خميرة

عبر كتابٍ يقدم محاضراته في الإخراج فيزفولد مايرهولد، مستعاداً في الحاضر المسرحي العربي..

عبر كتابٍ يقدم محاضراته في الإخراج

فيزفولد مايرهولد، مستعاداً في الحاضر المسرحي العربي..

                                                                              

علي سفر

 

هذا كتاب انتظره المسرحيون العرب طويلاً، فمنذ عام 1979 تاريخ صدور ترجمة المخرج السوري الراحل شريف شاكر لكتاب “في الفن المسرحي” بجزئيه، غاب فيزفولد مايرهولد، عن ساحة المؤلفات المسرحية الصادرة باللغة العربية، إلى أن صدر هذا الكتاب مفتتحاً سلسلة الترجمة في إصدارات الهيئة العربية للمسرح.

ولعل السؤال الذي كثيراً ما كان يطرحه المسرحيون العرب إنما كان يدور حول أسباب غياب ترجمة لأعمال مايرهولد، ويبدو أن أحداً لم يك يملك جواباً له، سوى أولئك الذين توغلوا عميقاً في عوالم التنظير الذي برع فيه هذا المسرحي الروسي ذي السيرة الشخصية والإبداعية الملفتة، خاصةً في مسألة”الشرطية المسرحية” التي دمجها مع مفهوم “الأسلبة”، فالمفاهيم لديه تنتمي إلى نسقٍصعبٍ يعشّق بين الفهم العلمي وبين التجربة العملية، وكان المخرج الراحل شريف شاكر قد استعان بزوادته العملية كي يقرب بين مفاهيم مايرهولد النظرية/ العملية إلى الجمهور العربي في كتاب “في الفن المسرحي” الذي أشتمل على عددٍ كبيرٍ من مقالاته وأبحاثه النظرية، غير أن جزءاً كبيراً من مؤلفات مايرهولد ذات الطابع العملي قد ظل بعيداً عن القارئ العربي بسبب استنكاف المترجمين عن المغامرة، وليأتي هذا الكتاب الذي ترجمه عن لغته الأصلية د.مؤيد حمزة كي يسد هذا الفراغ الخطير، الذي طالما تسبب وجوده بقراءات تأويلية للمفهوم النظري لدى مايرهولد خلقت فيما خلقته نوعاً من سوء الفهم للمفاهيم ذاتها، ولطريقته في إعداد الممثل، خاصةً وأن السياق الحضاري الأوروبي قد استطاع فهم وهضم هذه الطريقة ضمن الإضافات التي قدمها مخرجون لاحقون له..

وفي الحقيقة إن تجربة مايرهولد المسرحية الغنية والتي قصفت وانتهت بشكلٍ قسري على يد الشرطة السرية الروسية، كان يمكن لها أن تبلغ منزلةً عاليةً فيما لو بقي على قيد الحياة ولم يعتقل في عام 1938 ويتم إعدامه في بداية عام 1940، بعد سنتين من التحقيق القاسي، والذي قيل أنه كان يتركز حول معتقدات نظرية لا تتماشى مع الرؤية الرسمية للحزب الشيوعي الروسي فيما يخص الفن، حيث وجهت له “تهمة الشكلانية والتحريفية ضد مبادئ الواقعية الاشتراكية المعتمدة من قبل الدولة”، ورغم أن مايرهولد لم يكن المبدع الروسي الوحيد الذي لقي هذا المصير، إلا أن حجم تجربته السابقة ورسوخ شأنه في تجديد العوالم المسرحية قد جعل من غيابه كارثة حقيقية على تلامذته وعلى المسرح الروسي بشكلٍ عام.

إنجازات مايرهولد في تاريخ المسرح كبيرة من حيث تأثيرها على مجايليه ومن أتى بعده، فقد كان مهجوساً بالبحث عن أشكال مسرحية جديدة، تغّلب القيم الفنية على قيم النقل والمطابقة بين الواقع وبين الخشبة،ومن خلال أعماله المسرحية في بدايات القرن، مال بشكل مباشر نحو استخدام مبدأ “الشرطية”Conditionalism و”الأسلبة”Stylization، مما جعله يحاول إيجاد مرتكزات حقيقية مادية على الخشبة تحقق لهذين المفهومين أدواتهما في العرض المسرحي، كالعمل على تعديلات في شكل الخشبة المسرحية، واستخدام الديكور، وإعادة النظر في هيكليته، والعمل على أنماط سردية جديدة تتيح للممثلين تقديم الشخصية المسرحية بوصفها صوت بذاته أو نغمة دالة Leitmotiv، كما عاد إلى الأداء الإيمائي ليصنع مقاربةً بين المسرح الحديث،وبين الأصول الأولى لعمل الممثل، وصولاً إلى اشتغاله على منهج “البيوميكانيكا” Biomechanics ، الذي يقوم على استخدام الجسد كحالة إيقاعية موسيقية، كما أنه توصل في مرحلةٍ متقدمةٍ إلى بحثه الهام في إعادة تنظيم العلاقة بين الخشبة وبين المشاهد، لتكون أكثر قرباً بعيداً عن التفاصيل المعلبة التي كان المسرح التقليدي يضعها في عملها والتي تصنع مسافةً ذهنيةً تقليدية بين الاثنين في سياق عملية التلقي..

