ملف

تمثيل المعارضة السّورية بين الدّاخل والخارج

حواس‭ ‬محمود

كاتب‭ ‬سوري

إنّ‭ ‬تعثّر‭ ‬الثّورة‭  ‬السّورية،‭ ‬وعدم‭ ‬وصولها‭ ‬إلى‭ ‬النّصر‭ ‬المؤزّر‭ ‬على‭ ‬الاستبداد‭ ‬ورموزه‭. ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬البّاحث‭ ‬المهتمّ‭ ‬بالمسألة‭ ‬السّورية‭ ‬دراسة‭ ‬أسبابه‭ ‬وعوامله،‭ ‬وهي‭ ‬أسبابٌ‭ ‬وعواملٌ‭ ‬متعدّدة،‭ ‬لكنّنا‭ ‬هنا‭ ‬سنتناول‭ ‬أهمّ‭ ‬سببٍ‭ ‬مُعرقلٍ‭ ‬لنجاحِ‭ ‬الثّورة،‭ ‬وهو‭ ‬موضوع‭ ‬التّمثيل‭ ‬السّياسيّ‭ ‬للمعارضة‭ ‬بين‭ ‬الدّاخل‭ ‬والخارج‭.‬

الثّورة‭ ‬السّورية‭ ‬انطلقت‭ ‬نتيجة‭ ‬قمع‭ ‬وفساد‭ ‬النّظام‭ ‬السّوريّ‭ ‬طيلة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعين‭ ‬عاماً،‭ ‬ومواكبةً‭ ‬لثورات‭ ‬الرّبيع‭ ‬العربيّ‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬تونس،‭ ‬ومروراً‭ ‬بمصر،‭ ‬واليمن،‭ ‬وليبيا‭. ‬

اجتمع‭ ‬العامل‭ ‬المُستديم‭ (‬وهو‭ ‬قمع‭ ‬وفساد‭ ‬النّظام‭ ‬الدّكتاتوريّ‭ ‬في‭ ‬سورية‭ ‬بقيادة‭ ‬عائلة‭ ‬الأسد،‭ ‬التي‭ ‬نهبت‭ ‬البلاد‭ ‬والعباد‭ ‬وأعاثت‭ ‬فساداً‭ ‬وطغياناً،‭ ‬وأبعدت‭ ‬النّاس‭ ‬عن‭ ‬السّياسة‭)‬،‭ ‬مع‭ ‬العامل‭ ‬المستحدث‭ (‬وهو‭ ‬انطلاق‭ ‬شرارة‭ ‬الثّورات‭ ‬العربيّة‭ ‬على‭ ‬أنظمةٍ‭ ‬فاسدة،‭ ‬وقمعيّة‭ ‬تتشابه‭ ‬مع‭ ‬النّظام‭ ‬السّوريّ،‭ ‬ليتمّ‭ ‬انطلاق‭ ‬الثّورة‭ ‬السّوريّة‭ ‬المباركة‭ ‬التي‭ ‬هزّت‭ ‬أركان‭ ‬النّظام‭ ‬السّوريّ،‭ ‬وغصّت‭ ‬السّاحات‭ ‬والشّوارع‭ ‬السّوريّة‭ ‬بالشّباب‭ ‬خصوصاً،‭ ‬والشّعب‭ ‬عموماً،‭ ‬مُحتفلين‭ ‬بأعراس‭ ‬الثّورة‭ ‬والحرّية‭ ‬التي‭ ‬كسرت‭ ‬حاجز‭ ‬الصّمت‭ ‬والخوف،‭ ‬وإلى‭ ‬الأبد‭). ‬

احتاجت‭ ‬الثّورة‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬تنظيميّة‭ ‬فأُنشأت‭ ‬التّنسيقيّات‭ ‬الشّبابيّة‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬المحافظات‭ ‬السّوريّة،‭ ‬من‭ ‬درعا‭ ‬إلى‭ ‬القامشلي‭.‬

