خميرة

خضراء الله: صمت في نهر من الأحلام

خضراء الله: صمت في نهر من الأحلام

نجاح سفر

 

كَتَب الشّاعِر المَصْريّ محمّد عيد ابْراهيم هَذا الدّيوانِ بَعْد زِيارةٍ إلى سُورية عَام 2000، وَقَدْ تَأثّر كَثَيراً بكَمّ الخُضْرة الذي يَمْلأ سُورية، ولِذَلك أَطْلق عَليْها اسْم “خَضْراء الله”، وجَاءَ هَذا الدّيوانُ ثَمَرةً مِن هِبات البَلد الذي آَلَ اليَوْم إلى الخَرَاب والفَوْضى وأَعْلى مَعَاني الديكْتاتُورية. وقَدْ أُقيمت نَدْوة نَقْديّة للدّيوانِ في طَبْعته الثّانيّة عَن دَار رَوَافد في القَاهرة، شَارَك فيها كلّ مِن: (النّاقد الدّكتور شاكر عبد الحميد وَزير الثَّقافة الأَسْبق، والشّاعِر الدّكتور أمجد ريان، والشّاعِر النّاقِد فتحي عبد الله. كَمَا أَدَار النّدْوة الشّاعِر عادل جلال).

وقَدْ حَاوَل (عيد) أَنْ يَكْتب تَصْنيماً للمَكَان ولِشُخوص المَكَان، بالرّبْط بَيْن المَعيشِ واليَوْميّ والأُسْطوريّ وَالبَلاغيّ مَع الاِنْغماس في التَّاريخ الثَّقافيّ للمَكَان، في سَعيٍ منْهُ لصِنْع قَصيدَة نَثرٍ مُفَارقة للسَّائد، حَيْث يَنْطوي كَثير منَ القَصَائد عَلى نُتَف مِنْ حِكَايات يَضَعها في سِياقٍ مُخْتلف مِنْ أَنْماط قَصيدةِ النَثْر، حتّى أَنّه يُحذّر القَارِئ قَبْل انْخِراطه في عَالَم الدّيِوان مِنْ وُجود شَخْصيّات حَقيقيّة لَكنّها مَعْرفيّة، لا تَرْتبط بِشَخْص أَكْثر ممّا تَرْتبط بِسِمةٍ منْ سِمَات المَكَان.

في البِدّاية تَحدّث الشَّاعر النَّاقد أمجد ريان عنْ عَالَم الدّيوان، فَقَال: (عيد) لَديْه حَساسيّة مُفْرطة تجَاه اللّغَة العَربيّة، فَهُو مُتأمّلٌ دَقيقٌ لِطَبيعة اللّغة، حَيْث تَتَردّد جُملُه الفِعْليّة والاسْميّة بِصُورٍ سَريعةٍ مثْل طَلَقات الرَّصَاص، يَتَحدّى بِها سُكونيّة القَصَيدة القَديمة. ويُريدُ أَنْ يُشكِّل رُوحَاً انْفعاليّةً مُتحرّكة، فيها مُونتاج سَرَيع بِما يُمَكّنك أَنْ تَقَول عَنْها إنّها نَوْعٌ مِنَ القَطْع المُتّصل أَوْ الاتصالِ المُتقطِّع.

كَمَا تَجِد مَعَانيه غَيْر مُكْتملةٍ أَحْياناً، مَثَلاً مُبْتدأ بدونِ خَبَر، أوْ مَعْطوفٍ بدونِ مَعْطوفٍ عَليْه. فهُو يُقدِّم مُنَاوراتٍ ومُغَامراتٍ لا تَكلّ، يُريدُ مِنْها تَغْيير بُنْيان اللّغة العَربيّة، فهُو يَكْره الثَرْثرة في اللَغةِ والنَحْو، مِثْلما وَرَد في قَصيَدة “حَامي اللّسَان”، حَيْث يُورِد تَساؤُلات مُتكرّرة تُثْري الرُّؤْية الشِّعْرية، وتَرْتبط بالقَضَايا الوُجوديّة، ولَديْه دَلاَلات مُتَعدّدة ومُتَداخلة في الوَقْت نَفْسه، وقَدْ يَقُوم بالتَّقْطيع المُتّصل للإِيحَاء بشعْريّته الخَاصّة المُرْتبطة بِتَجْربته.

