ملف

ضياع البوصلة بين الداخل والخارج

رياض‭ ‬درار

معارض‭ ‬وباحث‭ ‬إسلامي

لم‭ ‬تتشكل‭ ‬لدينا‭ ‬معارضة‭ ‬بالمعنى‭ ‬الصحيح‭ ‬والمعروف‭ ‬للمعارضة‭ ‬عند‭ ‬أمم‭ ‬أهل‭ ‬الأرض،‭ ‬لدينا‭ ‬مجموعات‭ ‬سياسية‭ ‬متناحرة،‭ ‬أو‭ ‬متصارعة،‭ ‬هدفها‭ ‬إزاحة‭ ‬الخصم‭ ‬والحلول‭ ‬محله،‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬برنامج‭ ‬الجميع‭ ‬يتمثل‭ ‬بكيفية‭ ‬الجلوس‭ ‬على‭ ‬كرسي‭ ‬الحكم،‭ ‬ولم‭ ‬تتبنَ‭ ‬أيٌ‭ ‬منها‭ ‬عملية‭ ‬سياسية،‭ ‬أوخطاً‭ ‬تحتَكم‭ ‬فيه‭ ‬للجماهير،‭ ‬وتنتظر‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬بها‭ ‬صندوق‭ ‬الانتخاب‭.‬

ماعدا‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭ ‬قبل‭ ‬الوحدة‭ ‬السورية‭ ‬المصرية،‭ ‬فإن‭ ‬الحكم‭ ‬المستبد‭ ‬عبر‭ ‬مراحله‭ ‬المتنوعة‭ ‬منذ‭ ‬خروج‭ ‬المستعمر،‭ ‬أفرغ‭ ‬المعارضات‭ ‬من‭ ‬مضمونها‭ ‬الايديولوجي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬برامج‭ ‬عملية‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬وبقي‭ ‬شعارات‭ ‬عريضة،‭ ‬سواء‭ ‬بالإسلام‭ ‬كدعوة‭ ‬عريضة،‭ ‬وكمشروع‭ ‬عالمي‭ ‬وحلم‭ ‬يملأ‭ ‬الخيال،‭ ‬ويرعد‭ ‬على‭ ‬المنابر‭ ‬دون‭ ‬إمكان‭ ‬للتنفيذ،‭ ‬قامت‭ ‬السلطات‭ ‬برعايته‭ ‬وسحبه‭ ‬من‭ ‬أيدي‭ ‬دعاته،‭ ‬وتقديم‭ ‬البديل‭ ‬من‭ ‬صنائعها‭.. ‬والقوميون‭ ‬الذين‭ ‬تشاركوا‭ ‬مع‭ ‬الأنظمة‭ ‬الحاكمة‭ ‬في‭ ‬منطلقاتهم‭ ‬وشعاراتهم،‭ ‬أُسكتوا‭ ‬بالتدجين‭ ‬أو‭ ‬الإقصاء‭ ‬والإلجام،‭ ‬ولعلّ‭ ‬لعبة‭ ‬الجبهة‭ ‬الوطنية‭ ‬التقدمية‭ ‬كانت‭ ‬خير‭ ‬تمثيل‭ ‬على‭ ‬الإخصاء‭ ‬الذي‭ ‬حصل‭ ‬للقوى‭ ‬السياسية،‭ ‬عدا‭ ‬الإسلاميين‭ ‬الذين‭ ‬تم‭ ‬سحقهم‭ ‬بعد‭ ‬صراع‭ ‬مرير‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬إسكات‭ ‬كل‭ ‬صوت‭ ‬معارض،‭ ‬وساد‭ ‬الصمت‭ ‬بعدها‭.‬

أو‭ ‬بالشّيوعية،‭ ‬وهي‭ ‬منظومة‭ ‬ايدولوجية،‭ ‬أقامت‭ ‬دولاً،‭ ‬ولها‭ ‬امتدادات‭ ‬عالمية‭ ‬ودخلت‭ ‬صراعات،‭ ‬لكن‭ ‬الشّيوعيين‭ ‬لم‭ ‬يتمكنوا‭ ‬من‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬المجتمع‭ ‬ولا‭ ‬منافسة‭ ‬الأنظمة‭ ‬التي‭ ‬بدورها‭ ‬تبنت‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والشعارات‭ ‬الرافعة‭ ‬لهذه‭ ‬المنظومة،‭ ‬وفرغتها‭ ‬من‭ ‬مضمونها،‭ ‬بل‭ ‬استوعبت‭ ‬أفرادها‭ ‬في‭ ‬مؤسّساتها‭ ‬ودجّنتهم‭ ‬في‭ ‬مشاريعها‭.‬

