جرن حنطة

مقدمة في الثورة السورية

مقدمة في الثورة السورية

محمد نبيل الفواز

عانت سورية في الفترة الممتدة منذ بداية الثمانينيات من القرن المنصرم وحتى بداية القرن الجديد من حالة ركود وضياع وموات سياسي وانسداد أفق، وفقدان للأمل بالخلاص والانعتاق من نظام الأسد (الأب والابن)، فالوضع الاقتصادي متردٍّ، والنهب المنظم لثروات المجتمع على أشده، وسياسة التمييز بين مكونات المجتمع السوري الإثنية والدينية تتعمق وتترسخ أكثر فأكثر.

ناهيك عن دور المؤسسة العسكرية الفاشي بجناحيها؛ الجيش والأمن، والمتغلغلة في كافة مفاصل البلد والمجتمع، وسياسة الفساد والإفساد كنهجٍ عام.

لوحة سوداوية ارتسمت آنذاك، جعلت كافة قوى المعارضة السورية تعجز عن تقديم أية إجابة عن سؤالٍ طُرح منذ بداية السبعينات.

(ما العمل؟)، وظل هذا السؤال ضاغطاً بدون إجابةٍ لديها.

أذكر أنه في العام 1980، كان الحراك السياسي السوري يمتاز بالغليان، كما أنه كان مشوشاً إلى حدٍ بعيد، وذلك لتفرّد تيارٍ سياسيٍّ ديني (الطليعة المقاتلة)، والمنشق عن حركة الإخوان المسلمين، بحمل السلاح والدخول في مواجهةٍ مسلحةٍ دمويّة ضد النظام الأسدي الذي وجد فيها فرصةً سانحةً لإذكاء الصراع الطائفي، وحشد القوى والتيارات في سوريا لصالحه، وامتدّ هذا الصراع على أكثر من مدينة، ولأكثر من عام وسط تواطؤٍ وصمتٍ دوليّ وعربيّ عما يجري،أبرز مبرراته، دور النظام المتنامي إقليمياً بعد حرب 1973 وتوقيعه اتفاقيات فصل القوات على الجبهة السورية، وتدخّل النظام في لبنان، وامتلاكه أوراقاً قوية، كالورقة الفلسطينية، والورقة الكردية بمواجهة تركيا، والتقارب العراقي السوري، كل ذلك تم في ظل توازنٍ قائمٍ على الثنائية القطبية آنذاك، بين المعسكرين الشرقي والغربي.

لقد تصدى النظام السوري لهذا التحرك بقوة وببطش قلّ نظيره، امتدّ ليشمل قوىً قومية ويسارية شاركت من مواقعها وحسب رؤية خاصة بها، وتمكن من إخمادِ جذوةِ هذا الصراع لأكثر من عقدين من الزمن.

في ذلك العام، ومع بداية الأحداث، ومع المعرفة بطبيعة المكونات السورية من قوى إسلامية وقومية ويسارية، طرح أحدهم تصوراً مفاده؛ أن التغيير قادمٌ في حياة البلاد، وسيكون بمعزلٍ عن هذه المكونات السياسية القائمة، وعن أي دورٍ قياديِّ بارزٍ لها، وإن وُجد فسيكون هامشياً بالضرورة، علماًأن ثورة المعلوماتية وشبكات التواصل الاجتماعي ودور الحراك الشبابي لم تكن واردة آنذاك .

والآن؛ وبعد ماحدث من ثوراتٍ في الربيع العربي، وبداية الثورة السورية، وتبلور طبيعة العناصر المساهمة والفاعلة فيها، يحق لنا التساؤل: هل كان مثل ذلك الطرح السياسي نبوءةً أم قراءةً معمَّقة للواقع السوري آنذاك؟

ومع الاستبعاد التام لفرضية النبوءة في عالم السياسة، فإن منطق القراءة للواقع السوري يظل هو الأرجح.

إن واقع الحال في الساحة السياسية السورية ومنذ العام 1958، يعطينا مؤشراتٍ هابطة ومتدنّية، بالقياس إلى الفترة الممتدة منذ الاستقلال وحتى قيام الوحدة السورية-المصرية عام 1958.

لقد شهدت سورية ولعشر سنوات متتاليةٍ من تاريخها بعد الاستقلال فترة تطور ونموِّ، ازدهرت فيها مناحي الحياة السياسية والفكرية والأدبية والاقتصادية، شملت أغلب المناطق السورية، وتعززت قيم الوحدة الوطنية والعيش المشترك بين مكونات المجتمع السوري.

