حنطة جلب

أيام على وقف إطلاق النار، سكان حمص يعودون إلى منازلهم المدمرة ..

أيام على وقف إطلاق النار، سكان حمص يعودون إلى منازلهم المدمرة ..

عن موقع الواشنطن بوست

بقلم : لوفداي مورس

ترجمة: غياث عبد العزيز

********************************************************************************

هناك، يحاولون إنقاذ ما يمكن من ذكرياتهم: باقة ورورد بلاستيكية، قطعة من الكريستال، بعض الكتب التي ملأها الغبار، لقد تم تهجيرهم منذ عامين من المدينة التي تتوسط سوريا، ومنذ ذلك الوقتبقيت أعينهم على منازلهم التي تركوها.

توالت الأقوايل خلال عامين حول تلك المدينة المنكوبة، والتي يسميها الثوار بفخر: “عاصمة الثورة السورية”، وبعد الاتفاق الذي عقده المقاتلون الأسبوع الماضي مع النظام، والذي يسمح لهم بالخروج الآمن من مقراتهم بعد أن أصبح الوضع خارج سيطرتهم، سُمح للسكان الذين هربوا من المعارك بالعودة وتفقد الأضرار التي حلت ببيوتهم.

برج الساعة في المدينة القديمة، والذي كان مقراً لاحتجاجات واسعة ضد الرئيس السوري، أصبح الآن آخر بوابة إلى المدينة القديمة التي قُصفت مع أجزاء أخرى من حمص، ومن المتوقع ان يتم رفع العلم السوري فوقه، في احتفال للحكومة بعد الضربة المريرة التي وجهتها للثوار الذين قاتلوا هنا.

عودة حمص القديمة إلى أيدي الحكومة أعادت الثقة إلى الأسد الذي يستعد للانتخابات الرئاسية، والتي تم رفضها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وعدة دول بوصفها خدعة. وفوز الأسد بفترة ولاية ثالثة مدتها سبع سنوات ستجعل إمكانية التحول السياسي في البلاد أبعد مما هي عليه. وعلى الرغم من ان حكومة الأسد منيت بعدة إنتكاسات في مناطق أخرى من البلاد، فإن سقوط حمص القديمة يعد خطوة كبيرة في سعيها للسيطرة على وسط سوريا.

إلا أن حمص لم تكن لقمة سائغة.

ثلاث سنوات من الغارات الجوية والقصف بالمدفعية والهاون والصواريخ على المناطق التي يسيطر عليها الثوار كانت كافية لتغيير شكل المدينة، حتى أن حسين علي، 21 عاماً، لم يستطع التعرف على متجر أسرته في حي القصور، احد اكثر الأحياء تضرراً. “الأمر مؤلم للغاية كي نتحدث عنه”. يقول حسين.

السكان قاموا باسئجار شاحنات من اجل نقل ما تبقى من ممتلكاتهم، وقد عانى الكثيرون في فتح أقفال بيوتهم التي لم تفتح منذ عامين، الكثير فكر بما يمكن أن يجد في منزله.

بالنسبة للبعض،ما وُجد كان أفضل من المتوقع.

“كنا نظن أننا سنجد المكان بأكمله على الأرض” يقول أبو مصعب، البالغ من العمر 44 عاماً وهو من سكان حي جورة الشياح، والذي غادر حمص منذ عامين ونصف العام.

ويضيف أبو مصعب: “كان من الصعب ان أكون متفائلاً وأنا أقف تحت فجوتين في سقف منزلي. لكني بالتأكيد سعيد لأنني لم أعثر على مجرد ركام، الوضع أفضل بالتأكيد من السكن في خيمة”.

التجويع:

لقد قامت الحكومة بعقد هذه الصفقة كما تقول كخطوة من برنامج “المصالحة” لإنهاء الصراع الذي دخل عامه الرابع. استغرق الأمر عامين من التكتيك العسكري لإنهاك مقاتلي المعارضة في حمص وعزلهم عن العام الخارجي، والتضييق عليهم في أصغر بقعة جغرافية ممكنة من الأرض.

ترفرف الأعلام السورية اليوم فوق المباني المدمرة، وتنتشر أيضاً كتابات الثوار على الجدران بشكل واضح. “نحن أقوياء”، “شمس الحرية ستشرق”، تقول بعض العبارات الموقعة باسم لواء الحق. إضافة إلى عبارات أخرى تهدد المخبرين، وعبارات ملصقة على المباني تدعو جماعات المعارضة لحشد مقاتليها من أجل كسر الحصار.

في شباط/فبراير الماضي، وبعد هبوط معنوياتهم، استغل مئات الثوار الفرصة لمغادرة المناطق المحاصرة في حمص بموجب هدنة برعاية الأمم المتحدة.

