خميرة

مقالٌ صحفيّ

مقالٌ صحفيّ

عبّود سعيد

خاص حنطة

حِين تَكُون الكتَابة وَاجبٌ كَتحيّة العَلَم في المَدْرسة، حِين تَكْتبُ وأَنْت تَتخيّل قارئاً واحداً فَقَط أَلا وهُو رَئيسُ التَّحْرير، خاصّةً إذا كُنْت مُتأخّراً في اليَوْم الخَامس والعِشْرين منَ الشَّهْر مَثلاً.

–   (صار 25 الشهر وما بعتت المقال)…

هُنا يَخْطر في بَالِك مَلْيون رِواية، مَلْيون عُنْوان، آَلافُ الأَفْكار، لا أَسْتطيع كِتَابة مَقَالٍ عَنْ أَية وَاحِدةٍ مِنْها، أَفْكارٌ عِبَارة عَنْ أَوْراق مُجَعْلكة مَلْقية في سَلّة المُهْملات الذي هُو رَأْسي.

أَنْظر إلى أَصَابعي التي تَرْتجف فَوْق الكيبورد، وأُفكّر: عَليّ أَنْ أَكْتب لأَحْصل عَلى بَعْض المَال، كُنْت أُفكِّر أَنّ المَال لا يَأْتي إلاّ إذا كَانَت يَدَاك تَصْلحان لِسيفةٍ للجَلي عِنْدما تَعْمل في الحَديدِ مَثَلاً.

سَأْكتب عنِ الشِّغْل، والشِّغْل يَعْني المَال، عِنْدما أَسْمع كَلمَة “شِغْل” أَتَذكّر الحَدّادَ، الدَّهَّان، القَصَّاب، الخَيَّاط، البَلّاط، مُصلِّح التِّلْفزيونات. مِنَ المُمْكن أَنْ تَحْصل عَلى النُّقود حِين تَرْتدي صَدْريةً مُلطَّخةً بالدِّمَاء، وتَحْمل سِكِّيناً حَادّاً طِوَالَ الوَقْت، أَوْ إذا كُنْت نَجّاراً، وغبَّارَ الخَشَب يَصِلُ إلى أُذُنك الوُسْطى، أوْ مُصلِّح تِلْفزيونات، مُضْطراً لأَنْ تَعيشَ مَع خَمْسين تلفزيوناً مُحطَّماً عَلى رُفوف المَحلّ أوْ الوَرْشة، هَكذا كُنْت أَرَى كَيْف يَجْني الإِنْسان المَالَ. مَا كَان لِيَخْطر في بَالي، أنّ شَخْصاً ما يُمْكنه الحُصُول عَلى المَال إذا كَانَ يَعْمل “مُنسِّقاً” مَثلاً، أوْ يَعْمل في “الديزاين” أوْ كاتِب، أوْ ربّما نَاشط، وهَل النَّشَاط “شِغْل”؟

يَقْفز ضَميري صَارِخاً:

–         شو شغل ما شغل يا زلمة، ضل حدا يكتب عن هي المواضيع، وشو يعني ما بتعرف الديزاين، وين عايش إنت يا زلمة، يعني معقول ما عاد تفهم أنّو المصاري ما عاد تطلع إلاّ يكون الواحد قصّاب أو حدّاد، يعني كل هالتكنولوجيا والتّطور ولسّا يعني مخك موجود عند القصّاب والدّهان، وين بدّك ترجعْنا عالقرون الوسطى، اكتبلك شي مقال حضاري يا زلمة يناسب المرحلة.