الصمت‭ ‬ساد‭ ‬المرحلة،‭ ‬واكتفت‭ ‬المعارضات‭ ‬ببيانات‭ ‬دورية‭ ‬اقتصرت‭ ‬على‭ ‬محازبيها‭ ‬الذين‭ ‬تقلصوا‭ ‬جيلاً‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الفناء‭ ‬أو‭ ‬الشيخوخة،‭ ‬الإخوان‭ ‬وحدهم‭ ‬دخلوا‭ ‬مرحلة‭ ‬صراع‭ ‬حتى‭ ‬الموت،‭ ‬وخسروا‭ ‬معركة‭ ‬الثمانينات،‭ ‬وخرجوا‭ ‬من‭ ‬الساحة‭.‬

النّظام‭ ‬المستبد‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬شريكاً‭ ‬له،‭ ‬واستطاع‭ ‬تحويل‭ ‬الجميع‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬تنفّذ‭ ‬إرادته‭ ‬أو‭ ‬تزايد‭ ‬عليه،‭ ‬وصار‭ ‬الجميع‭ ‬يخشى‭ ‬من‭ ‬الجميع،‭ ‬وسيطرت‭ ‬القوى‭ ‬الأمنية‭ ‬وتسربت‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المواقع‭ ‬والدوائر،‭ ‬وكلّ‭ ‬فرد‭ ‬أصبح‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬نفسه‭ ‬رقيب‭. ‬

الهامش‭ ‬البسيط‭ ‬لحركة‭ ‬المعارضة‭  ‬بقي‭ ‬تحت‭ ‬السيطرة‭ ‬لايسمح‭ ‬لها‭ ‬بالحركة‭ ‬إلا‭ ‬بحدود،‭ ‬لذلك‭ ‬حين‭ ‬فُتح‭ ‬المجال‭ ‬خلال‭ ‬المرحلة‭ ‬الانتقالية‭ ‬للتّوريث،‭ ‬تفتّحت‭ ‬براعم‭ ‬ربيع‭ ‬دمشق،‭ ‬لكنّها‭ ‬ما‭ ‬لبثت‭ ‬أن‭ ‬انهارت‭ ‬لسوء‭ ‬نموّها‭ ‬بغياب‭ ‬تجارب‭ ‬الزّراعة‭ ‬الدّيمقراطية،‭ ‬ولممارساتها‭ ‬الإقصائية‭ ‬التي‭ ‬منعت‭ ‬استقرارها‭ ‬للبناء‭ ‬الصّحيح‭ ‬عليها،‭ ‬فزجّ‭ ‬النظام‭ ‬أبرز‭ ‬قادتها‭ ‬في‭ ‬المعتقل،‭ ‬ليسكت‭ ‬البقية،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أغلق‭ ‬المنتديات،‭ ‬وأبقى‭ ‬على‭ ‬منتدى‭ ‬الأتاسي‭ ‬لمرحلة‭ ‬لاحقة‭ ‬يدرس‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬الأشخاص‭ ‬وحركة‭ ‬الناس‭ ‬والأفكار‭ ‬المطروحة‭ ‬ويراقبها،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬جدوى‭ ‬باستمراره،‭ ‬فقد‭ ‬اقتصر‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬النّاشطين،‭ ‬ولم‭ ‬يشكّل‭ ‬ظاهرة‭ ‬مدروسة،‭ ‬ولاتقدّم‭ ‬بمشاريع‭ ‬تطوير‭ ‬للحراك‭ ‬السّياسي‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬النّظام‭ ‬الأمني‭ ‬موجوداً‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬المعارضات،‭ ‬فهو‭ ‬يخترقها‭ ‬أو‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تشكيلاتها‭ ‬أو‭ ‬يروضها‭ ‬لتتبع‭ ‬له‭ ‬وتسير‭ ‬على‭ ‬هديه،‭  ‬فشعاراتها‭ ‬وسياساتها‭ ‬هي‭ ‬سياساته،‭ ‬وهم‭ ‬يعرفون‭ ‬الخطوط‭ ‬الحمر،‭ ‬فلا‭ ‬يتجاوزونها‭ ‬ولا‭ ‬يحيدون‭ ‬عنها‭.‬

باستبعاد‭ ‬عملية‭ ‬المؤامرة،‭ ‬واتخاذ‭ ‬رؤية‭ ‬مسبقة‭ ‬للحكم‭ ‬على‭ ‬سير‭ ‬حركة‭ ‬المعارضة،‭ ‬ودون‭ ‬تخوين‭ ‬أو‭ ‬وصم‭ ‬بالارتباط‭ ‬والانخراط‭ ‬في‭ ‬أجندات‭ ‬غير‭ ‬وطنية،‭ ‬ومع‭ ‬التسليم‭ ‬الكامل‭ ‬بحق‭ ‬الجميع‭ ‬باتخاذ‭ ‬الرؤية‭ ‬والموقف‭ ‬الذي‭ ‬يراه‭ ‬مناسباً،‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نحكم‭ ‬على‭ ‬المعارضة‭ ‬بافتقادها‭ ‬لتجارب‭ ‬سياسية‭ ‬بنائية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تستمر‭ ‬على‭ ‬أساسها‭ ‬أحزاب‭ ‬دون‭ ‬انقسامات،‭ ‬أو‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬رؤى‭ ‬لبناء‭ ‬الدولة،‭ ‬أو‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تخترق‭ ‬المؤسسات‭ ‬والنقابات‭ ‬والكيانات‭ ‬والرؤوس‭ ‬ليصبح‭ ‬لها‭ ‬رصيد‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحتكم‭ ‬لصندوق‭ ‬انتخابي‭ ‬أو‭ ‬انتقال‭ ‬ثوريّ‭ ‬تكون‭ ‬هي‭ ‬على‭ ‬رأسه‭.‬