كَمَا يَعْتمد الشَّاعر عَلى المَجَاز اللّغويّ والمَجَاز المَشْهديّ، حَيْث تَتعدّد الدَّلالة لِمُواجَهة السُّكونَ التَّاريخيّ للقَصيدَة، وهَذه الثُّنائيّة الضِّدية مُرْتبطة بالْحَدَاثة، وأَدّت إلى الدّمْج بَيْن الخَيْر والشَّر في عَلاقةٍ تَفَاعليّةٍ للوُصُولِ إلى مَعَانٍ جَديدَة. أمّا عَن ارْتباطَه بالحَدَاثة فَيَرْتبط بالحِسّ الشَّعْبيّ مثْل قَصيدَة “قَناةُ العَاشِق” التي يَبْدؤُها بِعبَارة “كَان يا ما كَان”، ليَقُوم بإِظْهار العَلَاقة بَيْن التُّراثِ والحَدَاثة.

لَكنّ الشّاعرَ يُؤَكّد دَائِماً عَلى المَعْنى الحِسيّ كَشَاهد عَلَى الحَيَاة، مثْل قَصيدة “تَعيشُ الرّوميّة”. فَهي نَصٌّ حَدَاثيّ، نَصُّ غَازٍ في كلّ اتجاه، يَغْرف مِنَ التَّاريخِ والفَلْسفة، يَقْتحم الوَعْي ومَا تَحْت الوَعْي، يَرْفض الأَفْكار المُسبَقة ويَبْدأ مِنْ جَديد، نَصٌّ يُمثِّل نَقْلة مُخْتلفة في الفِكْر الجَماليّ والشِّعْريّ.

ثمّ تَقدّم الشَّاعر فتْحي عبْد الله بِبَحْث في هويّة الدِّيوان، فَقَال: “ظَلّ الشُّعَراء مُرْتبطين بِدَرجة أَوْ أُخْرى إِلى مَا يُمْكن أَنْ نُسمِّيه “عَسْكرة الخَيَال”، حَيْث خَضَع الشُّعَراء لسُلْطة الدَّوْلة في كَثيرٍ منَ الأَحْيان، ولَمْ يَنْجُ مِنْها غَيْر الشّاعر حلْمي سالم، والشَّاعر محمّد عيد ابْراهيم، (حلْمي) بخَيَاله الشَّعْبيّ و(عيد) بخَيَاله الأَرُسْتقراطيّ، ويُعَدّ (عيد) أَحَد شُعَراء المَوْجة الثّالثَة مِنَ حَدَاثة النصّ، وقَدْ انْحازَ مُبكِّراً لِنَمَط قَصيدَة النَّثْر في أشَدّ اقْتراحَاتِها صُعوبَةً.

وقَدْ ظَهَر تَقَاطعه مَع الوَاقِع المُعَاش في مُعْظم النُّصُوص لَكنْ بطَريِقة مُتَعاليةٍ أَحْيانا،ً وفَاحَشةٍ أَحْياناً حين تَرْتبط بالجِنْس مثْل قَصيدة “فَاتن المَجْنونة” التي تَقُوم عَلى الوَقَائعيّة والتَّفَاصيل اليَوْميّة. واعْتمَد الشَّاعِر هَذا البِنَاء المُحْكم في مُعْظم القَصَائد عَلى أَكْثر مِنْ تَقنيّة، كالتِّعْداد أوْ الحَصْر، فالبِنَاء يَقُوم عَلى التَّداعي الحُرّ، إلاّ أَنّ رِغْبة الشَّاعر في السَّيْطرة عَلى جُمْلته بحَيْث لا تَكُون مُتَّصلة الدَّلالة أوْ اللَّفْظة مَع مَا قَبْلها أَوْ بَعْدها جَعَل هَذا الحَصْر أَوْ التَّعْداد كَأنّه جَاءَ مُنْفصلاً، فالجُمَل بِدُون ضَوَابط أَحْياناً، في تَداعٍ غَيْر مُتَوقَّع مثْل “دَوْرة المِرْوحة”.