لقد تحدث مايرهولد عن هاجسه بالأسلبة بالقول:” ما أقصده بكلمة أسلبة ليس إعادة تصوير أسلوب عصرٍ أو حدث ما وإنما تشكيل بنيته وجوهره، أي استخراج الخلاصة الداخلية لعصرٍ أو لحدث ما، وإعادة تشكيل صفاته المخبأة بمساعدة كل الوسائل التعبيرية. وأنا أربط بذلك بين فكرة العرف، والتعميم والرمز”.

وبالإعتماد على هذه الركيزة التعريفية الواضحة غير القابلة للتآويلات المبهمة، يقدم مايرهولد في محاضراته الإخراجية تفكيكاًللمصطلح و إعادة للبناء عليه ضمن ثلاثة محاور اشار إليها المترجم في مقدمته،وهي: التأليف والإعداد المسرحي، والمشهدية المسرحية، والتمثيل.

إن هذا الكتاب موجه برمته إلى المخرج المسرحي، الذي يتحمل واجبات النهوض بالمشروع المسرحي من الألف إلى الياء، فالمخرج وضمن المنهجية الجديدة يجب أن يرسخ رؤيته منذ مطالعته للنص،إذ يصبح من واجب القارئ/ المشتغل في المسرح وكما يرى مايرهولد في المحاضرة الثانية من محاضرات الكتاب، وبعد رؤيته للوحة التي أنشأها المؤلف ملاحظة “أن كل تراكم الأحداث لايشبه الواقع على الإطلاق…وأن الذي يحدث أمامك عبارة عن معجزة ما، نتاج مخيلة ما، والتي تجبرك على الشعور بالقلق بطريقة خاصة مميزة. بقراءة هذا العمل، ومحاولة تجسيده في مخيلتك، لا ينبغي عليك أن تكرر أفكار المؤلف وبنفس الترتيب الموضوعة فيه. إذ أن العبرة هنا ليست في الترتيب المفصل للتفاصيل الدقيقة، العبرة هنا ليست في الترتيب المفصل للتفاصيل الدقيقة، العبرة هنا في نسيان كل دقائق الامور وماولة تصور وضعية عامة ومسارات الأحداث، وهو ما يسمى “Miseenscène” لابد من محاولة تصور الوضعية العامة للمشهد فحسب يمعنى إعادة بنائها مشهدياً باستخدام كل العناصر المشهدية، ولابد من أن تعلم نفسك تجسيد هذه الوضعية بوضوح أمام نفسك ممسكاً من المضمون ماهو أكثر متعة وأكثر إثارة لإحساسك.” (ص51-52).

واجب المخرج هنا هو استخلاص الرؤية من النص، وليس نقل النص حرفياً إلى الخشبة كما كان مخرجو المسرح الطبيعي يفعلون حين يقومون بوضع أدق التفاصيل الواقعية على الخشبة، مكرسين فضاءاً يحيط بالمشاهد ليغلق عليه بوابات ونوافذ الخيال.

هذه الرؤية التي يقدمها مايرهولد تقف بالتضاد مع التيار الذي ساد في فترةٍ سابقةٍ في المسرح الروسي والذي اتبع خطى مدرسة مايننغن (من ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر) التي بات التمرد عليها ضرورة ملحّة في ظل التطوارت التي حركتها التيارات الفنية الثورية في بدايات القرن في روسيا و أوروبا بشكلٍ عام.

إن دور المخرج وكما يرسمه مايرهولد يمر في كل التفاصيل التي يجب أن يراها المشاهد على الخشبة، والتي يجب أن ترسم وتشكّل وفق مزاج معاصر يبتعد عن التقليدية، وطبقاً لهذا التوجه يصبح المخرج معنياً بقراءة الفن التشكيلي، كما هو معني بقراءة الأبحاث النفسية التي تفكك بنى الشخصيات التي تقدمها النصوص المسرحية..

مايرهولد في المحاضرات المنشورة ههنا يمر وبشكل موسع على كافة التفاصيل، فهو يتحدث عن الخشبة المسرحية تاريخياً، كما أنه يجري مقاربات بين أشكال الخشبة لدى الشعوب التي ساهمت في تاريخ المسرح، ليوضح أن المسرحيين القدماء لم يتعاملوا مع العناصر المسرحية كعناصر واقعية حياتية، بل إنهم قدموها – بعفوية – من خلال منطق “شرطي” كان يستعيض عن الكل بالجزء، ومكملاً الواقع الحياتي على الخشبة عبر تنمية خيال المتفرج، بحيث أن هذا الأخير لن يكون بحاجة للتركيز على دقة التفاصيل قدر حاجته للتركيز على الخطاب الذي يقوله ويبثه الممثل.

