رحى

الليرة السورية من الولادة الى الطعن في الخاصرة – حلقة 2 –

الليرة السورية من الولادة الى الطعن في الخاصرة

–  حلقة 2 –

د. عبد الفراتي

كنا قد تناولنا في القسم الاول من هذا المقال عن ولادة الليرة السورية مسيرة طعنها دراكا منذ بداياتها العثمانية المضيئة الى حاضرها المأساوي الاسود , وكنا قد توقفنا عند الالفية الجديدة وبداية صعود بشار الى السلطة مع العام 2000 م , ومن هنا نتابع ..

بداية لابد من القول ان النزيف النقدي لليرة السورية مع بداية ” العهد الجديد ” لم يكن حاضراً على ذلك النحو الجلي في عقد الثمانينات , وذلك ان مقتضيات ” العهد الجديد ” تطلبت فيما يتطلبه إعداد المسرح عدداً من الاصلاحات النقدية توحي بالثقة وبداية الازدهار الاقتصادي الهائل الذي ستنام عليه جياع الشعب للسنوات العشر المقبلة , إلا ان الملاحظ في السنوات الثلاث الأولى ان الهاجس الاقتصادي وتحديثاته قد تصدر المشهد السوري أكثر من اي وقت مضى , ويستشهد على ذلك بإعادة مجلس النقد والتسليف للواجهة النقدية بعد غياب عقود , وافتتاح المصارف الخاصة والتشريع للمصارف الاسلامية , وقد عد ذلك نقلة ” رأسمالية ” حالمة لاشتراكية اكتسبت اسمها في الاشتراك بإفقار السوريين على مدى ” أربعين التيه ” , نعم كان ذلك المشهد الحالم للسطح الهادئ للنهر الذي يحتفظ بأعتى دواماته المالية عميقاً في اغواره القادمة .

هنا كان النصل – نصل الطعنة النقدية لليرة – متخفياً تحت عباءة ” السوق الاجتماعي ” , فقد كان من الجنون التقني , الشروع باقتصاد سوق يقتضي تحرير الليرة بالضرورة , دون اعادة هيكلة اقتصاد التيه الأربعيني الاشتراكي ليستوعب العباءة الجديدة , ولذا وقع التناقض بين بنية مالية ونقدية متهالكة رثة , وبين سياسات انفتاح – تبرق جداً كثياب الرقاصات كما يصف نزار- ليست من التوازن والانسجام في شيء , ساهمت في خلق التخبط النقدي وتصاعد التضخم تدريجياً .

وعلى عكس استراتيجية الثمانيات التي اختطها الاسد الاب بإقحام الطائفة في المجالين العسكري والامني واقصائها عن المشهد الاقتصادي , عمد الابن الى تعميق دخول الطائفة الى المجال الاقتصادي والمالي وبدء مسلسل لا ينتهي من الاحتكار لكل ماله علاقة بالاقتصاد , فبدءاً بشركات الخلوي , الى تعهدات الطرق , الى المشاريع السياحية الكبرى , الى الشركات القابضة ,.. الخ.

هنا انشطر النصل الى نصفين نصل احتكاري , يتحكم بالليرة حيازة وتصريفاً , ونصل استراتيجي يبارك ويتماهى مع شقيقه لإنجاز ” التمام الفني ” للوحة النقدية الجديدة بحلة ” التطوير والتحديث ” !!!

واكتمل المشهد ” بانفصام ” الخطة الخمسية عن الواقع , بتركيزها على قطاعي الصحة والتعليم , وهي قطاعات لا يظهر اثر الانفاق عليها بشكل آني , بل تحتاج الى التراكم المادي والزمني ,وهو ما لا يملكه الاقتصاد السوري لا كماً ولا نوعاً , ما انعكس انفصالاً بين معدلات نمو الناتج القومي الاجمالي الآخذة في الانحدار , وبين معدلات نمو عرض النقود الآخذة في التزايد , تماشياً مع اتساع النفقات وتماهياً مع التضخم الزاحف , ما أفشل استهداف التضخم واستهداف عرض النقود الذين نظَرت لهما الخطط الخمسية المتلاحقة ,فتخطت المعدلات المسجلة المعدلات المخططة على نحو يثير الاستفزاز والسخرية معاً , ودخل الاقتصاد طبيعياً في نفق الركود التضخمي , ما انعكس ارتفاعاً في الاسعار وضعفاً في النشاط الاقتصادي لم تفلح معه سياسات الدعم الغائبة عن الوعي الشعبي .