لذلك‭ ‬حين‭ ‬قامت‭ ‬ثورة‭ ‬الشباب‭ ‬رفضت‭ ‬الجميع،‭ ‬ولم‭ ‬تقبل‭ ‬إلاّ‭ ‬ببعض‭ ‬رموز‭ ‬قدّمتهم‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬مغشوشة‭ ‬بكتاباتهم،‭ ‬أو‭ ‬طول‭ ‬فترة‭ ‬إقامتهم‭ ‬في‭ ‬سجون‭ ‬النّظام،‭ ‬أو‭ ‬تصريحاتهم‭ ‬على‭ ‬منابر‭ ‬الثّورة‭.‬

مالبث‭ ‬الجميع‭ ‬أن‭ ‬تخلّى‭ ‬عن‭ ‬الجميع،‭ ‬لقد‭ ‬كانت‭ ‬المصالح‭ ‬والسياسات‭ ‬متنافسة،‭ ‬وآخر‭ ‬الهموم‭ ‬بناء‭ ‬أو‭ ‬الدفاع‭ ‬عما‭ ‬يستعرضونه‭ ‬من‭ ‬أقوال‭ ‬أو‭ ‬يملؤون‭ ‬الصحف‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬كتابات،‭  ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬غياب‭ ‬التجربة‭ ‬وانعدام‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬وأشياء‭ ‬أخرى‭ ‬تمنع‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬الثّورة‭.‬

المعارضة‭ ‬سعت‭ ‬عبر‭ ‬محاولات‭ ‬عديدة‭ ‬لتكون‭ ‬معارضة‭ ‬موحدة‭ ‬بمواجه‭ ‬النّظام‭ ‬المستبد‭.‬

ولقد‭ ‬كانت‭ ‬لجان‭ ‬إحياء‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬أولى‭ ‬المحاولات‭ ‬بعد‭ ‬التوريث،‭ ‬وكان‭ ‬لبعض‭ ‬رموز‭ ‬المعارضة‭ ‬قراءة‭ ‬تسعى‭ ‬لتقليد‭ ‬الربيع‭ ‬الأوربي‭ ‬بعد‭ ‬انهيار‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفياتي،‭ ‬كانت‭ ‬شعارات‭ ‬تضامن‭ ‬والربيع‭ ‬البولوني‭ ‬في‭ ‬تلافيف‭ ‬أدمغتها،‭ ‬كانت‭ ‬رموز‭ ‬يسارية‭ ‬تلبرلت،‭ ‬وكانت‭ ‬تسعى‭ ‬لتغيير‭ ‬سلمي‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭ ‬سعت‭ ‬قيادات‭ ‬اللجان‭ ‬إلى‭ ‬ربيع‭ ‬دمشق،‭ ‬ولكنها‭ ‬تلقت‭ ‬الضربة‭ ‬الأولى‭ ‬باعتقال‭ ‬العشرة‭ ‬الأفاضل‭.‬

لقد‭ ‬كشّر‭ ‬النّظام‭ ‬عن‭ ‬أنيابه‭: ‬لا‭ ‬استجابة،‭ ‬لا‭ ‬إصلاح،‭ ‬لا‭ ‬تغيير‭.‬

ثمّ‭ ‬كان‭ ‬إعلان‭ ‬دمشق،‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬تغيير،‭ ‬النظام‭ ‬بعد‭ ‬احتلال‭ ‬العراق‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يستجيب‭ ‬لمواطنيه،‭ ‬الأوضاع‭ ‬تتغير‭ ‬والنظام‭ ‬يضعف،‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬يصدق‭!!! ‬لقد‭ ‬وجه‭ ‬ضربة‭ ‬ثانية‭ ‬للمعارضة‭ ‬السلمية‭  ‬الودودة‭ ‬التي‭ ‬تدعوه‭ ‬للحوار،‭ ‬إذ‭ ‬اعتقل‭ ‬قيادات‭ ‬الإعلان،‭ ‬وكان‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬يعتقل‭ ‬رموزاً‭ ‬أخرى‭. ‬إنه‭ ‬ينتقي‭ ‬ليخيف‭ ‬ويسكت‭ ‬ويقمع‭ ‬كل‭ ‬صوت‭ ‬معارض،‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬حرس‭ ‬قديم‭ ‬أو‭ ‬جديد،‭ ‬النظام‭ ‬لم‭ ‬يتغير‭ ‬فقط‭ ‬لبس‭ ‬قفازات‭ ‬حريرية‭.‬