وعلى الرغم من وجود المؤسسة العسكرية، ودورها الذي تجلى بحدوث أكثر من انقلاب عسكري على يد ضباط أمثال (الزعيم والحناوي والشيشكلي)، لأسباب لهاعلاقة بالخارج المحيط أكثر منه تعلقاً بالوضع الداخلي في سورية آنذاك.

إن مَن عاصر تلك المرحلة أو قرأ عنها، يدرك تماما الآن أن العام 1957 كان نقطةً فاصلةً ومتميزةً في تاريخ هذا البلد، بين ماضٍ مضطربٍ ومستقبلٍ مجهول.

لقد أثرت السنوات الأولى من الخمسينات إيجاباً على مختلف القوى السياسية السورية آنذاك،وعلى الرغم من طبيعتها كقوى عقائدية، دينية كانت أو شيوعية أو قومية إقصائية ترفض الآخر، وتفتقدلبرنامج واضح الأهداف، بحكم تبعيّة بعضها للخارج والارتهان له. كان دور الفرد هو الأبرز ك (الشيخ مصطفى السباعي وميشيل عفلق وخالد بكداش)، بحيث تطوّرت وانتشرت هذه القوى على امتداد الوطن السوري، ولواستمر ذلك التطور في الساحة السورية، لأصبحت هذه القوى في حال أفضل مما آلت إليه لاحقاً، ولكان حال الوطن أفضل بالضرورة ممّا هي عليه الآن، أضف إلى ذلك؛ مانفتقده اليوم من دورٍ للقوى البرجوازية السورية، كما كان عليه الحال آنذاك، ومعبّراً عنه بالقوتين الرئيسيتين(الحزب الوطني، وحزب الشعب)،جناحي الكتلة الوطنية السورية قبل الاستقلال وبعده،إضافة لوجودِ أحزابٍ ذات طبيعةٍ فاشيّةٍ مثل الحزب السوري القومي، وحزب فيصل العسلي، وكان دورهم هامشياً لايُذكر.

كان الصراع السوري مُحتدماً آنذاك في الشارع، وفي المدارس والجامعات وفي قاعات البرلمان السوري، وحجم التآمر المحيط آنذاك بسورية تزداد وتائرهُ، ومُعبَّراً عنه بأحلافٍ ومشاريع، تحاول استقطاب سورية إليها، كطرفٍ ضعيفٍ ومركزيِّ بحكم الموقع الجغرافي الهام لهذا البلد، والذي تزايد مع نشوء الكيان الاستعماري(اسرائيل).

رغم ذلك كله كانت سورية تتقدم اقتصادياً وسياسياً بل وعسكرياً.

لعلَّ أهم ظاهرة في تلك المرحلة هي تقدم مسألة الديمقراطية على أكثر من صعيد، فالحوار كان قائماً رغم الخلاف بين أطراف العملية السياسية، وتداول السلطة بينها تَحقق أكثر من مرة، ولو أنه كان محصوراً بين قوى البرجوازية السياسية السورية(الوطني والشعب)، وشهدت البلاد ثورة فكرية وقانونية في بداية الخمسينيات قلَّ نظيرها، وكانت السلطات الثلاث(التشريعية والتنفيذية والقضائية) تتمتع باستقلالية كاملة، أما موقع الرئاسة فقد كان ثانوياً، وليس إلاهياً كما جرى عليه الحال بعد ذلك في مراحل مظلمة من تاريخنا المعاصر.

تميزت تلك الفترة على الصعيد المجتمعي كما أشرنا بانتشار علاقات التآخي والمحبة بين الطوائف والقوميات على امتداد الوطن وخفت جذوة النزاعات التي عمل على إذكائها الانتداب الأجنبي، والنشاط السياسي للأحزاب امتاز بانتشاره ضمن هذه المكونات على أساس طبقي أو فكري واحيانا مذهبي غير مؤثر.

عرفت الصحافة السورية انتشارا قل نظيره كما ونوعا وكانت أغلبها مستقلة أو مرتبطة بأحزاب سياسية لم يمنع من تحولها إلى منابر مفتوحة للرأي الآخر ، ولم تظهر في أية أدبيات سياسية آنذاك الادعاء بامتلاك الحقيقة .

وقس على ذلك ازدهار المؤسسات التعليمية والثقافية والفكرية، وخلف كل ذلك وذاك كانت العملية الاقتصادية هي الدافع والمحرك فالانتاج الصناعي والزراعي كانت وتائر تطوره مذهلة، حتى باتت سورية المركز الصناعي الذي يغذي دول الجوار والخليج العربي على صعيد الصناعات التقليدية أو النسيجية أو الغذائية بحيث أصبحت سورية ورشة عمل هائلة وبدأت ملامح انتشار علاقات الاستثمار الرأسمالي في الزراعة ظاهرة للعيان، واكبها استقرار واضح للعملة السورية أمام مثيلاتها بل وتتفوق عليها بوتائر النمو والقوة، مما دفع الاقتصادي الآسيوي البارز مهاتير محمد إلى زيارة سورية آنذاك ودراسة تجربتها المتقدمة على مثيلاتها في آسيا.

في هذه المرحلة من أواسط الخمسينات كان دور المؤسسة العسكرية كبيرا ومتناميا على صعيد التسليح وتحديث بنية الجيش وحياديا إلى درجة كبيرة تجلى باسهامات العديد من العسكريين الكبار في الحياة السياسية وانخراط القليل منهم باحزابها، حتى ليصدق القول فيها آنذاك بأنها كانت مؤسسة وطنية بامتياز افتقدته لاحقا.

واذكر أن في تلك الفترة وبمزيد من الحنين إليها واقع مدينتي الصغيرة (الرقة)وكانت مركز قضاء أو(قائمقامية) كما كان يطلق عليهاآنذاك ، وتتبع إداريا لمحافظة دير الزور وبحدود وعيي البسيط لم يكن ينقضي اسبوع أو أكثر بدون وجود تظاهرة أو حراك مدني، يصل الى درجة التصادم في ساحة السرايا فالأعلام الوطنية والرايات الحزبية والخطب والهتافات والصدام في وضح النهار كان يتجلى مساءا وبشكل رائع حيث تجد هذه الأطراف المتنازعة تتسامر وتجتمع في المطاعم والمقاهي بدون ضغينة أو حقد أورثه صراع النهار، وحين سألت بعضهم بعد زمن عن تفسير ذلك السلوك الحضاري المتقدم قياسا على تلك المرحلة كانت ردودهم : نحن أبناءوطن واحد ومدينة واحدة وصراعنا من أجل سورية وليس عليها وخلافنا في الرأي صباحا لايفسد أو يلغي عوامل المحبة والتآخي بيننا مساءا.

هل هنالك ماهو أروع وأجمل من هذه الظاهرة الحضارية في ذلك الزمن. وبصدق فإن شباب تلك المرحلة كانوا الأميز والأفضل بين أمثالهم لاحقا، باستثناء شباب الثورة السورية الحالية.

إن تداول مثل هذه الذكريات اليوم مع شباب الثورة غايته ورائدنا في ذلك هو تكريس قيم الديمقرطية والتآخي والمحبة والعدالة لمجتمع نقوم برسم معالمه حاليا.

إن النموذج الذي قدمته ينطبق على أغلب المدن السورية في تلك الفترة، فسورية لم تشهد منذ العام 1958م أية مرحلة جلبت لها الاستقرار والأمان بل قادتها إلى مراحل أكثر تخلفا ووحشية وظلامية في تاريخها المعاصر.

عندما يأخذنا الحنين إلى ذلك العام (1957م)فإننا نستمد منه العزم على بذل الجهد في سورية لاعادة الربط بعد ذلك القطع التاريخي الذي حصل كي تكون سورية المقبلة مدنية ديمق اطية تعددية تحترم الانسان كإنسان ،كجوهر وروح بصرف النظر عن انتمائه أو هويته القومية أو الدينية وهذه أمانة نقلت إلينا من الرواد الآوائل للاستقلال السوري وهذا مايجب أن تكون عليه الثورة السورية وما يطمح إليه ثوارنا الآن فالولاء لمبادئ الثورة ولعلم الاستقلال.

لقد أذهلتني كلمات نطق بها شاب صغير من نشطاء الثورة ومعتقل سياسي على صغر سنه حين قال(لقد كانت سورية تتسع للعالم أجمع قريب أو غريب، وعندما خرج السوريون من بلادهم مرغمين لم يستوعبهم العالم أجمع حتى باتوا طعاما للأسماك في البحار).

فهل في هذا عدل بالنسبة لشعب أذهل العالم بثورته سلمية كانت أو مسلحة في نهاية المطاف دفاعا عن الأرض والعرض.

إننا ندرك ونثق بأن الثورة السورية منتصرة منذ اللحظة التي رسم فيها أطفال درعا كلمات على الجدران، خطت لسورية مستقبلها اللاحق، فثورتنا ثورة كرامة وليست ثورة جياع في موتنا انتصار، وفي نصرنا انتصار.

– وللمقال تتمة-

بروفة حنطة      523

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بروفة حنطة      524

برومو الشهيد ناجي الجرف