جرن حنطة غير مصنف

هكذا تحولت الثورة إلى “حرب أهلية”.. الإعلام الغربي وعقدة الإرهاب الأبدية

هكذا تحولت الثورة إلى “حرب أهلية”.. الإعلام الغربي وعقدة الإرهاب الأبدية

عابد ملحم

 

تزداد الهوّة اتساعاً وانفصاماً، يوماً بعد يوم بين ما يتناوله الإعلام الغربي عن الثورة السورية، وما يتمناه الثوار على الأرض، ولا يعدو ذلك إلا تطوّراً طبيعياً لصيرورة تاريخ وطول “الأزمة” وتداعياتها وتعقيداتها في سوريا.

في ربيع العام 2012 دخل الجيش الحر واستطاع السيطرة على أكثر من 60% من مدينة حلب، وذلك بعد السيطرة الكاملة للريف الشمالي، أمرٌ فتح الحدود على مصراعيها مع الجارة التركية، وجاءت السيطرة على المعابر الحدودية كخطوة استراتيجية دفعت كل شيء إلى التغير.

ودخل “سوق الإعلام” في مرحلة جديدة، ولم تعد “الفيزا” السورية وتصريح العمل الذي تمنحه وزارة الإعلام في حكومة النظام ضرورياً للدخول إلى الأراضي السورية، وممارسة العمل الإعلامي، ليتدفق عدد هائل من الصُحفيين الأجانب من الطرف التركي عبروا الحدود ودخلوا المدن المحررة، وما لبثت أن بدأت الصور الإحترافية تظهر في الصحف والمجلات الأمريكية، والتي كانت “ومازالت” تتعاون مع ناشطين غير مختصين لتزويدها بالأخبار والصور من الأرض.

في منتصف العام 2012 كان الصحفيون الأجانب يدخلون وفي رأسهم فكرة واحدة يريدون إثباتها، ألا وهي “شعب ثار ضد نظام يقوم بالقتل اليومي”، وبمعزل عن الأسباب التي دفعت تلك الفكرة للانحراف باتجاهات “راديكالية” تارة و”سياسية” تارة أخرى، إلا أن نشطاء الثورة والمقاتلين وكل من شارك وما زال يشارك فيها، كان له أثر واضح في أسبابها.

***

في الطريق من الحدود السورية التركية باتجاه حلب، سألت الصحفية الإسبانية “إيثل بونيت”: هل أستطيع التدخين ؟ فأجبتها بالنفي، كوننا في شهر رمضان، ويمكن لمثل هذه الحركة أن تثير المتاعب على الحواجز.

وبعد ساعات من الوصول قفز فتى مراهق يرتدي السترة العسكرية على أحد الجبهات وسلم علينا بحرارة وابتسامة، وإلى جانبه عدد من المقاتلين ووالده المقاتل أيضاً، سألته الصحفية: “هل أنت تقاتل؟”، وقمت أنا بالترجمة، فقاطعنا والده مبتسماً: “طبعا لا”، فقفز الفتى منزعجاً، وصاح: “لا أنا مقاتل”.

تلك الحركة (المتكررة بالطبع) كانت كافية لظهور عشرات العناوين عن تجنيد الأطفال في الحرب الدائرة في سوريا، ومثلها فيما يخص الطوائف المختلفة وطريقة التعامل والحديث عنها، لتتحول مفردات كمفردة “ثورة” إلى “حرب أهلية”، وكلمة “ثوار” إلى “متمردين”، فلماذا كان ما كان ؟

أول الأجوبة التي قد يتلقاها السائل عن هذا السؤال هو النفس الطائفي الذي يتلمسه الصحفي الأجنبي عند عبوره إلى الجبهات الساخنة، إذ في مرحلة متطورة بات القتال في الأزقة السورية والمدن بين الفصائل المعارضة نفسها، فعلى سبيل المثال شكلت إحدى العشائر في حلب عدة فصائل مسلحة في منطقة “هنانو”، كما شكلت في منطقة “الصاخور” كتائب مماثلة حاربت بعضها في وقت من الأوقات، وباتت مناطق النفوذ تختص بالعشيرة، دون دخول العامل الطائفي فيها، بسبب عدم وجود طوائف في حلب، وعلى العكس من ذلك فقد فرض واقع آخر في حمص التي سيطر عليها جيش النظام قبل شهر من الآن، حيث بقيت أحياء بحالها على ما هي عليه دون أن تدمر، وبالأخص تلك الأحياء التي تقطنها الطائفة العلوية، بينما شهدت أحياء الخالدية وبابا عمرو وحمص القديمة دماراً هائلاً ليأخذ الصراع بعداً طائفياً بغيضاً تصدر عناوين الصحف على مراحل متلاحقة في الغرب.

قبل عام من الآن أطلق الإعلامي الأمريكي الشهير “بيل مار” عبر برنامجه “ريل تايم” حلقة خاصة عن تعاطي الإدارة الأمريكية مع الوضع السوري، كان عنوانها العريض “نحن ندعم القاعدة في سوريا”، وانتقد فيها الرئيس الأمريكي باراك أوباما بشدة وسخرية معروفة عنه، وكان جوهر الحلقة لديه الفيديو الشهير للمقاتل المعروف بـ “أبو صقار” الذي انتشر كالنار في الهشيم وقتها، ويصور الفيديو المقاتل وهو يأكل كبد أحد جنود جيش النظام.