واستمرت‭ ‬مناورات‭ ‬الانشقاق‭ ‬والالتحاق‭ ‬وتبديل‭ ‬المواقع،‭ ‬وكان‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمون‭ ‬وسط‭ ‬هذه‭ ‬المناورات‭ ‬يجددون‭ ‬حضورهم‭ ‬ويتسابق‭ ‬بعض‭ ‬الشارع‭ ‬السياسي‭ ‬لإعادة‭ ‬إنتاجهم،‭ ‬وصار‭ ‬الإخوان‭ ‬محور‭ ‬ماسُمّي‭ ‬المعارضة‭ ‬الخارجية‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭.‬

كان‭ ‬يمكن‭ ‬لإعلان‭ ‬دمشق،‭ ‬والتجمع‭ ‬الوطنيّ‭ ‬الديمقراطيّ‭ ‬أن‭ ‬يشكلوا‭ ‬معارضة‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬تقود‭ ‬التغيير‭ ‬بعد‭ ‬الربيع‭ ‬العربي،‭ ‬لكن‭ ‬حسابات‭ ‬الماضي‭ ‬كانت‭ ‬تترك‭ ‬آثارها‭ ‬على‭ ‬التحالفات،‭  ‬لم‭ ‬يتوقف‭ ‬المعارضون‭ ‬التاريخيون‭ ‬عن‭ ‬الثأر‭ ‬من‭ ‬بعضهم‭ ‬والشارع‭ ‬يغلي‭ ‬وينتظر‭ ‬قرارهم‭ …‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬رواد‭ ‬السمير‭ ‬أميس‭ ‬تقديم‭ ‬حضور‭ ‬بديل،‭  ‬وبرزت‭ ‬هيئه‭ ‬التنسيق‭ ‬الوطنية‭ ‬على‭ ‬السطح‭ ‬برؤية‭ ‬وكيان‭. ‬وتفاجأ‭ ‬الجميع‭ ‬بسقوط‭ ‬مظلي‭ ‬لما‭ ‬سمّي‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني،‭ ‬لكن‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬بعيدة‭ ‬في‭ ‬اسطنبول‭ ‬التركية،‭ ‬وبدفع‭ ‬اعلامي‭ ‬وتغطية‭ ‬جماهيرية‭ ‬من‭ ‬المتظاهرين‭ ‬على‭ ‬الأرض‭. ‬

الفرق‭ ‬بين‭ ‬المعارضتين‭… ‬أن‭ ‬الخارجية‭ ‬أرادت‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بديلاً‭ ‬للنظام،‭ ‬والداخلية‭ ‬مازالت‭ ‬تسعى‭ ‬لتغيير‭ ‬سياسة‭ ‬النظام‭.  ‬

المعارضة‭ ‬الخارجية‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬نفسها‭ ‬بديلاً‭ ‬للنظام‭ ‬اختفت‭ ‬وراء‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬بتحالف‭ ‬غير‭ ‬مدروس‭ …‬يقول‭ ‬هيثم‭ ‬المالح‭: ‬‮«‬كنت‭ ‬أعرف‭ ‬الاتصالات‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬تمت‭ ‬لتأسيس‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬وقادها‭ ‬الأخوان‭ ‬المسلمون‭ ‬ومعهم‭ ‬مجموعة‭ ‬إعلان‭ ‬دمشق‭ ‬وترأسها‭ ‬رياض‭ ‬الترك‮»‬‭  ‬وأضاف‭: ‬‮«‬وعلمت‭ ‬أنهم‭ ‬رشحوا‭ ‬برهان‭ ‬غليون‭ ‬العلماني‭ ‬فقط‭ ‬ليثبتوا‭ ‬للناس‭ ‬أنهم‭ ‬مع‭ ‬التعددية‮»‬‭..‬

في‭ ‬2‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭ ‬‮٢٠١١‬‭ ‬تشكل‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬اسطنبول،‭ ‬وتحرك‭ ‬باتجاه‭ ‬تشجيع‭ ‬التسلح‭ ‬وقبول‭ ‬التدخل‭ ‬الخارجي،‭ ‬وهو‭ ‬الخلاف‭ ‬الذي‭ ‬برز‭ ‬خلال‭ ‬محادثات‭ ‬الدوحة‭ ‬مع‭ ‬هيئة‭ ‬التنسيق‭ ‬الوطنية‭ ‬لتشكيل‭ ‬الائتلاف‭ ‬الوطني‭ ‬السوري،‭ ‬وعلى‭ ‬أساسه‭ ‬انسحب‭ ‬ممثلو‭ ‬الإخوان‭ ‬رغم‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬إطلاق‭ ‬بيان‭ ‬بوقت‭ ‬واحد‭ ‬بين‭ ‬دمشق‭ ‬وباريس‭.‬