أمّا التّقنيّة الثّانيّة فهي سَيْطرة الجُمْلة الإسْميّة فيما يُشْبه الإِطْلاق والتَّجْريب وأَبْعد مَا تَكُون عَن الحَدَث، يَسْتعملها بِشَكْلٍ مُفْرط في الدِّيوان، وتَأْتي الجُمَل مُتَتاليةً لا يَرْبطها غيْر رَغْبة الشَّاعر في خَلْق مَنَاخٍ لُغَويٍّ مُعيَّن لِتَوْليف دَلَالة هَذا الطَّقْس، كَمَا في “فَانْتازيا أُمّ البَنَات”. وقَدْ أَحْدث هَذا نَوْعاً مِنَ التَّراكُم شَوّش عَلى تَطوُّر الدَّلالةِ في بَعْض القَصَائد. شِعْريّة (عيد) برُغْم تَتَابعها، وتَمَايزها، وتَرَاكمها، تُمثّل هَامشَاً في التَّجْربة المَصْريّة، لَيْسَت مُتّصلة بالتَجَارب السَّابقّة، ولَمْ تَخْلق امْتدَاداً في المَوْجات التَّالية.

وكَانَ مِسْك الخِتَام النَّاقد د. شاكر عبد الحميد الذي تَحدَّث عَنْ المَضْمون النَّفْسيّ في قَصَائد هَذا الدِّيوان، حَيْث يَسْتخدم الشَّاعر اللُّغَة بِطَرائِق تَخْرج مِنَ المَأْلوف إلى غَيْر المَأْلوف، يَكْسر التّوقّعات، فالمَعْنى مُؤجّلٌ والإِشْباع مُرْجَأ. تَجَارب في اللُّغة، والأَصْوات، واللّسَانيّات، ومُحَاوَلات مُسْتميتة لاِسْكتنَاه أَعْماق اللُّغة واسْتِبارها وجَعْلها تَنْطق بِما لا تَنْطق بِه إلاّ للعَارِفين والخَارجينَ عَنْ كلّ ما هُو مَطْروق أَوْ يَسير، كَأنّه يَتأمّل ذَاتَه منْ خِلالِ كَلمَاته، أَقْرب إِلى مَا يُسمَّى مَا قَبْل اللُّغة: مَنْطقة الهَمْهَمات، والجَمْجَمات، والتَّراتيل.

يَتَلاعبُ (عيد) بالأَصْوات، بالصَّوامِت، والصَّوائِت، بالحَرَكة مَع الآَخَر، بالعَلاقَات المُلْتبسة، بالحُبّ والجِنْس، حَالَات منَ الصَّمْت، وتَغْريبٍ للمَعْنى البريخْتي. وتَرْتبط رَمْزية اللِّسانِ لَديْه برَمْزية الفَم الذي يَرْتبط بالكَلَام، والكِتَابة، والنُّطْق. اللِّسان يَعُود إلى عَالَم الطُّفولة، فهُنَاك قَصَائد أَسْنانيّة، وقَصَائد شِفَاهيّة. قَصَائد تُرَكّز عَلى تِيمة الشِّفاه في عَمَليّة الاِمْتصاص، والرِّقة، واللطَافَة، مثْل شَخْصية وِداد، وفَاتن، ونَشيد رَعويّ، وقَصَائد فيها عُنْف مَع الذَّات بالمَعْنى الإِبْداعيّ، فالشَّاعر يُعَاني مَع الصُّوَر والكتَابَة، للوُصُول إلى إِبْداع عَاَلم مَليءٍ بالتَّفَاصيل والمُفْردات كَأنّها مَوْجودة في نَهْر الأَحْلام، نَهْر أَحْلام المُفْردات. لَكنّ الذّات الإِبْداعيّة تَخْرج مِنَ هَذه الحُدُود والقُيُود بالسِّبَاحة في نَهْر المُفْردات، والتَّحْليق في عَالَم الصُّوَر، وفَتْح بَوّابات الذَّاكِرة، والقِراءَات واسْتحْضار شُخوص ٍمثْل لوركا ونيتْشه وشولوخوف الخ، في كَثَافةٍ ثَقَافيّةٍ بِما لا يُمْكن إِنْكاره في هَذا الدِّيوانْ.