واصلت الليرة قبيل الثورة استنزافها الصامت , الا انها بدأت بالصراخ مع تفجر الثورة , فقد بلغ النصل عنق الرحم لا الزجاجة …

فمع بداية الثورة بدأ الحل العسكري والأمني للنظام , ومعه بدأ النزيف يأخذ منحى أسَياً , فقد بدأت الآلية العسكرية بحصد الاحتياطي الاجنبي قبل حصد الأرواح والبلاد , وبدأ الاستنزاف سريعاً وضعفت قدرة البنك المركزي بملياراته الثمانية عشر اليتيمة من التدخل لضبط الاستقرار في سعر الصرف , الذي استجاب آنياً لنداء الحرب , ومع الحاجة إلى كسب الشرائح الشعبية , لم يكن بمقدور النظام التراجع عن سياسات الدعم الهزيلة أساساً , ما ضاعف العبء الاقتصادي على الليرة , كما خرج قطاع السياحة بملياراته الثمانية خارج الخدمة , وتوقف النفط عن الضخ النقدي نتيجة العقوبات الاقتصادية , وخروج معظم الآبار النفطية عن سيطرة النظام , و لا حاجة للتذكير بتوقف الاستثمارات وشلل القطاع الصناعي , وقد ادى كل ذلك إلى انهيار الثقة بالليرة نتيجة لانهيار الثقة بمصدرها , ودفع الى انفتاح السوق السوداء والمضاربات على مصراعيها , خصوصاً مع خروج اجزاء واسعة من سوق الصرف خارج ربقة البنك المركزي , ما فجر أسعار الصرف واوصلها لمستويات قياسية ما عهدتها سوريا في أسوء كوابيسها…

في كل تلك المعمعة ليس بوسعنا سوى الضحك من عقوبات الجامعة العربية التي لم يمتثل له العراق ولا لبنان , الشريكان الرئيسان للتجارة السورية , اذ لم تثر تلك العقوبات سوى جلجلة اعلامية استفاد منها النظام لتلميع صورته والتباكي على ” مظلوميته العربية ” , الا ان القطاعات الاقتصادية والمالية داخل البلد كانت اكثر ادراكاً لخطورة الوضع وتداعياته ,نظراً لإحجام السوق الداخلية عن شراء سندات حكومية لا يعرف لها ضمان , وقد تجاوز اقتراض المركزي من البنوك العامة حد الطاقة القصوى مع احجام البنوك الخاصة عن اقراضه, ولا أبلغ من ذلك سوى اعتراف المركزي نفسه بحاجته للاقتراض الخارجي لتفاقم النزف , وسماحه لافتتاح حسابات بالقطع الاجنبي تحاشياً لهروب العملات الأجنبية للخارج , كما رفع الفائدة على الليرة الى 11% في سبيل تحقيق مزيد من ضبط السوق النقدي , ومع ارتفاع فاتورة الانتاج الصناعي وارتفاع الوقود , لم يكن هنالك من بد من ” السيروم الخارجي ” فبدأت القروض الإيرانية بالتدفق بفوائد سيدفع قيمتها الشعب لاحقاً , وبدأت الطباعة الروسية والصينية للعملة الجديدة , التي تتالت إصداراتها حتى اغرقت السوق , ويكفي لنعلم واقع الحال ان من أصل ما يزيد عن 1300 مليار ليرة سورية صرح عنها كرقم للموازنة في العام المنصرم , كان ايراد النظام من كل قطاعاته المسيطر عليها لا يتجاوز 600 مليار بسرة سورية , وما الباقي سوى ” لزهر فوضوي اللون يشربنا على مهل .. “, طباعة من غير غطاء لا اجنبي ولا ذهبي , وعملة ورقية يكاد لا يميزها سوى الصاغة وأهل الكار ,همها دفع الرواتب لا البلاء ..

ازاء كل تلك الطعنات , يدهشني من يتحدث عن ايجابية الاصدار النقدي الجديد بوصفه استراتيجية تصديرية ناجحة! , ” ذلك ان انخفاض سعر صرف العملة محفز للتصدير نظراً لرخص السلع في الداخل عنها للخارج ” – هذا ما تعرفه النظرية الاقتصادية عموماً – غير ان اولئك المتفائلين بتلك الاصدارات لا بد أنهم غفلوا عن الـ 70 % المدمر من القطاع الصناعي السوري , او عموا عن ملاحظة أسواق حلب القديمة وإمكانية تصديرها كلوحات للجنون الممنهج !!!