لم‭ ‬تتغيّر‭ ‬سياسة‭ ‬المعارضة‭ ‬الخارجيّة،‭ ‬فحلّ‭ ‬الائتلاف‭ ‬الوطنيّ‭ ‬الذي‭ ‬أُسّس‭ ‬في‭ ‬11‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭ ‬‮٢٠١٢‬‭ ‬بالدوحة‭ ‬بديلاً‭ ‬للمجلس‭ ‬الوطنيّ،‭ ‬الذي‭ ‬كتبت‭ ‬نعيه‭ ‬السيدة‭ ‬كلينتون‭ ‬وزيرة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية‭. ‬لم‭ ‬ينتهِ‭ ‬المجلس،‭ ‬ولكن‭ ‬دوره‭ ‬تراجع،‭ ‬وجاء‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬الائتلاف‭ ‬شيخ‭ ‬دمشقي‭ ‬مقبول‭ ‬من‭ ‬مشايخ‭ ‬وتجار‭ ‬دمشق،‭ ‬وبقي‭ ‬الأخوان‭ ‬يهيمنون‭ ‬على‭ ‬الخط‭ ‬السّياسي‭ ‬الذي‭ ‬يديره‭ ‬نائب‭ ‬الرئيس‭ ‬طيفور‭.‬

كانت‭ ‬سياسة‭ ‬المعارضة‭ ‬الخارجية‭ ‬اللعب‭ ‬على‭ ‬المكونات،‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬مطلب‭ ‬القوى‭ ‬الدّاعمة،‭  ‬فجاءت‭ ‬بالعلويّ‭ ‬والدرزيّ‭ ‬والاسماعيليّ‭ ‬والسريانيّ،‭ ‬وسعت‭ ‬لكسب‭ ‬الكورد‭ ‬مع‭ ‬أنها‭ ‬قدمت‭ ‬بعد‭ ‬برهان‭ ‬غليون‭ ‬السيد‭ ‬عبد‭ ‬الباسط‭ ‬سيدا،‭ ‬ثم‭ ‬راهنت‭ ‬على‭ ‬المسيحيّ‭ ‬جورج‭ ‬صبرا،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬لهم‭ ‬أي‭ ‬اهتمام‭ ‬ببرنامج‭ ‬سياسيّ‭ ‬ولا‭ ‬خطّة‭ ‬استراتيجيّة‭ ‬أوعسكريّة،‭ ‬ارتجالات‭ ‬واجتماعات‭ ‬جعلت‭ ‬رئيس‭ ‬الائتلاف‭ ‬يتقدم‭ ‬بمبادرة‭ ‬فاجأت‭ ‬الجميع،‭ ‬لم‭ ‬يجرؤ‭ ‬على‭ ‬تقديمها‭ ‬معارضو‭ ‬الداخل‭ ‬لانخفاض‭ ‬سقفها‭ ‬وابتعادها‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬منطق‭ ‬سياسيّ‭.‬

لقد‭ ‬تراكمت‭ ‬أخطاء‭ ‬المعارضة‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬حتّى‭ ‬بات‭ ‬تصرفهم‭ ‬وخطابهم‭ ‬يشكل‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬استغباء‭ ‬السوريين‭ ‬الذين‭ ‬سئموا‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬المكرور،‭ ‬والكذب‭ ‬المفضوح‭. ‬إذ‭ ‬بات‭ ‬ينطبق‭ ‬عليهم‭ ‬القول‭ ‬تجار‭ ‬السّياسة‭ ‬ومعارضة‭ ‬الخمس‭ ‬نجوم‭. ‬فالمواطن‭ ‬السوري‭ ‬يعرف‭ ‬الغثّ‭ ‬من‭ ‬الثّمين،‭ ‬يعرف‭ ‬من‭ ‬يمثّل‭ ‬مصالحه،‭ ‬ومن‭ ‬يتاجر‭ ‬به‭ ‬ويكذب‭ ‬عليه‭ ‬ويعمل‭ ‬على‭ ‬تضليله‭.  ‬

لقد‭ ‬ساهمت‭ ‬تصريحات‭ ‬المعارضين‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬إلى‭ ‬ازدواجية‭ ‬في‭ ‬الرؤية‭ ‬والموقف،‭ ‬كالتصريحات‭ ‬في‭ ‬تلميع‭ ‬بعض‭ ‬الفصائل‭ ‬وإتباعها‭ ‬للثورة‭ ‬السورية‭ (‬جبهة‭ ‬النصرة‭ ‬وغيرها‭ ….)‬،‭ ‬وساهمت‭ ‬بتريب‭ ‬الجيش‭ ‬الحر،‭ ‬بسوء‭ ‬الدعم‭ ‬وبالتمييز‭ ‬بين‭ ‬كتائب‭ ‬وأخرى،‭ ‬وتوقيف‭ ‬الدعم‭ ‬عن‭ ‬أطراف،‭ ‬مما‭ ‬اضطرها‭ ‬لتتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬الفصائل‭ ‬الجهادية‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬تشق‭ ‬طريقها‭ ‬وتكسب‭ ‬جماهيرية‭ ‬بسبب‭ ‬ممارسات‭ ‬بعض‭ ‬الكتائب‭ ‬من‭ ‬سرقة‭ ‬وخطف‭ ‬وقتل‭ ‬خصوم‭ ‬باسم‭ ‬الثّورة‭.‬