خالد الترقاوي، 26 عاماً، كان واحداً من هؤلاء المقاتلين، سلم نفسه لمركز تبادل تابع للحكومة في مدرسة في حمص القديمة، حيث تم احتجازه مع غيره من المقاتلين لتحديد ما إذا كانوا مؤهلين لتطلق السلطات سراحهم. يقول خالد: “كغيري من المقاتلين الذين سلموا انفسهم، كان الجوع هو السبب، لقد أصبنا بخيبة أمل من قادتنا الذين كانوا يخزنون الطعام”.

وبحسب مدير مركز التبادل عمار الحشمة، فإن أكثر من ألف مقاتل من المعارضة سلموا أسلحتهم في المدرسة.

أما الشبان المتخلفين عن أداء الخدمة العسكرية، أو أولئك المنشقين عن الجيش، فيبقون وقتاً اطول في مركز المبادلة، حيث يتوقع لهم أن يقاتلوا في صفوف الجيش النظامي الذي كان منذ وقت ليس ببعيد عدوهم، وسيتم تجنيدهم إجبارياً بعد فترة.

“كنا مكتئبين بسبب تلك النهاية”، قال حسن حسّون، 21 عاماً، وهو احد الذين قاتلوا في صفوف لواء الصدّيق قبل أن يستسلم قبل 15 يوماً. “لقد فقدنا الأمل، ووصلنا إلى حافة الموت. لم نعد نهتم لأي شيء بعد الآن”..

وقد سُمح الأسبوع الماضي للذين لم يسلموا أنفسهم بالخروج مع أسلحتهم والتوجه إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة شمالي حمص، ويبلغ عدد هؤلاء حوالي 1930 شخصاً، وفقاً لمحافظ حمص طلال برازي.

وأضاف برازي: “تجري الآن جهود للمصالحة في الرستن التي تسيطر عليها المعارضة، وقد بدأت الحكومة يوم الثلاثاء بالإفراج عن 104 سجناء كبادرة لبناء الثقة”.

كيف حصل ذلك؟؟

القس زياد هلال، قس يسوعي استقل الحافلة مع مقاتلي المعارضة الذين غادروا المدينة المدمرة، وقد طلب زعماء المقاتلين من الشخصيات الدينية البارزة الانضمام إليهم في الرحلة لضمان سلامتهم. يقول القس زياد: ” كان السكان يغادرون بيوتهم والشعور بالألم بادٍ على وجوههم، لكن الجميع أيضاً كان متفائلاً بالعودة”، ويضيف “سؤال واحد كان لدى الجميع: كيف حصل ذلك؟؟”.

القس زياد كان يتحدث لنا أثناء جلوسه إلى جانب قبر القس فرانز فان دير لوغت، وهو قس هولندي جعل من سوريا بيته، ورفض مغادرة المناطق المحاصرة في المدينة القديمة، إلا أنه قتل قبل أسابيع فقط من اتفاق الإخلاء.

المدينة القديمة كانت موطنا لحوالي 80.000 مسيحي، لكن في نهاية الحصار بقي داخلها فقط 23 منهم، عادوا يوم الإثنين.

“دعونا نعيش مع الحاكم المستبد”، يقول القس مايكل رباحي، من كنيسة الروم الأرثوذوكس في حي الحميدية، والتي تهدم معظم بنائها.

وفي مكان غير بعيد، دُمر مسجد خالد بن الوليد الشهير، وانهار سقف قبة الضريح الذي كان مزاراً للمسلمين السنة، وانتشرت الشعارات الشيعية على جدرانه، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الإنقسام الطائفي.

وفي قلب المدينة المدمرة، من المبكر جداً الحديث عن خطط لإعادة الإعمار. لكن السكان الذين استعادوا ما تبقى من ممتلكاتهم تعهدوا بإعادة بناء حياتهم هناك إذا سمح لهم بالبقاء. لقد استقبلوا جيرانهم القدامى بكثير من العاطفة.

“حتى ولو أعطوني قصراً في دمشق، فإنني سأعيش هنا”، يقول أبو مصعب المقيم في جورة الشياح، “عندما تترك وطنك فإنك تفقد شسئاً من نفسك، وعندما تعود لوطنك فإنك تعرف من تكون”.

في قلب دمر من المدينة، فإنه من السابق لاوانه الحديث عن خطط إعادة الإعمار. ولكن لأنها التقطت من خلال ما تبقى من ممتلكاتهم، تعهدالأسر على إعادة بناء حياتهم هناك – إذا سمحلهم بالعودة من أجل الخير. كانوا في استقبال الجيران القديمة، والغلاف الجوي السميك مع العاطفة.

 

بروفة حنطة      534

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بروفة حنطة      535

برومو الشهيد ناجي الجرف