ملف

الثورة الثورية في ظل متناقضات الإعلام العالمي وضياع الحقيقة

الثورة الثورية في ظل متناقضات الإعلام العالمي وضياع الحقيقة

مصطفى عبدي

تراجع الاهتمام العالمي بالملف السوري، والذي كانت أحداثه تتصدر نشرات الأخبار، وكانت صور ثورته تتوسط رئيسية كبريات الصحف والمجلات العالمية. ولعل تركيز الغرب على قضية التخلص من السلاح الكيماوي السوري، والتحرك الروسي الداعم للنظام السوري باستماتة، إضافةً إلى دخول المتطرفين الإسلاميين على الخط غيّر من الخطاب الغربي عموماً، ولخِّص القضية السورية ب(الملف الكيماوي)، وبمحاربة (القاعدة، التطرف)، بحيث استغل النظام كِلا الشقين في محاولاتٍ لاقناع العالم بأنه الوحيد القادر على التخلص منهما.

تراجُع الاهتمام بالموضوع السوري جاء لأن النزاع السوري تحوّل إلى نزاعٍ دولي متعدد الأقطاب، خاصة بعد عدم قدرة الغرب على مجاراة اللاعب الروسي المتعنّت على الساحة السورية.

مع هبوب رياح الربيع العربي ظهر مصطلح “البروباغندا الإعلامية” بشكلٍ كبير، ليتفاعل أكثر مع انطلاقة الثورة السورية التي فرضت وسيلةًإعلامية جديدة وهي “إعلام كاميرا الموبايل” بمقاطع في “اليوتوب”، لتصبح لقطات فيديو يصورها (هواة) عبر موبايلاتهم هي مصادر عرض وأخبار كُبريات القنوات التلفزيونية ومختلف الوسائل الإعلامية، وهو الأمر الذي لعب دوره في أن سوريا اليوم باتت من أكثر دول العالم زخماً بالنشطاء الاعلاميين، ليظهر مصطلح (إعلاميو الثورة)

في سوريا احتجاجات، أزمة، أم ثورة:

لعبت سياسة نشر المعلومات (بهدف الإقناع العاطفي) دوراً في أن تسيطر على مشاعر وسلوك وآراء وأفعال المشاهدين. بأهدافها الفكرية والسياسية أو التجارية. ووظفت بشكل متمرس في الأجندات السياسية الوطنية والعالمية. لدرجة أن النظام قام بالتعاقد مع أفراد على درجةٍ عاليةٍ من المهارة في ابتكار البروباغندا.

وعلى الرغم من أن (الثورة السورية) لاقت تعاطفاً واهتماماً كبيراً من أغلب شبكات الإعلام الدولية والعربية بمنطق الدعاية لأحد طرفي النزاع، ولكن بعض النخب في (العالم الأول) بدت وكأنها تغرّد خارج السرب بمواقفها الناقدة لهذا التعاطي الخارق لأبسط أخلاقيات العمل الصحفي.

مع بداية الحراك الشعبي في سوريا، والذي كان هدفه المطالبة بإصلاحاتٍ شاملةٍ في بنية الدولة ومؤسساتها، وقمعِ الحراك بشكلٍ عنيف من قبل النظام، لم تكن وسائل الإعلام بعيدة، حيثعالجت الأحداث بمنطق مواقف دولها من الذي يحدث على الأرض، ورغم أن مختلف الوسائل الإعلامية في العالم كانت متفقةً بأن ماحدث في تونس ومصر وليبيا كان (ثورة)، فإن سوريا لاقت مواقف مختلفة، على الرغم من أن حلقات تلك الثورات تعقّدت في سوريا، فصَوّر الإعلام ما يحدث بأنه حركةٌ احتجاجيةٌ أو أزمة.قليلةٌ هيالوسائل التي اعتبرتها (ثورة)، ولتتراجع حتى عن هذه التسمية لاحقاً مع تفاعلات الأحداث ودخول (التنظيمات المتطرفة)إلى خط القتال في سوريا كتنظيم (دولة الإسلام في العراق والشام).

مراكز القرار في العالم تعتمد على (التقارير الإعلامية) في بناء مواقفها:

كتب الإعلامي السوري المعروف (توفيق الحلاق) “سأجتمع قريباًمع مطارنة الأرمن الذين يعيشون هنا في أمريكا ويأخذون الأخبار عن القنوات الإخبارية الأمريكية دون مصدرٍ حرٍّ آخر. هكذا اقترح عليّ صديق أرمني لبناني له مكانةٌ مرموقة في الحكومة الأمريكية بعدما سمع مني قصتنا نحن السوريين مع الأرمن، لأقنعهم أن السوري لا يمكن أن يؤذي من منحهم بيته وحبه وثقته منذ وفدوا إلى سوريا”.

وهنا تكمن الحقيقة البعيدة في أن غالبية المواقف يتم اتخاذها بناءً على معطياتٍ وتقارير إعلامية تلعب دوراً مهما في صياغتها، وهنا يأتي دور المال، وما لعبه (نظام الأسد)، ولعل تفنيد حوادث الاعتداء على دور العبادة كما روّجت له الوسائل الإعلامية التابعة للنظام كان له صدى سلبيّ على الثورة، إضافةً إلى الهياج الإعلامي العالمي في مسألة (زواج النكاح)،أو تصوير مقاتلي الحر وهم يأكلون أو يذبحون (الضحية)،تلك جميعها كانت خطوطاً أدت إلى (تشويه الثورة)، وليصبح خطاب الإعلام العالمي الذي بات ينظر إلى ثورة سوريا بأنها (حربٌ على السلطة) أو (حربٌ أهلية)، بمعنى كل شيء إلا كونها ثورة شعبية ضد نظام الطاغية بشار الأسد.