وتزايدت‭ ‬الفصائل‭ ‬الاسلامية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الأخطاء‭ ‬وبدأت‭ ‬تطرح‭ ‬شعارات‭ ‬خارج‭ ‬أهداف‭ ‬المعارضة‭ ‬وبالتالي‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬أهداف‭ ‬الثّورة،‭ ‬ولم‭ ‬تتوقف‭ ‬تصريحات‭ ‬الترضية‭ ‬لهذه‭ ‬الفصائل،‭ ‬بحجة‭ ‬أنها‭ ‬تقاتل‭ ‬نفس‭ ‬العدو‭.‬

كذلك‭ ‬ساهمت‭ ‬بتلميع‭ ‬صور‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬باستمرار،‭ ‬واستسلمت‭ ‬لمخططات‭ ‬ممثلها‭ ‬فورد،‭ ‬وتصويرها‭ ‬أنها‭ ‬المدافع‭ ‬عن‭ ‬مصالح‭ ‬السوريين‭ ‬وانتقالهم‭ ‬نحو‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬متجاهلةً‭ ‬رعاية‭ ‬هذه‭ ‬الحكومة‭ ‬للإرهاب‭ ‬والاستبداد‭ ‬ماضياً‭ ‬وحاضراً‭.‬

والعجيب‭ ‬موقف‭ ‬من‭ ‬كانوا‭ ‬يوالون‭ ‬روسيا‭ ‬والصين‭ ‬ويروجون‭ ‬لسياساتها،‭ ‬باتوا‭ ‬في‭ ‬صف‭ ‬المهاجمين‭ ‬لهذه‭ ‬السياسة،‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬يستخدموا‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬لدفعهم‭ ‬للتدخل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النزاع‭ ‬بشكل‭  ‬يخدم‭ ‬التغيير‭ ‬ويدعم‭ ‬الأهداف‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬الثّورة‭.‬

لقد‭ ‬فشل‭ ‬أقطاب‭ ‬المعارضة‭ ‬من‭ ‬تقديم‭ ‬أنفسهم‭ ‬كبديل‭ ‬مقنع‭ ‬للمواطن‭ ‬السوري،‭ ‬وعجزوا‭ ‬عن‭ ‬إبراز‭ ‬شخصية‭ ‬مقنعة‭ ‬للسوريين‭ ‬يلتف‭ ‬حولها‭ ‬النّاس،‭ ‬ويقبل‭ ‬بها‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي،‭  ‬وتمثل‭ ‬كارزما‭ ‬القيادة‭ ‬البديلة‭. ‬إن‭ ‬تخبّط‭ ‬سياسات‭ ‬ومواقف‭ ‬المعارضة‭ ‬أعطت‭ ‬بعداً‭ ‬لغياب‭ ‬الأفق،‭ ‬وغياب‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬وتخبط‭ ‬التكتيك‭.‬

سياسات‭ ‬معارضة‭ ‬الخارجية‭ ‬بقيت‭ ‬تابعة،‭ ‬وتأثرت‭ ‬بالضغوط‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬فشل‭ ‬جنيف2،‭ ‬فهي‭ ‬استجابت‭ ‬مدفوعة‭ ‬بضغوط‭ ‬دولية،‭ ‬وخاضت‭ ‬مواجهة‭ ‬حول‭ ‬نقطة‭ ‬واحدة‭ ‬هي‭ ‬تشكيل‭ ‬الحكومة‭ ‬بصلاحيات‭ ‬كاملة،‭ ‬ما‭ ‬أعطى‭ ‬انطباعاً‭ ‬بأن‭ ‬هدفها‭ ‬الإمساك‭ ‬بالسلطة‭ ‬لا‭ ‬حلّ‭ ‬المشكلة،‭ ‬والجميع‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬التمسك‭ ‬بهذه‭ ‬النقطة‭ ‬سيفجر‭ ‬الموقف‭ ‬أمام‭ ‬تمسك‭ ‬النظام‭ ‬بأولوية‭ ‬مواجهة‭ ‬الإرهاب،‭ ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬إفشال‭ ‬جنيف‭ ‬هدفاً‭ ‬للتملّص‭ ‬من‭ ‬بنوده،‭ ‬وفتح‭ ‬آلية‭ ‬جديدة‭ ‬للصراع‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التغييرات‭ ‬التي‭ ‬استجدت‭ ‬بعد‭ ‬اتساع‭ ‬العمل‭ ‬المسلح،‭ ‬ودخول‭ ‬أطراف‭ ‬جديدة‭ ‬غير‭ ‬السوريين،‭ ‬لقد‭ ‬اتسع‭ ‬الخرق‭ ‬على‭ ‬الراقع‭ !!!  ‬