إنه يفصّل في واجبات ومواصفات المخرج المستقبلي، الذي سينقل حالة المسرحية من العتبة التقليدية إلى عتبة أخرى مختلفةٍ كلياً فالمخرج لديه هو: “ذلك الشخص، الذي يجمع في العرض المسرحي مجموع (Collective) كل المبدعين المشهديين (الممثلين، الدراماتورغ، الفنان-مصمم الديكور، وغيرهم)، من أجل أن يحقق في كل عناصر العرض المشهدي (في أداء الممثلين، وفي إعداد الخشبة، وفي الإضاءة وغيرها) فكرة فنية واحدة” (ص 85).

مايقدمه مايرهولد في هذه الخلاصات التي تنقض السائد المسرحي يستند وبشكل كبير إلى المنجز الذي قدمه ستانسلافسكي الذي حاول في فترة سابقة في بدايات القرن العشرين (1905) الخروج على تأثير مايننغن في تجربة “مسرح الفن” في المرحلة الأولى لنشاطه، كما أنه يستمد قوته من نقض غوردون كريغ لكل مبادئ المدرسة الطبيعية في العمل المسرحي ابتداءاً من الزي و انتهاءً بتوصيف دور الممثل على الخشبة (ص 128)، كما أنه يستعيد ظلال التجربة الروسية التي قامت وعبر مختبرها الخاص بوضع الملامح الأساسية لمفهوم “الشرطية المسرحية” عبر تجربة “مسرح الأستوديو” الذي حاول فيه المسرحيون الشباب التمرد على قواعد “الطبيعية” ونجحوا في مسعاهم رغم أن نشاطهم قد بقي ضمن حدود التجريب الذي لم يطرح للجمهور مباشرة، وصولاً إلى لحظة تأسيس مسرح ” كوميسار جفسكايا” الذي منح بعروضه صفة “اليسارية” لمسرح موسكو الفني.

لقد خلقت هذه التجربة بؤراً نظريةً وعمليةً يحاول مايرهولد تقديمها إلى متلقي محاضراته عبر التفصيل في كل عنصر من عناصر العمل المسرحي، ومما يلفت الإنتباه كثيراً للقارئ الذي سيطلع عليها أن مايرهولد لا يقدم هذه المعطيات بطريقةٍ مدرسيةٍ معلبةٍ، بل إنه غالباً ما يقفز بين الأجزاء وبشكلٍ يضعنا أمام ضرورة ألا ينظر المسرحيون إلى الصيغة “الجديدة” الثورية على أنها مجرد إختلافات تقنية، بين المسرح القديم، وبين المسرح المستقبلي، فالقضية اكبر من أن تكون محض بنودٍ وتعدادات، بل هي نظرة ثورية جديدة، تذهب نحو رؤية العالم الذي يجب أن تشيده الخشبة المسرحية بوصفه مشروعاً تنموياً حقيقياً يقوم على جعل المشاهد مشاركاً في الفعل المسرحي، عبر جعل خياله متوثباً وترك أفكاره نشطةً تأخذ من الخشبة الجزء لتكمل بذاتها الكل..

إن بحث مايرهولد في هذه التفاصيل وضمن الزمان والمكان اللذين كتبت وألقيت فيهما هذه المحاضرات يوضح وبشكل جليّ كيف أن المبادئ المسرحية التي باتت بديهية في زمننا الحاضر كانت موضع بحث ونقاش وصراع فكري قبل قرنٍ من الآن، وعليه فإن مطالعة هذا الكتاب، والتي تبدو محفوفةً بالعودة لآليات تشكل الكثير من المفاهيم السائدة حالياً في جوهر العمل المسرحي، مما ينشط الأسئلة حول الضرورات التي تجعل المسرحيين يذهبون في أعمالهم نحو استخدام التقنيات، فكلما عرفنا الأسباب كلما تمسكنا بالنتائج الضرورية، بحيث أننا نتمسك بالأدوات التي تيسر لنا صناعة عروض مسرحية جيدة، نتخلى فيها عما يمكن له أن يعطل صناعة الخطاب، ويعطل أيضاً وصوله بشكل جيد للمتلقي الذي تمارس عليه الحياة الحديثة بذاتها قواعدها..

كتاب ” محاضرات مايرهولد في الإخراج” تحفة نظرية وعملية، إنه سجلٌ مهني يحتاجه كل من يرغب في ترقية السوية المعرفية للعمل الإخراجي المسرحي..

بروفة حنطة      538

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بروفة حنطة      539

برومو الشهيد ناجي الجرف