وطالما ان الموظفين بخير فالليرة بخير – يقول مدير اقتصادي – إذ ان المركزي يصرف ما يقارب الثمانية مليارات ليرة كل شهر لمعاشات ما يقارب الاربعة ملايين ونصف المليون لموظفي القطاع العام والخاص , وهو ما ركزت عليه الخطية الخمسية دون اي اعتبار معامل غلاء المعيشة , او معامل جيني لسوء توزيع الدخل , والذين حققا – ولنا ان نفخر – مستويات قياسية عالمية , ومع الزيادات الصورية التي عمل النظام على اصدارها لكسب الطبقة الموظفة تباعاً , إن ان لا شيء بوسعه مسابقة الأسعار , فقد قفزت فطرياً بشكل أسي , وسقطت الليرة سقوطاً حراً , ومع الإقرار بضعف الرقابة وغيابها في كثير من المناطق , يصبح من السهل الإدراك مدى تأزم احوال محدودي الدخل , براتب ثابت لا يسعهم تغييره وأسعار مثل الرمال المتحركة لا يسعهم إيقافها ولا تفاديها ,ويمكن باختصار ان نلخص أسباب ارتفاع الدولار أمام الليرة في أربعة مسببات رئيسة هي :

–       الآلة العسكرية التي استزفت الاحتياطيات الاجنبية الشحيحة أساساً , ما أفقد الليرة غطائها الاعتيادي وصرف مخصصات الاستقرار النقدي الى تمويل الحرب على الشعب .

–       خروج النفط كماً ونقداً من حسابات الإيراد الاجنبي , فمن سيطرة الثوار على اجزاء واسعة من حقول النفط , إلى الحظر الأوربي والأمريكي على النفط السوري الممول الرئيس للقطع الاجنبي للموازنة .

–       تسييل الموجودات المحلية وتحويلها إلى عملة اجنبية نتيجة ظروف الريبة وعدم التأكد وفقدان الثقة بالعملة المحلية او لأغراض النزوح او السفر , او حتى لشراء المواد العينية , وهو ما يعرف اقتصادياً بـ ” ظاهرة الهروب من النقود “.

–       خروج حلب خارج المشهد الاقتصادي نتيجة الدمار الهائل الذي لحق الصناعة فيها , واقتصار التسعير عملياً على دمشق , ما خلق تشوهات سعرية في الصرف , وعمق من تأثير السوق السوداء .

وكاستراتيجية يائسة للدفاع عن الليرة السورية , عمد النظام الى عقد الاتفاقيات الثنائية مع حلفائه لإيجاد اسواق تصريف للباقي من الصناعة السورية سواء في روسيا او ايران , بهدف خلق قناة لتدفق القطع الاجنبي , بعد إغلاق معظم الأسواق العالمية في وجه المنتجات السورية , الا ان هذا الاجراء ليس سوى اجراء مؤقت وله قدرة محدودة على البقاء , وهو عرضة للتغير مع التغيرات على الأرض , وهو يتخذ شكل الحل الاسعافي اكثر منه كاستراتيجية اقتصادية , اذ ان بناء استراتيجية اقتصادية ومالية جديدة واعادة رسم خارطة التحالفات الاقتصادية يحتاج مقومات عدة لا يزال النظام لا يملك ادناها,كما ان محاولات إعادة الثقة الشعبية بالليرة باءت بالفشل , فقد استمر الاحجام عن الايداع في المصارف العامة رغم التحفيزات النقدية وتغيرات معدلات الفائدة لصالح المودعين , وليس ذلك بغريب فما الذي ينتظره المواطن عندما يقوم المصرف المركزي – وهو ما يفترض به ان يكون حجر الزاوية في النظام النقدي , وبيت أمانه – بصرف التحويلات النقدية الاجنبية التي يرسلها السوريون من الخارج الى اهلهم وذويهم في الداخل بالليرة السورية حصراً , رغم ارسالهم اياها بالقطع الاجنبي , بل وبسعره النظامي لا بسعر الصرف في السوق السوداء , ولنا ان نتخيل البون الشاسع بين السعرين , وليس هذا سوى جزء من منهجية عميقة يعمل بها المركزي لتغطية نفقاته المتزايدة , فهو يمول أي زيادة نفقات طارئة بالاستفادة من فرق سعر الصرف بين السوق الرسمية والسوداء , ولا ابلغ من تسمية ذلك سوى ” منهج الإطفائي ” الذي يشعل النار ثم يحاول إطفائها كيفما اتفق…

هكذا ولدت الليرة السورية من الخاصرة , لكنها تعيش كذوي الاحتياجات النقدية الخاصة…

 

بروفة حنطة      532

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بروفة حنطة      533

برومو الشهيد ناجي الجرف