ملف

وسائل الإعلام،اللغة، وتأطير الثورةالسورية

وسائل الإعلام،اللغة، وتأطير الثورةالسورية

بقلم: خالد زرزور                                               

عن موقع : chicagomonitor

ترجمة: غياث عبد العزيز

نسمع هذه الأيام في جميع وسائل الإعلام أو نقرأ أخباراً عن الشأن السوري. وعندما نقرأ كلماتٍ مثل: الثورة، الشهداء، القصف، الانتفاضة، الصراع أو الأزمة، فإن أول ما يتبادر إلى أذهاننا هو الموضوع السوري. ويتابع السوريون تلك الأخبار التي تحاول وسائل الإعلام في كل بلدٍ عرضها بالشكل الذي يتوافق مع مصالح بلادها ومواقفها السياسية.

ومنذ الأيام الأولى للثورة في آذار عام2011، لم يسمح النظام السوري لوكالات الأنباء بالدخول إلى سوريا لتغطية الاحتجاجات السلمية، فالنظام لا يريد للعالم ولا حتى للدول الداعمة له أن ترى انتفاضةً حقيقية للسوريين ومطالب مشروعة لهم، وبذلك يمكنه قمع واعتقال أو قتل المتظاهرين في صمت.

وعلى الرغم من ذلك، فقد لعبت شبكات التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في الثورة السورية، وسجل المحتجّون أشرطة فيديو خاصة بهم للاحتجاجات أو لتشييع الشهداء، وقاموا بتحميلها على الفور على شبكة الانترنت؛ كل ذلك أجبر النظام ومؤيديه على تشويه الحقيقة وتلفيق الأخبار لصالح النظام، وعلى رأسه بشار الأسد.

لم تُظهر القنوات السورية الرسمية أية احتجاجات تطالب بالحرية والعدالة وإسقاط النظام، بل بقيت تحاول إظهار وتيرة الحياة الطبيعية في سوريا، نافيةً الاضطرابات في العديد من المدن ومدعيةً أن الشعب بأكمله يحب الأسد ونظامه.

وبعد تشكيل الجيش السوري الحر، عملت وسائل الإعلام التي يسيطر عليها النظام ومؤيدوه، بمن فيهم إيران وروسيا وحزب الله وبعض البلدان الأخرى؛ عملت على تصوير الثوار كإرهابيين وجماعاتٍ أصولية”حسب قولها”،وهذه الجماعات هدفها قتل المدنيين وتحطيم وحدة الأراضي السورية، وتُموَّل من دول الخليج التي وصفتها بالدمى بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وحليفتها الأقرب (إسرائيل).

أما الجيش السوري، والذي تروج له تلك القنوات على أنه يدافع عن البلاد من هذه (العصابات المسلحة)، نجده على أرض الواقع يقصف منازل السوريين ويقتلهم بوحشية، وذنبهم فقط أنهم طالبوا بحريتهم.

وغالباً ما تصف القنوات الإخبارية الحدث نفسه بطرقٍ متباينةٍ تبعاً للبلد الذي تُبث منه أو حسب تمويلها، ويتم اختيار الكلمات المستخدمة في وسائل الإعلام بعنايةٍ فائقة من أجل التأثير على الجمهور بطريقةٍ معينة.

على سبيل المثال، عندما تتحدث وكالة سانا (وكالة يديرها النظام السوري) عن الجيش السوري الحر، فإنها تستخدم مصلحات مثل (جماعات إرهابية) أو (عصابات مسلحة)، في حين نجد قناة الجزيرة، القناة الرائدة الداعمة للثورة السورية تستخدم مصطلح (الثوار)، وبينما يمثل هذان المصدران الإخباريان طرفين مختلفين نجد اختلافاتٍ أكثر مكراً،فمثلاً: يتم استخدام مصطلح (الثوار السوريون) من قبل صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عند الحديث عن الجيش السوري الحر، في حين أن قناة حزب الله المنار تطلق عليه اسم (الجماعات المسلحة) وهي في الواقع تعتمد في معلوماتها على وكالة الأنباء السورية سانا.

ومن المعروف أن وسائل الإعلام ليست حرةً بشكلٍ مطلق، وكل منها يمتلك بروباغندا إعلامية خاصة بها، سواءً أكانت معلنةًأم سرية، حتى عند مطالبة شعبٍ بحقوقه وحريته. وتبدو قناة البي بي سي البريطانية حياديةً بطريقة أو بأخرى وبشكلٍ احترافي، عندما تطرح آراءً لمتحدثين مع النظام وآخرين مع الثورة.