وفي قَصيدَة “حَامي اللّسَان”، نَجِد عَلَاقة اللّسانِ باللُّغَة، والحَرَكة، والمَرْأة، والرَّجل، والجَمَال، والجَسَد، والمَوْت، ولأَنّ اللُّغة بِطَبيعَتها أُنْثويّة، بَيْنما الكَلَام ذَكَريّ، تَبْقى المَرْأة عَلى حَالِها، ويَغيبُ الرَّجل، المَرْأة هي الحَيَاة، والرَّجُل هُو المَوْت، والمَرْأة هي الشَّفَتان، والرّجُل هُو اللّسَان وبَيْنهما تُوجَد الأَسْنان، وهُنَاك صِراعٌ بَيْن الشَّفتيْن واللِّسَان عَبْر الأَسْنان، ومِنْ خِلالِ هَذه المَنْطقة يَأْتي العَالَم الحسّي كَمَا يَتَذوّقه الشَّاعر وَيُدْركه، فهُنَاك مَفْهوم صُورَةٍ وكَلَمةٍ ومِفْتاحٍ يَدُور حَوْله العَالَم.

وقَدْ يَلْجأُ الشَّاعر إلى المُبَالغة في التَّجْريد، وإلى عِقَاب اللُّغَة وإلى قَتْلها في مُحَاولاتِه للّعبِ بِها. قَدْ يَظُنّها قَريبَة بَيْنما تَكُون مُوغِلة في البُعْد، تُصْبح مَوْجودة في ذَاتِها وهِي نَوْعٌ منَ الاِنْعكاسيّة التي تَرْتدّ عَلى لُغَته وكَأَنّ العَالَم غَيْر مَوْجود -لَعبٌ باللُّغَة، لَعبٌ بالذَّات- قَدْ يَقْتل اللُّغة وقَدْ يُصْبحان كَيَاناً مُتّصلاً، فيَخْرج مِنَ الكِتَابة إلى عَالَم آَخَر مثْل القَصَائد المُرْتبطة بالمَرْأة والجنْسِ، وما شَابَه.

 

ومِنْ أَجْواء الدِّيوان، نَقْتطف هَذا المَقْطع مِنْ قصيدة “نِهايَة الكُرْديّة”:

عدالةٌ رخوةٌ تُحتَضَرُ،وصوتُ سُعالٍ وولاّعةٌ تشتعل.

قلمٌ صغيرٌ في الزحامِ، يحُكّ باطن فخذَيها.

حلوى بديد انٍ من السماءِ،ومحبّةُ الوطنِ فروضٌ:

“أنا وأنتَ، وجَدنا البقاءَ”.

غيرُ مُجدٍ أن تنامَ، وطَقّتنا فورةٌ من كلام “انقلُوها”.

في المستشفى، رخامٌ بارد وقطعةُ زبدٍ وتفاحةٌ فوقَ صينيةٍ.

صداعٌ كأنّهُ حبلُ إعدامٍ، وخالاتٌ حولَها كالمَجَرّةِ. بعدَ أيامٍ،

تصعدُ السّاعةُ النحسُ. يرتدُّ هيكلُها للوراءِ، بعكسِ الأملِ.

 

حنطة ١٨ نت40

حنطة ١٨ نت41

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف