جرن حنطة

كلمة السر.. في الإليزيه..

كلمة السر.. في الإليزيه..

نور مارتيني                                    

ويحدث أن تقلب زيارة مسار حياة سياسي مغمور، وتصدره لمشهد سياسي لطالما حلم أقرانه ممن يفوقونه خبرة وحنكة بالتصدي لها، ولكن الدنيا حظوظ، وكم هو سعيد حظ ذلك الذي تتيح له الأقدار فرصة السير على سجادة الإليزيه الحمراء، حينها سيخرج على هيئة غير تلك التي دخل بها!

هذه الصدف لا تتكرر كثيراً في عالمنا العربي، ولكنها حين تحدث فهي بالتأكيد تحمل كلمة السر التي ستفتح أبواب المجد على مصراعيها، خاصة حين يكون هذا الشخص في بداية حياته السياسية. لأنها ستجعله يتصدر المشهد السياسي، شاء من شاء وأبى من أبى، وليست الخبرة أو الحنكة مطلوبتان في شيء، المهم هو رضا المزاج الدولي عن هذه “الطبخة السياسية”!

إن من يتتبع مسيرة سياسيي سوريا ولبنان تحديداً، سيتوصل إلى هذه الحقيقة، وليس الموضوع من قبيل الصدفة على الإطلاق، بل هو امتداد لمسيرة سايكس- بيكو، والاستعمار التقليدي الذي خرج من الباب، ولكنه لم يغادر المنطقة قط.

فبعد الحرب الأهلية اللبنانية التي لم تبق ولم تذر، لم يكن هنالك بد من الجلوس إلى طاولة المحاصصة في الطائف، والخروج باتفاق الطائف عام 1989، الذي وإن بدا للبعض هزيلاً، ولكنه كان الحل الوحيد المتاح آنذاك. هذا “الطائف” الذي كان عرابه “رفيق الحريري، والذي جاء به رئيساً لوزراء لبنان في أعقاب ذلك.

ومع أن اتفاق الطائف لم يكن مرضياً عنه من قبل جميع اللبنانيين، ولكنه كان الحل الأنسب من وجهة نظر المجتمع الدولي، ممثلاً بالدول العظمى. طبعاً هذا الطائف أفرز جيلاً كاملاً من السياسيين اللبنانيين الذين صنعوا خارج لبنان، بدءاً من رفيق الحريري الذي بدأ حياته مدرساً للرياضيات في السعودية، ليستحيل بعدها مالكاً لشركة “سعودي أوجيه”، كبرى شركات المقاولات في المنطقة العربية بعد شرائه لشركة أوجيه الفرنسية، ويتصدر بعدها المشهد السياسي في لبنان. ليصبح رئيس وزراء دولة أنهكتها الحرب الأهلية الممتدة بين أعوام 1975-1990، حيث بقي في منصبه بين أعوام1992-1998 كفترة أولى وبين أعوام 2000وحتى 2004 للفترة الثانية.

وليس خفياً على أحد أن الحريري الأب كان مرتبطاً بعلاقات مميزة مع نظام الأسد الأب في سوريا، بالتوازي مع علاقاته المميزة مع الرئيس الفرنسي الأسبق “جاك شيراك” منذ كان عمدة لمدينة باريس، هذه العلاقة التي كان لها دور أساسي في منع إدراج “حزب الله” ضمن قائمة المنظمات الإرهابية لسنوات، وهذه الصلات الوطيدة أيضاً هي التي قدمت “بشار الأسد” للمجتمع الدولي عام 1998، حين رتب رفيق الحريري زيارة له للإليزيه في وقت كان فيه شيراك واحداً من رؤساء للجمهورية الخامسة، وخرج “المعتوه” بعدها بصفة بطل قومي مكلفاً بملف الفساد في لبنان!

ولسخرية القدر، فإن “ميشال عون”، والذي احتمى بالسفارة الفرنسية عام 1990 حين داهمه الجيش السوري في قصره، لم يحظ بشرف زيارة الإليزيه على الرغم من السنوات المديدة التي قضاها في فرنسا، وعلى الرغم من الجهود الحثيثة التي بذلها في استصدار القرار رقم 1559 في مجلس الأمن، في وقت كان المزاج الدولي خلاله في ذروة سخطه على النظام السوري، إلا أن هذه الزيارة لم تحصل إلا بعد أن قدم طقوس الولاء والطاعة للنظام السوري أولاً في عام 2008، حيث أنه أتيحت له زيارة الإليزيه في عام 2010 ، فاستقبل ساركوزي يومها معظم القيادات السياسية اللبنانية، ومن بينهم أمين الجميل وسمير جعجع في محاولة لتقريب وجهات النظر حيال موضوع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. ومع أنها زيارات عابرة، ولكنها تحمل دلالات كبيرة حول عمق الدور الذي تلعبه فرنسا في مستعمرتها التاريخية “لبنان”، وحول أن الدول الكبرى ما تزال تعمل على مبدأ المحاصصة، وفقاً لتقسيمات سايكس- بيكو، ولكن بشكل مبطن!

