّز لسُورية، بتَنوّعها الثَّقافيّ والبِيئيّ، وكَثْرة المَواطِن السِّياحيّة والأَثَريّة في جَميع مُحَافظاتها بلا اِسْتثناء، ولا أَدلَّ عَلى ذَلك منْ أَنّ قِطَّاع السِّيَاحةِ وَحْده بَقيَ حتّى عَام 2010 يَدرّ نَحْو 8 مِلْيار دُولار سَنويّاً للمُوَازَنة السُّوريّة، إِضَافةً لِوُقُوع سُورية عَلى مُفْترق طُرُق عَالميّ، مَا جَعَلها مَمرّاً اسْتراتيجيّاً لِعُبُور النَّفْط وتِجَارة الترانْزيت، وهُو ما دَرّ مَدَاخيل إِضَافيّةٍ للمُوَازَنة العَامَّة عَمّقتْها الاتفَاقَات الثُّنائيّة الدَّوْليّة، فأَصْبح الترانزيت أَحَد أَهمّ مَداخيلِ المُوازَنة حتّى عام 2010، لَكنّ ذَلك المَوْقع قَدْ جَعَل منْ سُورية لاَحِقاً مَلْعباً للتَّصَارع الإِقْليميّ والدَّوْليّ نَظَراً للمِيزَات الجيواستراتيجيّة التي ذَكَرتها أَعْلاه، وسَنَعرج عَلَيها لَاحقاً.

قَدْ لا يُصدِّق أَحَد أَنّ مُعدَّل التَّضخّم كَانَ أَحَد مُميّزات الاِقْتصاد السُّوريّ في مَرْحلةٍ مَا، فإِزَاء الصُّورة الحَاليّة المُفْزعة للتَّضخُّم السَّائد في سُورية، عَليْنا التَّذكر المُعدَّلات المُنْخفضة نِسْبياً للتَضخّم خُصُوصاً في عَقْد التِّسْعينات وبِدَاية الأَلْفية قَبْل أَنْ يَتَصاعد في مَرْحلة لَاحقَة، ويَنْفجر في الثَّوْرة السُّوريّة, فَقَد شَكّل انْخِفاض مُعدَّل التَّضخّم بِحُدود 8% عَلى فَتَراتٍ مُخْتلفة مُعَدّلاً مَقْبولاً قِيَاساً باِقْتصاديّاتٍ مُمَاثلة، وكَانَ سَيَغْدو أَحَد أَهمّ مُرْتَكزات السِّياسة النَّقْديّة لَوْلا “تَضخُّم” جُنُون النّظَام قَبْل تَضخُّم الاِقْتصاد.

وبالحَديثِ عَن السِّياسَة النَّقْديّة يَقُودنا للحَديثِ عَنْ سِعْر الصَّرْف، في الوَاقع يُقُودنا إلى الحَديثَ عَن الزَّمَن الجَمِيل للّيرةِ السُّوريّة التي شَهَدت عَلى مَدَى عُقود اِسْتقراراً هَادئاً، مَكَّن منْه سِيَاسة التَّثْبيت التي اتْبَعها البَنْك المَرْكزي لعُقُود طَويلة، مُسْتنداً إلى اِحْتياطيٍّ نَقْديٍّ تَرَاكم في خَزَائنه تَدْريجيّاً، قَادِماً مِنْ طَفْرات النَّفْط السَّبْعينيّة، وتَدّفُقات المُسَاعَدات الخَليجيّة التِّسْعينيّة وغَيْرها، حتّى نَاهَز الاِحْتياطيّ النَّقْديّ 18 مِلْيار دُولار قُبَيْل اِنْدلاع الثَّوْرة، وشَكَّل إلى جَانبِ انْخِفاض التّضخُّم أَحَد أَهمّ عَوَامل الجَذْب الاِسْتثْماريّ للاِقْتصاد السُّوريّ مَعْ بِدايةِ الأَلْفيّة التي كُنّا نَظنُّها “جَديدَة”.

