ملف

للكذب كاميرة تلفزيون… للحقيقة -جوّال-

للكذب كاميرة تلفزيون

للحقيقة -جوّال-

 

وائل زكي زيدان

لا يمكن الحديث عن الإعلام الغربيّ بوصفه كياناً مستقلاً غير فاعلٍ في رسم السياسة الدولية، أو تعبيراً من تعبيراتها في الوقت ذاته. وهو الذي دأب على تنميط شخصية الإنسان العربي طيلة القرن الماضي وإظهاره كشخصٍ ملتحٍ ومتطرف ومضطهِدٍ لحقوق المرأة. لا بل إنّه غرس في أذهان الأجيال الأوروبية ما مفادهبأن العرب بؤساء، وهم مصرّون على العيش في هذا البؤس، حتى ظهر العربي أمامهم فجأةً يسير في الشوارع بمنتهى التحضّر والجمال، مطالباً بإسقاط الاستبداد وهاتفاً للعدالة الاجتماعية، الأمر الذي قوّض قرناً كاملاً من الجهد للبرهنة على عدم قدرة العرب إلى الوصول نحو هذه النقطة بالتحديد. فكيف تعامل هذا الإعلام مع الثورة السورية على وجه الخصوص،والتي أخذت بعكس تونس ومصر واليمن طابعاً عنيفاً بعد ستة أشهرٍ من سِلميّتها؟

إن رصد الاعلام الغربي للحدث السوري يمكن تقسيمهُ لمرحلتين:

ـمرحلة المظاهرات والعمل السِلمي.

ومرحلة الحِراك المسلّح لاحقاً.

في المرحلة الأولى، حافَظ الإعلام الغربي على صفة المتفاجئ حيال المظاهرات السلميّة في سوريا، هذه الصفة وإن كانت حقيقيةً في المثال التونسي، فلا ينبغي لها أن تتكرر في المِثال السوري. من المُفترض والبديهي أن يكون قد تم استيعاب ما حدث في دول الربيع العربي السابقة.

حقيقة الأمر، نجحت وسائل الإعلام الغربية باستثمار صفة المتفاجئة لصالحها في الحالة السورية، لهذا تم تكريس وتسويق معنىً مقصود اكتنف جميع أخبارها. مفادُ هذا المعنى أن ما يحدث في سوريا غامِضٌ ولم تنجلِ حقيقته بعد، أي أنه حرص بتغطيتهِ تلك منذ البداية على عدم تقويض رواية النظام نهائياً بالزعم بوجود عصاباتٍ مسلّحَةٍ تخريبية، مما أضعف رواية السوريين التي تتحدث عن مظاهراتٍ سلميةٍ. وكان أهم عاملٍ مساعد في تكريس المعنى السْابق هو أن مزاعم وأكاذيب النظام كانت تُقدَّم بكاميرا تلفزيونيّة بدقةٍ عاليةٍ، بينما روايَة المعارضة كانت تُنقل بكاميرا الهاتف المحمول ذات الدقّةِ المنخفضة، التي لا تعتَرف بصدقها قوانين الصحافة الغربية من الأساس!.

هذا الازدراء والبُرود في التعاطي مع الحدث السوري كان له هدفٌ آخرٌ خطير لم ينتبه له أحدٌ، ولكي ينجلي أمامنا هذا الهدف سنستعيد المشهد بصورةٍ أكثر شمولية. فقد تركّب المشهد من عنصرين أو بطلين، الشعب السوري بمظاهراته السلمية من جهة، والنظام وآلة قمعه من جهةٍ أخرى. وكل ما حدث بينهما هو حوارٌ من نوع ما. يقول الناس كلمتهم طوال الأسبوع عبر مفردات العمل السلميّ، ثم يردُّ النظام عليها بالقمع وباستصدار مراسيم باهتة لا ترقى للمطالب، ثم فجأةً يدخل طرفٌ ثالثٌ إلى المشهدمتمثلاً بالمجتمع الدولي عبر مسؤوليه وآلته الإعلامية ليفرض ذاته كحكمٍ وقاضٍ في هذه المعادلة، وذلك ببث أخبارٍ وتصريحاتٍ باهتةٍ تميل مع الطرفين، حريصاً أشدّ الحرص على استخدام مفرداتٍ مثل: نعتقد(نظن) من المحتمل (ربما) أو عباراتٍ من طراز: (نعتقد أن ما قدمه النظام غير كافٍ)،ثم سيقال كل هذا بشكلٍ تقريريّ يستبطن الكثير من التعالي. ورويداً رويداً سينجح الإعلام الغربيّ في لعب دور القائد المُقرر في كل الحدث السوري، وينقلب المتظاهرون مِن قادةٍ للمشهد يلهث الجميع ورائهم، إلى جهةٍ تابعةٍ تستجدي الاعتراف بها، ثم النكوص واليأس لاحقاً من الذات الجمعِيّة وفاعليتها في إسقاط النظام إنتهاءً بطلب المساعدة الصريحة والمباشرة.

أثناء هذا لم يكن مسموحاً للثورة السورية أن تُطور إعلامها الخاص، لأنه ومع الانتقال الملتبس للعمل المسلّح، بدأ الإعلام الغربيبتسليم الحدث السوري إلى وسائل الإعلام العربية لتكتمل مراسم التسليم بظهور تنظيم القاعدة رسمِياً في سورية. وهكذا سيحتضر الخبر الثوريّ البرّاق في وسائل الإعلام العالمية بالتكرار ويصبح من الطبيعي أن يسمع المراسلونالأجانب من هيئَة التحرير في قنواتهم التي يعملون بها الجملة المعتادة: لماذا تكرار الحديث عن الشأن العراقيّ مرةً أخرى، أو الشأن السوريّ الغامض، هذا موضوعٌ لم يعد أحد يرغب بسماعه أو رؤيته. فلديهم الآن معارضةٌ أغلبها من المتطرفين تبحث عن السلطة وتتساوى مع النظام في الفساد والدموية لا أكثر ولا أقل.

للردِّ على طلبات التدخل والحماية على غرار ما حصل في ليبيا، كان يحلو لوسائل الإعلام الغربية تمرير فكرة عدم وجود مصالح أمريكيّة في سوريا، والعجيب أنه عندما دخلت وزيرة الخارجية كلينتون إلى المستشفى بسبب جلطة دماغية، كان أول ما طلبته بعد الاستيقاظ من البنج هو الملف السوري!.

بروفة حنطة      56

بروفة حنطة      57

برومو الشهيد ناجي الجرف