ملف

هي نظرة المستعمرِ ليس إلّا

هي نظرة المستعمرِ ليس إلّا

أحمد عيساوي

 

لم تغير السنوات الثلاث التي مرت في المشهد اليومي لمواقف المسؤولين في الغرب، بل يمكن القول إنّ التأثير بدأ يأخذ منحىً عكسياً سيّما في المجتمعات الشعبية التي أبدت تعاطفاً ملحوظاً مع الشعب السوري في سعيه إلى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
كثيراً ما يُصوَّرُ الصراع السوري على أنه صراعٌ بين الأغلبية السنية والأقلية العلوية في الإعلام العالمي، نتيجةًلعوامل عديدة أبرزها: (مكائد النظام الحاكم، والميراث الفكري للاستشراق في ذهن الغرب).
ينظر الغرب إلى الشرق على أنه مجموعةٌ من الطوائف ذات رغباتٍ بدائية تتعارض مع الحداثة، وتسعى دائماً إلى خلق منظومةٍ قيمية تستمدّ جوهرها من الأصل الديني/الاجتماعي. إن هذا يعتبر موضوعاً قديماً له أصولٌ استعمارية، وهو ابتداع فكرة أن السكان المحليين يهتمون بالثقافة والاختلافات في المقام الأول. وبالتالي، تُعتبر الصراعات الطائفية نبوءةً متوقعة.

السيناريو موجود بالفعل،وينعكس هذا المنظور ليس فقط في كيفية نقل الإعلام العالمي للصراع السوري، وإنما يظهر بصورةٍ أساسية في المناقشات التي تتعلق بالتدخل الدولي في سوريا،والذي ارتبط أساساً بفكرة الأغلبية والأقلية، وبالتالي، يصبح دور التدخل الدولي هو حماية هذه الأقلية لا إنهاء حكمٍ ديكتاتوري.
ثمّة فئة من العامة والمسؤولين تستخدم مصطلح (حرب أهلية) منذ اليوم الأول لعسكرة الثورة. وعلى ما يحمله المصطلح من نفعيةٍ وخبثٍ ودهاء لدى هؤلاء في توصيف الصراع وتحميله نمطيةً غائيةً تجلب المحاججة والتبرير، يفترض المصطلح (حرب أهلية) وجود إدعاءاتٍ أخلاقية وسياسية متساوية، ولكن هذا لا ينطبق على الحالة السورية.

تعتبر المقاومة في وضعٍ متفوق لأن فعل القتل كان دائماً سابقاً على فعل حمل السلاح، ولأن الحرب الأهلية تقتضي وجود عنفٍ متبادل بشكل متساوٍ بين طرفي القتال. لا شكّ أن اقتتالاً أهلياً حاصلاً على الأرض السورية، لكن مقاربة الأمور عبر اسقاطاتٍ عامة تجعل من المساواة في القتل والعنف مدخلاً للسلام ولفرض حلٍّ يضمن مصالح الدول المتصارعة.
يتحرّك القرار الغربي في مسارين: الأوّل هو الخط الذي يسعى الغرب إلى إظهاره وهو المكمن المبدئي لنظم الحداثة الفكرية والمؤسس لقيم الديمقراطية والحريات، ويتجلى ذلك في كم هائل من التصريحات الرسمية التي تنصّ على حق الشعب السوري في تقرير مصيره ونيل حريته وتخلصه من الإستبداد. ويتبدّى المظهر الإنساني في الدعم الذي توفّره منظمات المجتمع الدولي لمخيمات اللاجئين السوريين في لبنان وتركيا أو عبر الإمدادت الإنسانية التي وصل القليل منها إلى الداخل السوري.
أما المسار الثاني فهو الخط الناشئ عن المصلحية في تعامل الغرب مع الملف السوري، وهو الخط الذي فرض الامتناع عن أي تحرّك جدّي فاعل يفضي إلى معاقبة النظام، (أقله ديبلوماسياً عبر طرد ممثل الأسد في الأمم المتحدة، أو عبر إغلاق سفاراتٍ تضفي شرعيةً معينة على نظام الجريمة الممنهجة)، وهذا الامتناع كان مردّه إلى اختلاف الحالة السورية عن سابقاتها؛ لا سيما الليبية ـ دعم الغرب المجلس الانتقالي الليبي وسرعان ما أرسل قواته لمنع القذافي من السيطرة على مدينة بنغازي، وإلى تصاعد الحالة الجهادية في صفوف الثوار السوريين!.
بدا واضحاً أنّ هذا المسار البراغماتي الذي يتبعه الغربيسعى إلى استنزاف كل الأطراف المتقاتلة على الأرض السورية، وصولاً إلى حالة انهيارٍ تمكّن الغرب من فرض حلٍّ يرضي مصالحه وطموحاته على المدى البعيد.
إنّ التعامل الغربي مع الواقع السوري يعبّر عن فجوةٍ عميقة في الضمير الإنساني، وهذا الأمر لم يشكّل صدمةً لكثيرين.لم ننتظر من مجتمعٍ يغضّ النظر عن ممارساتٍ عنصرية واستيطانية لسنواتٍ طويلة في فلسطين أن يشكّل رافعةً أخلاقية تجاه حقوق الشعب السوري. إنّ الوعي الذي تنتهجه السياسة الغربية في تعاطيها المصلحي مع حيثيات الأزمة السورية هو وعيٌ للفرديّ المجرد، لا الإنساني العام الذي يتبلور في أحيانٍ كثيرة في صور متطرفة تتعامل مع الآخر كشيءٍ نافع.