ويَقُودنا الحَديثُ عنْ الاِسْتثمار بدَوْره إلى الحَديثِ عَنْ مُحفّزاته الأُخْرى, فَلا يُخْفى عَلى أَحَد اتْقانُ اليَدُ العَاملة السُّوريّة لمُخْتلف الصِّنَاعات على مَرّ التَّاريخ، وقَدْ أُضِيف إِليْها رخْص تَكْلفة هَذه الأَيْدي مَا جَعَل مِنَ الاِسْتثمار في سُورية الأَقلّ تَكْلفة منْ نَظِيره في الاِقْتصاديّات المُشَابهة، كَمَا أَنّ تَوفّر بُنْية تَحْتيّة مَقْبولة مُلائِمةٍ للاِسْتثمار كانَ قَدْ جَعَل من سُورية مَوْئلاً مُلائِماً لمُعْظم الاِسْتثْمارات العَالميّة – كَان ذَلك قَبْل أنْ يُجنّ نَيْرون -.

إلى ذَلِك، فإنّ سُورية بَلَد زِراعيٌّ باِمْتياز، ولَطَالما حَققّ اِكْتفاءً ذَاتيّاً في أَمْنه الغِذَائيّ، بإِنْتاجه لمُعْظم المَحَاصيل الأَسَاسيّة كَالقَمْح، والذُرَة، واللُّحُوم، والخِضَار… وغَيْرها، مَا جَنّب الاِقْتصاد الأَزَمات المُتَلاحِقة باِرْتفاع أَسْعار الغِذَاء عَالميّاً، لَنا أَنْ نَتخيّل مَدى قُوّة الاِقْتصاد السُّوريّ مِنْ هَذه النَّاحيّة، وهي مَا أَوْحى اسْتِعداده “فِطْريّاً” لأَزَمات “صِيَامٍ قَسْريٍّ” كَانَ لا يَحْلم بِهَا في أَسْوأ كَوَابيسه …

وقَدْ حَاولَت بَعْض الإِجْراءات المَاليّة قُبَيْل انْدلاعِ الثَّوْرة تَعْميقَ بَعْض نُقَاط القُوّة في الِاقْتصاد السُّوريّ، خُصُوصاً مِنْها مَا يَخصُّ تَحْديثَ القَوانينِ المَاليّة والضَّرائِب، إلاّ أنّها جَاءَت مَحْدودةً ومُتَأخّرة لِتُعَالج تَفَاقُماً بُنْيويّاً عَميقاً اسْتَمرّ عُقُوداً. كَمَا أنّ الاِقْتصاد السُّوريّ يُعَدّ اِقْتصاداً مَحْدود الاِنْكشاف على العَالَم الخَارجيّ، ويَعُود ذَلك إلى سِياسةِ الحِمَاية الجُمْركيّة وسِيَاسَات تَثْبيت سِعْر الصَّرْف أَسَاساً. ولِذا، فحتّى الأَزْمة المَاليّة العَالميّة لمْ تَتْرك ذَلك الأَثَر الكَبير على الاِقْتصاد السُّوريّ لهَذَا السَّبب على وَجْه الخُصُوص، كَمَا أنّ عَجْز المُوَازنة في آَخِر سَنتيْن قَبْل الثَّوْرة قَدْ لاءَمَ – صُدْفةً – الاِقْتصاد السُّوريّ جِزْئيّاً للخُرُوج منَ الرُّكُود الذي عَصَف بالعَالَم آَنَذاك.

وأَيّاً يَكُن، فإنّ تِلْك كَانَت أَبْرز نُقَاط قُوّة الاِقْتصاد السُّوريّ عَلى مَدى تَاريخهِ المُرّ، أَعْني كَانَت تِلْك أَجْمل أَلْواح الزِّبْدة.

أمّا البُنْدقيّة فإلى حَلَقةٍ تَالية … يَتْبع

حنطة ١٨ نت36

حنطة ١٨ نت37

 

 

برومو الشهيد ناجي الجرف