على مدار سنوات الثورة السورية لم يكن الاستياء مما يتناوله الإعلام الغربي سوى حالة بديهية لدى الثوار، في معظم ما تم تناوله، فحالة الخذلان التي يصاب بها الزائر إلى الداخل السوري، كبيرة لا سيما الصحفيون والذين غالباً ما يحملون أفكاراً مسبقة الصنع قبل الدخول إلى سوريا.

“الإرهاب” عقدة الغرب الأبدية والتي تم تكريسها عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول في أميركا دخلت كل مفصل من مفاصل الحياة، ولا أدل على ذلك من التعاطي الغربي المجحف ليس فقط إعلامياً إنما على الصعيد الاجتماعي مع كل ما هو عربي أو مسلم، لتبرز جبهة النصرة أو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (أفرع القاعدة في سوريا) وبمعزل عن ظروف تشكلهما أو العوامل المساعدة لها، كلاعبين أساسيين في الصراع السوري، أمرٌ يعيد ترتيب الحكاية من وجهة النظر الغربية.

رغم كل ما يمكن أن يعتبر سواداً في المشهد السوري، إلا أن نقاطاً مضيئة لم تستطع إلا أن تبرز، رغم ضآلتها، فإحياء حفل زفاف لأحد أفراد الجيش الحر في مشفى، كان خبراً تصدر الصحف الأمريكية، زينته صور وكالة “رويترز” التي نشطت بشدة في الداخل السوري بالتعاون مع مصورين سوريين محترفين، وكذلك صورة “طفلة حلب” التي عادت إلى منزلها لتراه مدمراً وهي تحمل حقيبة المدرسة على ظهرها، والتي نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز” والتقطها بحرفية شديدة “مظفر سلمان” لصالح وكالة “رويترز”.

لاحقاً حدث أن شاهدت مهندسة أمريكية الصورة على غلاف “نيويورك تايمز” لتقوم بتأليف أغنية أهدتها للطفلة مع فيديو فيه صور لمخطط هندسي قامت المهندسة الأمريكية بتصميمه وهو تصميم منزل بديل للطفلة عوضاً عن منزلها المدمّر.

الجوانب المضيئة كانت كثيرة، وغالباً ما كان الطابع الإنساني واضحاً فيها، غير أن ما يخص الوضع الميداني لم يستطع الثوار وبعد محاولات عدة أن يتخطوا مرحلة تصدير أزمتهم عبر الاستجداء، واستطاعت حكومة النظام السوري بـ “حكنة” أن تستثمر الحضور الإعلامي الخجول والمتواضع للثوار، فأطلقت يدها لأبرز الوسائل الإعلامية العالمية مقدمة تسهيلات عدة بالتزامن مع الوقت الذي كانت فيه “داعش” تخطف الصحفيين الأجانب، فخرج تقرير “سي إن إن” الشهير والذي يصور مراسلها برفقة الجيش السوري مصوراً الحدث من وجهة نظر واحدة ألا وهي “الإرهاب يضرب سوريا”.

وعلى غرار “سي إن إن” عادت الوسائل الإعلامية الأخرى إلى “خط الرجعة” مع النظام السوري، فعادت “بي بي سي” لتفتح مكتباً لها، في دمشق، أما ما تبقى من صحف شهير بريطانية كانت أم أمريكية، فقد دخلت في مرحلة جديدة من التناول الإعلامي، لا سيما ما يخص الإحصاء، ودراسة الواقع السوري الجديد، ومدى تأثيره في الجيران وعلى رأسهم “إسرائيل”.

ولم تعد الأنباء والصور التي تتبنى “الألم السوري” بشكل خاص سوى تكرار ممجوج للروتين اليومي، يفشل دائماً في المحافل الدولة أمام ضربات الفيتو الروسي الصيني.

الإعلام الأمريكي وبشكل بديهي ترك ما يحصل من موت في سوريا، ودخل إلى غرفة الإرهاب بشكل خاص، محللاً ومفنداً ومستنتجاً، وأمام شكل الحياة الاستهلاكية للأمريكيين الذين غالباً لا يجدون الوقت للتقصي والتحقق، تحول الصراع في سوريا إلى “حرب أهلية” وتحول الثوار إلى “متمردين”.

قد لا ينطبق أي تعريف علمي موجود على مفردة “ثورة” على الوضع السوري، وربما ينطبق آخر بشكل أو بآخر، إلا أن ما يحدث من نزاع وصل ببعده الطائفي إلى أوجه لا يدع مجالاً لوسائل الإعلام الغربية إلا أن تراه ووفق منظورها على أنه حرب بين الأهل، أو حرباً بالوكالة لا سيما بعد تحول الأرض السورية إلى مرتع للمجموعات الأفغانية والشيشانية من جهة وعراقية ولبنانية وروسية إيرانية من جهة أخرى.

بروفة حنطة      522

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بروفة حنطة      523

برومو الشهيد ناجي الجرف