إنّ‭ ‬ممثّلي‭ ‬المعارضة‭ ‬الخارجية،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يرَ‭ ‬سورية‭ ‬إلاّ‭ ‬على‭ ‬الخرائط،‭ ‬راهنوا‭ ‬على‭ ‬التدخل‭ ‬الخارجي،‭ ‬وهم‭ ‬يسمعون‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬تدخل،‭ ‬وروجوا‭ ‬بمحدودية‭ ‬أيام‭ ‬النظام‭ ‬وهاهو‭ ‬يثبت‭ ‬بعد‭ ‬تراجع،‭ ‬ويتمدد‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬ويمدد‭ ‬رئيسه‭ ‬لولاية‭ ‬ثالثة،‭ ‬ولم‭ ‬تنفع‭ ‬مطالبهم‭ ‬بحظر‭ ‬جوي‭ ‬ولا‭ ‬بمناطق‭ ‬آمنة‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬أنجزوه‭ ‬أنهم‭ ‬فتحوا‭ ‬الباب‭ ‬للأصولية‭ ‬المتطرفة‭ ‬لتحتل‭ ‬مواقعهم،‭ ‬وترسم‭ ‬سياساتها‭ ‬على‭ ‬حسابهم‭. ‬

معارضة‭ ‬اكتفت‭ ‬كلّ‭ ‬مرّة‭ ‬بأنها‭ ‬ستعيد‭ ‬تجديد‭ ‬البيت‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬من‭ ‬ينشر‭ ‬غسيلها‭ ‬الوسخ‭ ‬على‭ ‬العالم،‭ ‬لذلك‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬الإصلاح‭ ‬وإعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬والبناء‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬ليست‭ ‬بالترجي‭ ‬ولا‭ ‬بالتمني‭ ..‬تحتاج‭ ‬لتقييم‭ ‬موضوعي‭ ‬للبرامج،‭ ‬واجراءات‭ ‬محاسبة‭ ‬كاملة،‭ ‬وتنظيف‭ ‬العلق‭ ‬الذي‭ ‬علق‭ ‬بها،‭ ‬وقيام‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬قانونيّة‭ ‬وتنظيميّة‭ ‬تبدأ‭ ‬بتعديل‭ ‬النّظام‭ ‬الأساسيّ‭ ‬والماليّ‭ ‬والإداريّ‭. ‬ثمّ‭ ‬التّوسع‭ ‬لتشمل‭ ‬المعارضة‭ ‬السورية‭ ‬كاملة‭.  ‬كيانات‭ ‬سياسية‭ ‬ومدنية‭ ‬دون‭ ‬استثناء،‭ ‬ويشارك‭ ‬الجميع‭ ‬برسم‭ ‬السّياسات‭ ‬دون‭ ‬إقصاء،‭ ‬والابتعاد‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬الممثل‭ ‬الشّرعي‭ ‬الوحيد،‭ ‬لأنّ‭ ‬التمثيل‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اعتراف‭ ‬الشعب،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬تزوير‭ ‬هذا‭ ‬الاعتراف‭.‬

وبالمثل‭ ‬فإن‭ ‬معارضة‭ ‬الداخل‭ ‬ليست‭ ‬بالمستوى‭ ‬الذي‭ ‬يعطيها‭ ‬حقاً‭ ‬بتمثيل‭ ‬الداخل،‭ ‬هي‭ ‬أيضاً‭ ‬منقسمة‭ ‬مترددة‭ ‬متفاوتة‭ ‬الأهداف،‭ ‬وهي‭ ‬بانقسامها‭ ‬بين‭ ‬تيارات‭ ‬ثلاثة‭ ‬رئيسة‭ ‬أضاعت‭ ‬البوصلة،‭ ‬ولم‭ ‬تعطِ‭ ‬بديلاً‭ ‬مشجعا‭ ‬للنّظام،‭ ‬ولا‭ ‬لسياساته‭. ‬

تُعتبر‭ ‬هيئة‭ ‬التنسيق‭ ‬الوطنية‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬التيارات‭ ‬في‭ ‬الداخل،‭ ‬وهي‭ ‬مشكلّة‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأحزاب‭ ‬التاريخية،‭ ‬محورها‭ ‬في‭ ‬أحزاب‭ ‬التجمع‭ ‬الوطني‭ ‬المعارض‭ ‬منذ‭ ‬الثمانينات،‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬رموز‭ ‬مستقلة‭ ‬عرفت‭ ‬بالمعارضة‭ ‬للنظام‭ ‬وبمساهماتها‭ ‬الوطنية‭. ‬