في الحالة السورية كأن لا وجود لبشرٍ من لحمٍ ودم، أن تصبح البراميل والسكاكين والراجمات والصواريخ الفراغية لازمةً فعليةً لاستكمال المشهد المسرحي الذي يختمه الغرب بدعوةٍ للحل السياسي الذي يضمن بقاء القاتل الأصلي.
عاملٌ رئيسيلا يمكن إغفاله في كيفية مقاربة المسؤولين الغربيين للملف السوري، ألاوهو تأمين مصلحة إسرائيل في المنطقة، وحماية حدودها في الجولان، وهذا ما لم يتوان عن القيام به نظام الأسد لـ 40 سنة خلت.
هذا يعني أمراً واحداً، أنّ الغرب يفضّل بقاء الأسد في المرحلة الحالية لأن تجربته أثبتت أنه الأكثر قدرة على تلبية مصالحه، عدا عن أنّ دوائر القرار العالمية في سياق متابعتها للوقائع السورية باتت تركّز بشكل كبير على موضوع تورّط الثورة بجهاديين قادمين من أقطار العالم قاطبة. هذا ما يجعل الغرب متخوفاً من ردات فعل متطرفة تجاه مصالحه في العالم.

يتجاهل مسؤولون اليوم أنّ خطابهم المناهض للإرهاب أصبح ينطوي على ثقافويةٍ لا تهتّم لمجمل الكرامات الإنسانية، إنما تُعنى بالحدود والثروات والمصالح من (نفط وغاز وجيوستراتيجيا).
وللمفارقة، إنّ شعاراتٍ كثيرة في مسارات الحرب على الإرهاب نسمعها اليوم على لسان ممانعين ومقاومين. وكأنّ خطاب كولن باول إبان الحرب على العراق (الإرهاب) يتساوى مع خطاب الأسد وأعوانه في حربهم على الشعب السوري (الإرهاب)!.
لا يمكن للمراقب الحصيف اليوم إلا أن يعمد إلى فرزٍ واضح في ما يخص مواقف الغرب المتشعبة بين الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، إذ يبدو الموقف الأمريكي الرافض للتورط في الصراع السوري أكثر وضوحاً؛ سيما وأن الغالبية الشعبية التي أوصلت أوباما إلى الحكم ترفض إيلاء الملفات الخارجية أهميةً تفوق الإهتمام الداخلي بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. عدا عن أنّ الإدارة الأمريكية لا تتطلع إلى سوريا كبندٍ أساسي في أجندتها في ظل انشغالها بشكلٍ رئيسي بالملف النووي الإيراني، وترتيب الأمور في مصر كي لا تخرج عن سيطرتها،إضافةًإلى مصالح اسرائيل واهتمامها بملف المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية.

تطوّرت مواقف بعض المسؤولين الأمريكيين مع اشتداد الأزمة، وأخذت منحىً مشابهاً لبعض الدول الأوروبية، كفرنسا وبريطانيا اللتين أعلنتا بوضوح دعوتهما لتسليح المعارضة والإسراع في رحيل الأسد.
لكن هذه المواقف بقيت ترواح مكانها دون أثرٍ بالغ الأهمية في تحديد قرارتٍ واضحة حيال الأزمة السورية.
تحوّلت سوريا إلى مركز صراع\س ونفوذ بين معسكرين:(معسكر الغرب ورافعته الولايات المتحدة الأمريكية)، و (معسكر روسيا والصين وايران). وفي ظل تنامي الدور الإيراني وتوثيق صلته بالحليف الروسي ولعبه دوراً حاسماً وإيجابياً في العراق وأفغانستان، كان لا بدّ من انتقال الأمريكان إلى مرحلة مفاوضاتٍ على ملفاتٍ عديدة لا يبدو السوري بعيداً عنها، خاصة أنّ إيران بدأت تشعر باستنزافٍ لقواها وارتباطاتها الطائفية في الحرب السورية.
ليس خافياً على أحدٍ اليوم أنّ العيون الغربية باتت انتقائيةً في توصيفها للأزمة السورية، ولم يعد الجزء الأكبر من الرأي العام الغربي يثق بما خرج يطالب به السوريون منذ اليوم الأول.تعدّدت أوجه القتلة، ولم يعد الأسد وحده من يصنع العنف، يشاركه قتلةٌ ناشؤون يحظون بدعم واضح من دولٍ عربية وغير عربية، هم نتاج التقاء مصالح مخابراتية متعددة. على أنّ ذلك لن يغيّر شيئاً في الواقع،واليوم في ظل تمسّك الغرب بصورةٍ مثالية عن الثورة –التي لا يريدها أصلاً-، وإصراره على التعامل مع كل حراكٍ شعبي في المنطقة العربية على أنه حافزٌ جديدٌ لتوسيع النفوذ وتحقيق الثروات والمصالح: هي نظرة المُستعمِر ليس إلا!

بروفة حنطة      59

برومو الشهيد ناجي الجرف