تقارير أممية ترفع “جرائم النظام” إلى مستوى انتهاكات “المعارضة السورية”:

هيومان رايتس ووتش وغيرها من المنظمات الدولية نشرت تقارير تتهم فيه من سمتهم بالمتمردين في سورية بانتهاكاتٍ خطيرة لحقوق الإنسان، وتُبين وجود عمليات خطفٍ وتعذيبٍ وإعدام وحصار للمدنيين، واتخاذهم دروعاً بشرية وتجنيد الأطفال. كل تلك الممارسات لا يمكننا مقارنتها مع (سقوط برميل واحد في حلب) علىالمدنيين، أو (إطلاق صاروخٍ كيماوي) على حي، ولكنها في المقابل ممارسات ترتبكها أطرافٌ محددة بعينها، تلك الأطراف هي التي شوهت (ثورة الربيع في سوريا). ولعل دخولها على الخط كانت بتدبير من النظام أيضاً، وبالتالي فإن ممارستها تأتي في سياق ممارسات النظام ليس أكثر، وهو ما لم يستطع الإعلام الغربي نقله.

الباحث والكاتب الفرنسي فريدريك بيشونيقول بأن “الطبقة السياسية والإعلامية الفرنسية مصممة على عدم رؤية الحقيقة عند تعاملها مع الأحداث في سورية”، منتقداً وسائل الإعلام الفرنسية التي بقيت سجينة العقلية التي نشأت في أعقاب الأحداث في الوطن العربي.

وأوضح بيشون الحاصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ المعاصر في مقالٍ نُشر على موقع كوزور الفرنسي “نحن لا نطلب من جميع الصحفيين أن يتبعوا دورات في الإستراتيجية أو بالجيوسياسية، ولكن جهداً صغيراً بسيطاً يكفي للتراجع عن موقفهم”.

وهنا بيت القصيد في أن الكثيرين بدؤوا يتراجعون عن مواقفهم كما تفعل دولهم اتجاه الثورة السورية التي تم تشويهها.

الغرب همه (النفط والغاز، والتكنولوجيا) أم (حرية شعب)؟

ما بات مؤكداً بأن الإعلام الغربي لا يهدف إلى خدمة الحقيقة، وإنمايعمل خدمةً لمصالحه في اعتبار ما يحدث في سوريا (أزمة، أم حرب أهلية) بتجاوز معاناة الناس، ونقل رغباتهم والمأساة التي يعيشونها، وذلك بتصوير ما يجري على أنه نزاعٌ بين الدولة ومجموعاتٍ مسلحة، بتغييب الطرف الثالث وهو (الجيش الحر)، الذي تشكل في الأساس لحماية المتظاهرين السلميين الذين كانوا أهدافاً سهلة لقناصي وشبيحة النظام، حينما كان جنوده يطلقون النار عليهم أو يحاصرونهم في المساجد ويعتقلونهم.

الدكتور خطار أبو دياب يؤكد بأن “الغرب منقسمٌ، فأوروبا في حاجة إلى الطاقة القادمة من روسيا، فمصالح أوروبا مباشرة مع روسيا حتى خلال الأزمة في أوكرانيا. لكن المصالح الدولية في سوريا غير مباشرة، نتيجة النفوذ الدولي واللعبة الإقليمية”.

ويضيف المحلل السياسي بالقول: “الواقعية السياسية تعتمد على موازين القوى والمصالح، وفي الموضوع السوري فإن عدم قدرة الغرب على تحويل الأمور ساهم في اللامبالاة بشأنه. لكني أظن أن المواضيع مرتبطة مع بعضها. فعودة روسيا القوية للساحة العالمية تمت من خلال الساحة السورية”.

مجندون غربيون للنظام يصورنه “كضحية للاهارب”:

النظام السوري لعب بشكل متقن على فنون الإعلام، وإن كان قد فشل محلياً أو عربياً، ولكنه ركّز قواه على الغرب، واختار له مجندينإعلاميين يعملون في مراكز حساسة ومع وسائل إعلامية مهمة كأمثال الباحث البلجيكي كريس جانسن،الذي ينقد بشدة عمل المحطات التي تنقل مجريات(الثورة السورية)، ويصّور بأن محطات الإعلام الغربي تضع الحدث الثوري ضمن (خانة)الربيع العربي، رافضاً هذا المصطلح: “هل يوجد شيء في الواقع اسمه الربيع العربي؟”،ومضيفاً بأن المؤشرات على المناورة والتلاعب الخارجي بشأن الأحداث في سورية يمكن لمسها بوضوح من خلال متابعة شبكات الإعلام الدولية كالجزيرة والعربية، وبي بي سي، وسي إن إن، وفرانس 24 وغيرها. حيث إن التأثير السياسي وتمويل تلك الشبكات بشكلٍ مباشر أو غير مباشر لا يُعدّ سراً كبيراً. جانسن يؤكد أن هذه المناورات الإعلامية مثالٌ واحد حول السعي لرسم الحكومة السورية على أنها نظامق عنيفق ووحشي يقترف مجازر بحق مواطنيه، وتقديم صورةٍ مزعجةٍ للغاية، ووجهة نظرٍ من طرف واحد حول الأحداث التي تجري،وعلى أنها جزءٌ من أساليب الخداع والحرب النفسية.

بروفة حنطة      54

بروفة حنطة      55

برومو الشهيد ناجي الجرف