ملف

خط سير الإعلام الغربي مع الثورة

خط سير الإعلام الغربي مع الثورة

أسعد حنا:                                                                 

الركن الأساسي الذي يعتمد عليه الإعلام هو الشفافيّة وهامش الحريّة الممنوح لصانعيه، فلا إعلام بوجود رقابة، كما لا إعلام تحت سلطة سياسيّة، وبلهجة الشارع وبحسب ما هو متعارف عليه بين الإعلاميين، يكون مستوى نجاح الصحفي بحسب اسم من يعمل معهم وليس بحسب أعماله، فما أكثر من كاتبٍ مبدع تحجّمت أعماله بسبب جريدةٍ كانت حدود كتاباتها تحت سقف وطنٍ ما، فرفضت كل مقالٍ تحدث بشفافيةٍ ونقدٍكان القصد وارءه البناء.

للأسف أن مؤسسات الإعلام العربي تندرج ضمن صنفين، فهي إما مؤسسات إعلامية مُؤدلجة الفكر تتبنى منهجاً واضحاً، وتضخ الإعلام في أي قضيةٍ لخدمة هذه الآيديولوجيّة، أو أنها مؤسسات لا تختلف أبداً عن مؤسسات الأغذية الاستهلاكية، لأنها ترزح تحت رقابةٍسياسيّة أمنيّة تعمل على كبت الحريّات وخدمة التيار السياسي الحاكم.

كان الشباب العربي على درايةٍ بحال إعلامه، ففي سنين الربيع العربي التي مرّت على أغلب البلدان العربية، لم يعوّل الشباب الثائر على إعلامه، بل عمد إلى فتح قنواتٍ إعلاميّة جديدة ليكون لديه مجالٌ واسعٌ من حريّات الإعلام، دون أي توجيه سياسي أو فكري، لكن لا تأثير لإعلامٍ لا يتبنى قضية، وكل قضيةٍ لها هدف، وبحسب قوانين التسويق فإن الإعلان الصحيح يجب أن يقومبتحديد الفئة المستهدفة من المادة الإعلانية قبل البدء بإنشائها، فبعضٌ من الشباب الثائر توجهَ للسياسين والشعب من أبناء بلده، وبعضٌ منهم توجه للبلدان العربية، وآخرون توجهوا للغرب يستجدونه لمساندة ودعم حراكهم الشعبي، وكان مثالاً على كل ذلك الثورة السوريّة التي تخللتها تياراتٌ من كافة الأنواع، فكان فيها العلماني والليبرالي والإسلامي والملحد و..إلخ.

لكن للأسف الكل أجمع على أن الإعلام فيها مشتتٌ غير مقونن، يعمل دون خطٍ واضح في الشكل العام، وإنما يأخذ شكل ردات فعل آنيّة عما يحدث على الأرض، وهذا ما جعل من القضيّة السورية تخسر التضامن الدولي الذي كان متحمساً لها في البداية إلا أنها لم تربحه، وقد أرجع بعض الإعلاميين ذلك إلى عدم استخدام الخطاب الإعلامي الصحيح كما صرّحت السيّدة مي أتاسي المهتمّة بشؤون إعلام الثورة والمقيمة في أميركا، في حديث خاص معها أثناء سؤالنا عن حال الإعلام الثوري، فقد قالت:”نحن من لعب دور الغبي في المجال الإعلامي، فكان من الخطأ استخدام الأسماء الدينيّة في الثورة مما أعطى فرصةً ذهبيّةً للنظام باستخدام إعلامه لتكريس فكرة أنها ثورة اسلاميّةٌ متطرّفة وربح، هذا الجانب بسبب غبائنا كإعلام معارضة مشتت، وليس بسبب ذكائه”، وتضيف:”نحن لسنا ضد الإسلاميين، لكننا ضد أن نكون لقمةً سائغةً لأيٍّ كان”.

حيث استطاع النظام اكتشاف مربط الفرس لدى الإعلام الغربي الذي يكمن في التخوف السطحي من الجماعات الجهاديّة المتطرفة، فبات يعلن وجودهم في أية منطقةٍ يريد اقتحامها، مما يعطيه المبرر لذلك، ويعلن عن جنسياتٍأجنبية كل يوم تدخل سوريا وتقتل فيها، فاستطاع بذلك ترسيخ فكرة الأجانب، (الموجودون فعلاً على الأراضي السورية لكن ليس بالضخامة التي روّج لها النظام)، فربح بطاقةً خضراء من الغرب لمحاربة الإرهاب، مما جعل إعلامهم يغضّ الطرف عن المجازر التي يرتكبها النظام، وخاصة في ظل استحالة وجود مراسلين لهم على الأرض، فباتوا يعتمدون على ما يستقونه من مختلف المصادر، ومنها إعلام النظام الذي اعتمد نصيحة (جوزيف غوبلز) وزير إعلام المانيا في العصر النازي التي تقول:”اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس”.

في الآونة الأخيرة تغيّر توجه الإعلام الغربي، من تغطية الحراك الثوري،إلى تغطية تحركات الجماعات الاسلامية المتطرفة التي اكتمل ظهورها بعد سنةٍ ونصف من الحراك، وكانت نقطة تحولٍ مهمة بالنسبة لهم لحظة إعلان جبهة النصرة مبايعتها لتنظيم القاعدة، الحركة المصنّفة كتطرف اسلامي ارهابي ومتهمة بمحاربة أميركا وتنفيذ هجمات ارهابية كان أبرزها المعروفة بهجمات الحادي عشر من أيلول، ومن ثم قيام وتعزيز قوّة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام،الذيأعلنأن نيته وهدفه هو إنشاء دولة الإسلام وإعلاء راية (لا إله إلا الله)، هنا وبعد هذه الحوادث شهد الإعلام الغربي تراجعاً عن تغطية الحراك الثوري، وتحوّل لرصد الحالات الإنسانية وبعض التطورات ذات الصدى الكبير، كحالات المخيمات، وسقوط مدينةٍ بيد الجيش الحر، أو استعادة النظام لمدينةٍ أخرى.

ومهما بلغ الإعلام من نزاهة وشفافيّة إلا أنه وبحسب ما أجمعت عليه الشعوب التي عانت مآسٍ، والتي تعرضت لحوادث عبر التاريخ، أنه لا يوجد إعلامٌ غير موجَّه، فكل إعلانٍ وكل خبرٍ لا يصبُّفي ساقية مصالحه لن يخرج من شاشته الصغيرة.

بروفة حنطة      57

 

برومو الشهيد ناجي الجرف