سعد الحريري أيضاً كان ضمن هذه المنظومة الباريسية، ولم يخرج منها خالي الوفاض، حيث أنه كلف برئاسة الحكومة اللبنانية في 9 نوفمبر 2009 بعد محاولات متكررة فاشلة، ولكن المجتمع الدولي منحه فرصاً أخرى، إذ ليس من المعقول أن يمنح بشار الأسد فرصة رئاسة سوريا لأن واسطته إلى الإليزيه كانت رفيق الحريري، وأن يحرم وريث رفيق الحريري الشرعي من فرصة رئاسة الحكومة في لبنان!

في الحقيقة، لا ندري اليوم من كان واسطة الجربا إلى الإليزيه على وجه الدقة، ولكن المؤكد أن الجربا ما قبل الإليزيه ليس كالجربا ما بعده!

فالمتتبع لمشاركات الجربا الدولية قبل جنيف 2، ولخطاباته السابقة يلحظ أداء هزيلاً، وشخصية مشوشة مهزوزة تستثير روح الدعابة لدى من يتصيدون أخطاءه، ويسبغون عليه الكثير من الألقاب التي تليق بفنان كوميدي أكثر مما تليق بزعيم سياسي يفترض به أنه يمثل جهة تعتبر الحامل الشرعي للمعارضة السورية، كما أن تصريحاته كانت متضاربة ومتناقضة، بطريقة تدينه و تصفه على أنه يفتقر إلى الحنكة السياسية.

أما في جنيف 2، ظهر الجربا بحلة جديدة، فحديثه كان متوازناً ومتسقاً، ينم عن تعاطٍ مختلف مع الموقف، والخروج من القالب الإنشائي السابق لخطاب المعارضة، ليقدم رسائل مكثفة تحمل حقائق في طياتها، كما أنه عمل على كسب المواطن السوري المتواجد في الداخل، والذي لم يكن يجد نفسه في برامج المعارضة السابقة، وذلك من خلال إيصال رسالة له بأنه ممثل حقيقة في جنيف2، من خلال سرد حوادث بعينها مع ذكر الأسماء.

أغلب الظن أن تجربة الجربا السياسية، لا تخوله الوصول إلى هذه الدرجة من النضج السياسي خلال هذه الفترة المحدودة، ولكنني أعتقد أن هذا جاء نتيجة جهد فريق عمل متكامل، سعى إلى الخروج بفريق المعارضة المشارك في جنيف 2 بهذه الصورة، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية يعود –برأيي الشخصي- إلى تعليمات صارمة تلقاها الجربا للالتزام تماماً فيما وضع بين يديه، وأنه لم تكن لديه الصلاحيات للخروج عن السياق المرسوم، ولا أدل على ذلك من أن بقية الوفود بعد إنهاء كلماتهم وجهوا كلمات لوليد المعلم كرد على استطراداته واتهاماته لهم، فيما لم يتجرأ الجربا (وهو ولي الدم) على القيام بهذه الخطوة!

ويأتي أخيراً الظهور الإعلامي للجربا على جبهة الساحل، لكي يؤكد مقولة أنه لا يملك من أمره إلا أن يمتثل للأجندات الدولية المرسومة للمسار السوري سلفاً، فهذا الظهور الإعلامي مع رصد مبلغ نصف مليون دولار أمريكي لدعم جبهة الساحل، الأمر الذي كان يمكن أن يقوم به منذ ثلاث سنوات خلت، بالتزامن مع انتصارات مفاجئة على جبهة حمص الراكدة منذ أشهر، وتحديداً منذ أطبق حزب الله الخناق عليها، هذا على الصعيد السوري، وبروز سمير جعجع على أنه المرشح الأقوى لرئاسة لبنان، والذي يعتبر موضوع نزع سلاح حزب الله، وجعل السلاح حكراً على الدولة اللبنانية، على الصعيد اللبناني، لايمكن قراءته إلا على أنه استئصال لشأفة حزب الله عسكرياً من خلال دعم المعارضة السورية، وسياسياً من خلال تسلم جعجع لمقاليد الحكم، إن صدقت التكهنات!

إذاً..فمن الإليزيه تبدأ صناعة السياسة السورية واللبنانية، والجربا ليس العينة الأولى، فمن قبله دخل سعد الحريري وبشار الأسد مراهقان سياسيان يفتقران إلى ألفباء السياسة، وخرجوا جميعاً صناعاً للقرار في دولتين يبدو أن فرنسا لم ترفع يدها عنهما حتى اليوم!

بروفة حنطة      526

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بروفة حنطة      527

 

 

برومو الشهيد ناجي الجرف