والهيئة‭ ‬أول‭ ‬تشكيل‭ ‬سياسي‭ ‬بعد‭ ‬الثورة،‭ ‬سعت‭ ‬لاستثمار‭ ‬الحركة‭ ‬الشعبية‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬لإجراء‭ ‬تغيير‭ ‬شامل‭ ‬وللتحول‭ ‬الديمقراطيّ،‭ ‬والقضاء‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬الاستبداد‭ ‬والفساد‭. ‬وخرجت‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬وثيقة‭ ‬ورؤية‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬لاءاتها‭ ‬الثلاث‭: ‬لا‭ ‬للعنف‭ ‬المسلح،‭ ‬ولا‭ ‬للتدخل‭ ‬الخارجي،‭ ‬ولا‭ ‬للطائفية‭. ‬وأضافت‭ ‬بعد‭ ‬حوارات‭ ‬مع‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬بكافة‭ ‬رموزه‭ ‬ومرتكزاته‭. ‬وقد‭ ‬هوجمت‭ ‬وشوهت‭ ‬ووصفت‭ ‬بالعمالة،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬سفه‭ ‬المعارضين‭ ‬الجدد‭ ‬وبعض‭ ‬من‭ ‬أراد‭ ‬تشويه‭ ‬معارضة‭ ‬الداخل‭ ‬لتمرير‭ ‬سياسات‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬طريقها‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬تخريب‭ ‬الثورة‭ ‬وتبعيتها‭. ‬

وتيار‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬الذي‭ ‬قام‭ ‬على‭  ‬اسم‭ ‬شخص‭ ‬واحد‭ ‬هو‭ ‬المعارض‭ ‬لؤي‭ ‬حسين‭ ‬داعية‭ ‬مؤتمر‭ ‬السمير‭ ‬أميس،‭ ‬أول‭ ‬مؤتمر‭ ‬علني‭ ‬جامع‭ ‬صدرت‭ ‬عنه‭ ‬لاءات‭ ‬ورؤية،‭ ‬لكن‭ ‬الشّارع‭ ‬المتحمّس‭ ‬والمندفع،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬رافضاً‭ ‬لكل‭ ‬قول‭ ‬منطقيّ،‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬في‭ ‬مخرجات‭ ‬السمير‭ ‬أميس‭ ‬مايرضي‭ ‬نهمه‭. ‬واستمر‭ ‬لؤي‭ ‬معتمداً‭ ‬على‭ ‬كتلة‭ ‬من‭ ‬دعاة‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬ومن‭ ‬بعض‭ ‬تصريحات‭ ‬نارية‭ ‬ومقابلات‭ ‬جريئة‭ ‬ناقدة‭. ‬

تيّار‭ ‬التغيير‭ ‬والتحرير‭ ‬كانت‭ ‬كتلة‭ ‬معارضة،‭ ‬لكنها‭ ‬اختارت‭ ‬المشاركة‭ ‬مع‭ ‬النّظام‭ ‬بعبرة‭ ‬الإصلاح‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭ ‬وساهم‭ ‬قدري‭ ‬جميل‭ ‬بكتابة‭ ‬الدّستور‭ ‬الجديد‭ ‬والتّرويج‭ ‬له،‭ ‬وشارك‭ ‬مع‭ ‬علي‭ ‬حيدر‭ ‬في‭ ‬الوزارة،‭ ‬وكانت‭ ‬تجربة‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬منها‭ ‬لإثبات‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للإصلاح‭  …‬وتغيرموقف‭ ‬الكتلة‭ ‬مع‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬جنيف‭ ‬وبدأت‭ ‬جماعة‭ ‬قدري‭ ‬تفترق‭ ‬عن‭ ‬جماعة‭ ‬علي‭ ‬حيدر‭ ‬وجرى‭ ‬الطّلاق‭ ‬مع‭ ‬رفض‭ ‬الانتخابات‭ ‬الرئاسية‭ ‬وعدم‭ ‬المشاركة‭ ‬بها‭ .‬‭.‬وهم‭ ‬اليوم‭ ‬يقتربون‭ ‬من‭ ‬هيئة‭ ‬التنسيق‭ ‬وخطها‭ ‬المعارض‭ ‬بغاية‭ ‬العمل‭ ‬المشترك‭ ‬وتوحيد‭ ‬الجهود‭ ‬لمؤتمر‭ ‬وطني‭ ‬جامع‭ ‬يوحد‭ ‬المعارضة‭ ‬بمواجهة‭ ‬النظام‭.‬

القوى‭ ‬الكرديّة‭ ‬لاشكّ‭ ‬أنها‭ ‬حملت‭ ‬عبء‭ ‬تمثيل‭ ‬دورها‭ ‬بين‭ ‬إرضاء‭ ‬مشروع‭ ‬الاستقلال‭ ‬الجزئي‭ ‬عبر‭ ‬إدارة‭ ‬ذاتية،‭ ‬وبين‭ ‬الالتحام‭ ‬بالقوتين‭ ‬المعارضتين‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج‭. ‬أدّى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬انقسامهم‭ ‬بينهما،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الكورد‭ ‬لامصلحة‭ ‬لهم‭ ‬بالانفصال،‭ ‬ولابدّ‭ ‬أن‭ ‬يشاركوا‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬الاستقلال‭ ‬الثانيّ،‭ ‬ويكون‭ ‬لهم‭ ‬دور،‭ ‬وهم‭ ‬يستطيعون‭ ‬إذا‭ ‬اتفقوا‭ ‬ولابد‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬يتفقوا‭.‬

حنطة ١٩3

حنطة ١٩4

حنطة ١٩5

برومو الشهيد ناجي الجرف