إلا أنني أصبحت متيقناً من عدم حيادية قناة البي بي سي بعد أن شاهدت فيلماً وثائقياً أعده المراسل دان سنو عن تاريخ سوريا، وحاول من خلاله إضفاء الشرعية على نظام الأسد وتقديمه باعتباره السلطة الوحيدة القادرة على حماية الأقليات ومنع الإنقسام وتدمير البلاد.

حقيقة السماح لمراسل البي بي سي في بالتصوير في قرية الأسد “القرداحة” في الوضع الحالي تثير العديد من التساؤلات. منذ متى يُسمح للصحفيين بالتنقل بحرية في أنحاء سوريا؟؟ كيف كان سنو قادراً على لقاء بثينةشعبان (مستشارة بشار الأسد) والحديث معها بهذه السهولة؟، برأيي: تحاول هذه الشبكات ووسائل الإعلام صقل الطابع الإجرامي للنظام السوري وعائلة الأسد. وأعتقد أنهم يعتزمون القيام بذلك لأن البلدان التي يمثلونها فضلت التحالف مع نظام الأسد على التحالف مع أي نظام آخر بديل يمكن أن يشكل لها تهديداً محتملاً.

بعض القنوات الأخرى التي تدعم الثورة السورية لا تقدم أخبارها بنفس الطريقة، بل تقدم تقارير عن أحداثٍ معينة تجري في سوريا من أجل كسب تمويلٍ أكبر لجدول أعمالها، فقناة العربية التي تتم مشاهدتها على نطاقٍ واسع في الشرق الأوسط تقف ضد النظام ،لأن تمويلها من قِبل المملكة العربية السعودية، وهي بلدٌ على علاقةٍ سيئة مع حليف النظام السوري الأبرز (إيران).

أما وسائل الإعلام الغربية والأمريكية، فتتعامل عموماً مع الثورة السورية بطريقةٍ مشابهة، حيث تقوم بإبراز البيانات الواضحة ضد نظام الأسد، والتي تدين وحشيته وتظهر جزءاً من معاناة السوريين في الداخل والخارج، ومع ذلك تقوم هذه الوسائل الإعلامية بترويج فكرة أن معظم مقاتلي الجيش السوري الحر هم من الإسلاميين أو الجهاديين، وأن المجتمع الدولي يجب أن يكون حذراً منهم.

شخصياً أعتقد أن وسائل الإعلام الأمريكية تركز على الجماعات الإسلامية التي تزعم أنها تنتسب لتنظيم القاعدة بشكلٍ لا يتناسب مع ثورةٍ يغلب عليها طابع الحرية والكرامة؛ وذلك لا يبرر لحكومة الولايات المتحدة ترددها في تسليح الجيش السوري الحر ومساعدة السوريين، فمن العار أن يكون القلق من لحى المقاتلين أكبر من القلق من إبادة الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال في جميع أنحاء الأراضي السورية.

إن اللغة المستخدَمة من قبل وسائل الإعلام تلعب دوراً حيوياً في التأثير على النظرة العامة للثورة السورية. الكلمات البسيطة غالباً ما تحوّل الانتباه عن المخاوف المشروعة إلى الخوف من الثوار. عندما نقرأ عناوين الصحف والمقالات حول النزاع، يجب ألا ننسى أن وسائل الإعلام غالباً ماتكون منحازةً وتخدم أجنداتٍ سياسية في كثيرٍ من الأحيان؛ وأحياناً يكون تصوير وسائل الإعلام للخبر تقليلاً من أهميته بدلاً من لفت النظر إليه.

عندما تشير مصادر الأخبار إلى الصراع في سوريا على أنه (حرب أهلية سورية) أو ((صراع سوري)، فإنها تقلل بذلك من التضحيات البطولية للعديد من السوريين، وتتجاهل الدافع الأساسي للثورة، الثورة التي اندلعت ضد طاغية القرن، وزادت حبنا لسوريا كما لم يفعل أحدٌ من قبل.

ومهما حاولت بعض الدول إطفاء نور الثورة السورية، وترك السوريين يغرقون في دمائهم، فإن السوريين لن يتوقفوا عن السعي وراء حلمهم في العيش بسلام، وإعادة بناء بلدهم وتربية أطفالهم في جوٍّ من الحب.

 

بروفة حنطة      55

بروفة حنطة      56

برومو الشهيد ناجي الجرف