أُفكِّر كَيْف يَعيشُ النَّاسُ داخِلَ سُورية الآَن، عِنْدما تَأْتي الكَهْرباء -الغَائبة دَوْماً- في بَيْته لِمُدّة سَاعتيْن، أَعْتقد أَنّه يُفَضّل أَنْ يُشَاهد حَلَقة مِنَ الزِّير سَالم، أَوْ مُبَاراة اليَوْم في المُونديال عَلى أَنْ يَقْرأ مَقَالي هذا، إذا كَانَ يُسمَّى مَقَالاً فِعْلاً، أُريدُ أَنْ أَكْتب عَنْهم، أُريدُ.. يُقَاطعني ضَمِيري فَجْأةً:

–  معليش إنت تركلي النّاس يلّي بالدّاخل، ريّحلي حالك من هالقصّة، إنت خلّيك قاعد بمقالتك وبس، بعدلي عن هدول الجماعة، هدول الجماعة مو محتاجينك ويعرفون شو بدهم يساوون وشو يقرأون وعلى شو يتفرجون، يلّي فيهم مكفيهم، إنت انسالي ياهون وفكّرلي بمقالك، الزلمة ناطر صار 25 الشهر، العمى تروح وتجي عالدّاخل يا زلمة، العمى استحي على حالك، فكرلي بغير شغلة…

سَأَكْتب شَذَرات عَن الزّعْبرة الثَّوْرية:

حِين زِعْبَرت إِحْدى الشَّخْصيّات المُعَارضة في إِحْدى القَنَوات الإِخْباريّة، غَيّرت أُمّي المَحطّةَ، وجَلَست تُشَاهد أوبرا وينفري.

الفّنّانة التي قَدّمت مَسْرحيّة عَن أَطْفال سُورية, زَعْبرت كَثيِراً عَلى الخَشَبة، ووَضَعَت المَنَاكير الأَحْمر على أَظَافر قَدَميْها رَمْزاً للدِّماء.

كَتَب أَحَد النُّشَطاء عَلى صَفْحته في الفيسبوك: أنَا أُزَعبر، إذاً أَنا مَوْجود. ونَالَ آَلاف اللايكات مِنَ المُزَعْبرين أَصْدقائه، وأَصْدقاءَ أَصْدقائه.

– بدك تكتبلي عن الزعبرة وإنت صرلك ساعتين تزعبر ولسا ما عرفت تكتب مقال، على أساس يعني حضرتك مو مزعبر؟ ما يمشي الحال، روحلك على غير موضوع، قال زعبرة قال.. قاعد يزعبر ولسّا يقلّي زعبرة..

عَن رَمَضان، وعَن المَشَاريع الخَيْريّة والإِغَاثية لأَهْلنا في المُخيّمات…

عَن المُغْترب السُّوريّ وعَلاقَتِه بِكَلام ابْن خَلْدون في أَنّ المَغْلوب مُولَع أَبَداً بالاِقْتداء بالغَالِب في شِعَاره، وزيِّه، ونِحْلَته، وسَائر أَحْواله، وعَوَائده..

هَوَس الجِيلِ الجَديد بالهَواتِف الذّكيّة والدّرْدَشة عَبْر الواتْس أب، أوْ مَا شَابه…

الكِلابُ يُربِّيها في أوروبا أَصْحاب الأَزَمات النَّفْسيّة وغَيْرهم، بَيْنما في مُجْتمعنا يَأْتي الكَلْب مَع المَزْرعة، والسَّيارة، وحِساب البَنْك…

سَرِقة الأَغَاني الثَّوْرية مِنْ شَوارِع الثُّوار إلى اسْتدْيوهات مِصْر، وبَيْروت، وغَيْرها مِنَ البُلْدان..

الإِسْلام الجَديد، وتَنّورة أُمّي القَصِيرة..

–    يَعْني ما فيك تحلّ عن الثّورة؟ مسّوي حالك كاتب وبدّك تكتب مقالات، يعني وماسكلي الثّورة والمخيّمات وأهلنا في المخيّمات، هلّق يلّي بالمخيّمات صاروا أهلك؟ ولك والله عيب عليك، إنت كاتب، تخيّل ما في ثورة يعني ما بتكتب؟ يعني بس بدّي أفهم إنت بدون الثّورة شو بدو يصير فيك؟

ماشي على كل ابعت المقال وسوّي يلّي بدّك يا، بس يكون بعلمك إنو بس تخلص الثّورة إنت أوّل السّاقطين.

حنطة ١٨ نت43

 

برومو الشهيد ناجي الجرف