حكايا البيدر

لقمان ديركي

لقمان ديركي

سوري منَّك

 

سوري منَّكْ، يعني باردون، لا تواخذنا, محسوبك سوري، إي والله سوري منَّكْ كتير، سوري بس مو إلى الأبد، يمكن أتغير واصير شيتاني، بيت عمي صاروا برازيليين، وابن عمتي صار طلياني، واولاد جيراننا صاروا شي سويديين وشي ألمان، بس بيضلوا سوري منك سوريين، عدم المؤاخذة يعني، في كتير ناس هلأ صارت تقول عن حالها سوري، بس بدون سوري منَّكْ، اللي مو سوري بيعتز فيها للكلمة وبيعطيها حقها، بس السوري ما بيقدر يذكرها بدون ما يقول لك سوري منَّكْ..سوري، بتحسه لازم يعتذر لأنه سوري، بيحس بالذنب يمكن، أو يمكن بالعار، هيك كان الوضع يا خال، إذا صدف ورحت للبنان المحتلة من قبل الجيش السوري..سوريمنَّك..حاشاالسامعين..وبعيدعنَّكْ..أيام زمان، أيام ما كان اللبناني (حر) تحت وصاية براثنالإحتلالالسوري..سوري منَّكْ، وبس كنت تزوره ببيروت بيرفع أنفه عليك، وكأنه هو اللي محتلَّكْ، يا سبحان الله، شوهالإحتلال هاد، تعال بقى فهّم اللبنانيين أنو أنت اللي محتَّل أكتر منهم، لأوبيصيروا لما بدهن يرضوا عليك بيقولوا عنك سوري معارض، وأنت اللي مالك بالمعَارض، ومالك بالبيع السياسي، ومالك بتجارة اللبناني، أنت على باب ألله، أو بالأحرى، على أحلى باب، يا حباب، يا سوري.. سوري منَّكْ، وليش سوري منَّكْ يا سوري، أنت سوري سوريمنَّكْ..شقفةسوري..سوري منَّكْ، أنت لاشيء، وبأحسن حالاتك أنت مخابرات، كذلك يعتقدون خارج حدودك، يا أيها السوري..سوري منَّكْ، وتعال انتظر وهنن عم يألفوا قصص بطولية عنك ضد النظام مشان يمشي أمرك، أنت بطل، أنت اللي سبيت على حافظ قدام المحافظ، لا لا والله يا ابن الحلال، هي أساطير الأولين، أنا بحياتي ما شفت خلقة المحافظ، ولا حتى ع التلفاز، وبالطبع بحياتي وحياة أهلي ما شفت حافظ، ع التلفزيون لمحته ذات يوم بالأسود والأبيض، وذات يوم بالألوان، وأعجب موجه المدرسة وقتها ببحة صوته وهو يقول: نحن نفهم الإسلام إسلاماً..وهم يفهمونه استسلاماً. استسلاماً لمين، وهمَّا مين؟! واحنا مين؟! وازاي العيال؟!! كويسين؟!!! العتب عالثقافة، العتب ع العلم، العتب على تدريب الذات، وتدربت الذات، وصارت تبرر لنفسها خنوعها للطغيان، وصارت بلا حرية تأخذ من الجمل أذنه، إي دخيل أذنه شو سميعة، سلخني تقرير للمخابرات مما سمع وشاهد، كان شاهداً على العصر، فإذا أردتَ أن تعرف ما الذي كان يجري في سوريا فعليك أن تفتح ملفات وأضابير فروع الأمن، وسترى بعينيك ما الذي حدث لك، وما الذي يحدث الآن، ستجد أنامل ابن الجيران وقد خطت رائعة من روائعه التقريرية فيك قبل ثلاثين عام، وأنت الذي كنت جالساً على الصخرة مقرفصاً على الأطلال، هكذا كانت أطلالك يا صاح، أطلال لا تستحق أن تقف عليها، فيها من الصدمات ما يجعل الوقوف عليها وكأنك تقف على حقل ألغام، لم يكن هناك في حياتك ما يستحق أن تحزن لأجله، وهذا الذي يبكي الآن على ما مضى لم يكن سوى الجار ذاته اللي كان نازل فيكن وبسنسفيل أجدادكن سفق تقارير، ف..سوري منَّكْ، لا يوجد لديك ما تبكي عليه، لم يكن هناك ما هو لك إلا اسرارك، لم تتمكن من امتلاك شيء بالعلن، فالملك للمخابرات، للرئيس البطل، لعائلته الباسلة، لبطانته المرائية عبر العصور، لذلك استمتعَ السوري بالفقر، خلق من اللا شيء كل شيء، فاللاشيء كان الشيء الوحيد الذي لم تحاول السلطات أخذه منَّك، سوري منَّك، خلقتَ ذكرياتك بنفسك، من تفاصيل الحياة التي سُمِحَ لك بامتلاكها، التفاصيل التي لم يطمعوا بها، لم يروها أصلاً، كانت أصغر بكثير من جشع عيونهم الجائعة، وكنتَ أيضاً لا تريد أن ترى، فمن يرى مصيره ظلام السجن خيِّم، وخيِّم لقلك الآن يا ملك المخيمات، لأنك عندما رأيت ذهبتَ إلى الموت أو المنفى او السجن، المشكلة في عينيك الآن، لكنك تعرف الحقيقة، تعرف أن المشكلة ليست في عينيك، بينما في عيون العالم التي لا تريد أن ترى ما جرى وما يجري حواليك وما عليك، حتى جارتك التي تقول حوالينا وما علينا رأت، رأت ولكنها تابعت لعب دور السوري القديم، إذ لا مكان في سوريا القديمة سوى للإنسان القديم، لا مكان للإنسان الجديد سوى السجون والمنافي والقبور، أو الصمت وسطة الريبة المحاطة به وبصمته، عندهاربما يضطر السوري إلى حمل صور القاتل كي يبقى على قيد الحياة.

بروفة حنطة      528

 

برومو الشهيد ناجي الجرف