جرن حنطة

وكان الوهم ..ممانعة

وكان الوهم ..ممانعة 
حواس محمود 

لو كانت الشعارات الكبيرة بالمقاومة والممانعة صحيحة واقعيا ، لو أدت إلى تحرير ولو جزء من فلسطين ، أو كسر شوكة إسرائيل ، أو أي انجاز ميداني استراتيجي ، لو كانت الممانعة والمقاومة لم تتجاهلا حقوق المواطن بالعيش الكريم دون إهانة أو ذل أو تبخيس ، لو أنها لم تفشل في تضييع ثروات هائلة من خيرات بلدانها وشعوبها ، لو لم تترافق مع نهب المال العام مع الفساد والسرقات المكشوفة والمغطاة بتلميعات إعلامية ، لو لم تترافق مع ضجة كلامية كبرى في وسائل الاعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية دون أي حقائق ملموسة على أرض الواقع ، لو لم يكن كل ذلك هراء بروباغنديا وضجيجا صوتيا فارغا دون طائل
لكان المواطن العربي المسكين قد صدقها ، وكانت الأمور تسير على ما يرام ، لكن كل ذلك ، إضافة إلى الوصول إلى استخدام كل أنواع الأسلحة للفتك بشعوبها حتى الكيماوي منها – مجزرة الغوطتين 21 أب 2013، كل ذلك فقط لإعلاء شأن الممانعة ، والغريب أن تبدي دولة مثل مصر( بعد ربيعها الذي يبدو أنه قد سرق وخوتل وخدع ويحتاج المصريون للكثير من الجهد والدم والوقت لتصحيح مسار الثورة حتى من الحاكمين الحاليين أيضا ) موقفا ملتبسا من الثورة السورية ، وهي لم تساهم في حل الأزمة السورية ، ووقفت صامته تجاه قبول النظام تدمير سلاحه الاستراتيجي – الأسلحة الكيماوية – كما وقفت صامتة تجاه استخدامها ضد الشعب ، لكنها هاجت وماجت عند الحديث عن الضربة التي كان أوباما قد هدد بها النظام السوري ، وبتدمير السلاح الكيماوي ، سقطت الممانعة وسقط الوهم ، بشكل مدوي ، وسيكون له آثار فكرية عميقة في وجدان وفكر المواطنين العرب وستتغير الخارطة الذهنية للفكر العربي باتجاه الواقعية لا الوهم ، والمواطنة والتنمية لا الممانعة والمقاومة .
لقد تحول الخطاب الممانع مباشرة مع الثورات العربية إلى خطاب مكافحة الإرهاب في غير دولة عربية وحتى إيران وغدا الخطاب المضاد للإرهاب ولو بالكلام والديماغوجيا هو خطاب العصر وهو الخطاب المقبول في المستوى الرسمي العربي على صعيد الحكومات التي طابعها طغم عسكرية وسياسية توتايتارية لا تؤمن لا بالديموقراطية ولا بالحريات ولابحقوق الانسان وحريات التعبير ، وسجونها تكتظ بسجناء السياسة والرأي وهي بهذا الخطاب تتغازل مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل التي كانت تدعي أنها تقاومها و تمانعها علما أن العديد من المنظمات الإرهابية هي من صنيعتها لضرب الديموقراطية في المنطقة العربية والشرق أوسطية وباتت هذه الأنظمة تمتلك المهارة الكافية بالتوافق والتعامل والانسجام الكبير مع الولايات المتحدة الأمريكية في إنتاج الخطاب الذي يناسب استمرار سيطرتها وتتوافق مع المصالح الأمريكية في إبقائها على رأس السلطة متحكمة بالشعوب العربية والحفاظ على حدود إسرائيل آمنة وسالمة ومستقرة ولكي تبقى الولايات المتحدة الأمريكية متحكمة باقتصاد المنطقة من خلال تفتيت المنطقة وتجنيب اسرائل أي خطر شعبي قادم قد يؤدي إلى تحريك الجيوش العربية باتجاه حدودها
لقد أثبتت الأنظمة العربية إخلاصها الكبير وتحقيقها الهائل للمصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة ونجحت في سحق الشعوب العربية بالالتفاف على الثورات العربية وانتفاضاتها وبخاصة في مصر وسورية والعراق ، وهي الدول التي ما فتئت ترفع الخطاب المكافح للإرهاب إلى الأسقف العليا بينما هي تمارس الإرهاب الحكومي الممنهج والمنظم ، ومن خلال نسج العلاقات المخابراتية والمباشرة مع روسيا التي هي الأخرى الوجه الآخر لأمريكا ومصالحها في المنطقة بينما الشعوب العربية تخسر يوميا حياتها وأوطانها وكراماتها وثرواتها وتاريخها وتراثها ، وكل ذلك لا يرف للنظام الرسمي العربي جفن ، وحتى النخبة المثقفة عاجزة عن تحليل الحالة ورصد التحولات السريعة في الخطاب الرسمي العربي من الممانعة والمقاومة إلى مكافحة الإرهاب للتوافق تماما مع خطاب موسكو وواشنطن وطهران هذه التوافق الدولي الاقليمي يفسر سبب تعثر الثورة السورية المباركة التي توطأ العالم لإجهاضها وهي رغم كل هذا صامدة ومستمرة
لقد كانت كل المؤتمرات القومية العربية والأصوات القومية تصم آذان الشعوب العربية صبحا ومساء في ضجيج إعلامي وأيديولوجي كبير ، وكله كان مجرد استهلاك خطابي إعلامي لم يكن يستند على وقائع التاريخ وإحداثيات الواقع . والآن هي غارقة في صمت مبين بعد أن تكشفت خسارة التيار القومي بعد تحول النظام الاستبدادي في سوريا الذي تمسك بالقومية العربية للتجارة النضالية طيلة أكثر من أربعة عقود متطاولة من القهر والبؤس والدكتاتورية والفساد ،بعد أن تحول إلى مسار آخر من خدمة إسرائيل في إبادتها للشعب السوري وتهجيره ومنع الأغذية عن المدن المحاصرة واتهام الثوار بالإرهاب وتدمير البنى التحتية وتدمير الأسلحة الكيماوية ومغازلة الغرب والانتهاء من المقولات الثورجية الرنانة ” لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ” ، ” النضال ضد الصهيونية والامبريالية والرجعية ” وكل هذا التراجع والنكوص المؤدي إلى خدمة اسرائيل ومخططاتها العدوانية تجاه العالم العربي برمته هو الذي يجب كشفه وفضحه
أي ازدواجية فكر ، أي انفصام شخصية عربية قاتلة ، تفتك بالكثير من العقول العربية تجاه أنظمة بوليسية لم تجلب للعرب غير المآسي والويلات وفقدان الأراضي ، وإستشراس الأعداء وانتشار الفقر وموت التنمية وبيع الأوطان ، أي آلية تفكير مريضة تسيطر على عقول هؤلاء وهم ينظرون ببصائرهم ما يحل بشعوبهم من طغاتها وهم عنها إما مصدومون أو مشدوهون أو مذهولون أو ساكتون مسرورون ، وعندما تصل الأمور إلى لا رجعة وانتهاك القانون الدولي يثورون ويصرخون ويولولون ويقاتلون العالم ، إنهم يساندون الوهم لتقرير مصائر الشعوب العربية ، ويمكن القول عن ذلك بسخرية مؤلمة وكان الوهم .. ممانعة . !

بروفة حنطة      527

برومو الشهيد ناجي الجرف