وبالرّغم‭ ‬من‭ ‬محاولات‭ ‬النّظام‭ ‬احتواء‭ ‬الحراك،‭ ‬مرّة‭ ‬بزيادةٍ‭ ‬بسيطةٍ‭ ‬بالرّواتب‭ ‬بعد‭ ‬أحداث‭ ‬درعا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مستشارة‭ ‬الرّئيس‭ ‬بثينة‭ ‬شعبان،‭ ‬وكان‭ ‬ردّ‭ ‬فعل‭ ‬الشّارع‭ ‬قوياً‭ ‬إذْ‭ ‬قال‭ ‬لها‭ (‬يا‭ ‬بثينة‭ ‬يا‭ ‬شعبان‭ ‬الشعب‭ ‬السوري‭ ‬مو‭ ‬جوعان‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تأمين‭  ‬لقاءات‭ ‬لشخصيّات‭ ‬معارضةٍ‭ ‬في‭ ‬الدّاخل‭ ‬تتّسم‭ ‬بضعف‭ ‬الموقف‭ ‬الثّوريّ،‭ ‬ومنها‭ ‬من‭ ‬كانت‭ ‬موالية‭ ‬للنّظام،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تجلّى‭ ‬في‭ ‬لقاء‭ ‬فندق‭ ‬سميراميس‭ ‬وغيره‭. ‬إلاّ‭ ‬أنّ‭ ‬الحصيلة‭ ‬التّراكميّة،‭ ‬من‭ ‬نشوء‭ ‬الأحزاب‭ ‬والتّجمعات‭ ‬في‭ ‬الدّاخل‭ ‬والخارج‭ ‬أفرز‭ ‬كُتلتين‭ ‬سياسيتيْن‭ ‬مُتمايزتين‭ ‬في‭ ‬الهيكليّة‭ ‬والرؤى‭ ‬السّياسيّة‭ ‬من‭ ‬الثّورة‭ ‬هما‭: ‬1‭-‬هيئة‭ ‬التّنسيق‭ ‬الوطنيّ‭ ‬للتّغيير‭ ‬الدّيموقراطي‭ ‬في‭ ‬سورية‭. ‬2‭- ‬المجلس‭ ‬الوطنيّ‭ ‬السّوريّ‭ ‬الذي‭ ‬تحوّل‭ (‬عبر‭ ‬توسّعه‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭) ‬إلى‭ ‬الائتلاف‭ ‬الوطنيّ‭ ‬لقوى‭ ‬الثّورة‭ ‬والمعارضة‭ ‬السّوريّة‭. ‬

1-المجلس‭ ‬الوطنيّ‭ ‬السّوريّ‭: ‬

كان‭ ‬تشكيل‭ ‬قوة‭ ‬سورية‭ ‬مؤتلفة‭ ‬أمراً‭ ‬ضروريّاً‭ ‬لتوحيد‭ ‬وتحريك‭ ‬الجهود‭ ‬لتكون‭ ‬مُؤطّرةً‭ ‬ومُنسّقةً‭ ‬وفاعلة‭ ‬بين‭ ‬الدّاخل‭ ‬والخارج‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تجلّى‭ ‬في‭ ‬جمعة‭ ‬أطلق‭ ‬عليها‭ ‬المتظاهرون‭ ‬‮«‬وحدة‭ ‬المعارضة‮»‬‭. ‬ونتيجة‭ ‬لجهود‭ ‬مكثّفة،‭ ‬وعدّة‭ ‬لقاءات‭ ‬في‭ ‬استانبول،‭ ‬تمّ‭ ‬تشكيل‭ ‬المجلس‭ ‬الوطنيّ‭ ‬السّوريّ‭ ‬بتاريخ‭ ‬2011‭-‬10‭-‬02،‭ ‬وأعلن‭ ‬في‭ ‬بيانه‭ ‬التّاسيسيّ‭ ‬أنّه‭ ‬يُمثّل‭ ‬العنوان‭ ‬الرّئيس‭ ‬للثّورة‭ ‬السّورية‭ ‬في‭ ‬الدّاخل‭ ‬والخارج‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المجلس‭ ‬إطاراً‭ ‬جامعاً‭ ‬للطّيف‭ ‬الواسع‭ ‬من‭ ‬قوى‭ ‬المعارضة،‭ ‬لكنّه‭ ‬كان‭ ‬جامعاً‭ ‬لأغلب‭ ‬القوى‭ ‬المعارضة‭ ‬التي‭ ‬تمثلّت‭ ‬فيه‭ ‬بشكل‭ ‬رئيسيّ‭.‬

‭ ‬وتَشكّل‭ ‬المجلس‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الشّخصيّات‭ ‬المستقلّة،‭ ‬والتّيار‭ ‬الإسلاميّ‭ ‬المستقلّ‭ ‬ومجموعة‭ ‬العمل‭ ‬الوطنيّ،‭ ‬وممثّلين‭ ‬عن‭ ‬قوى‭ ‬الحراك‭ ‬في‭ ‬الدّاخل،‭ ‬وعن‭ ‬‮«‬إعلان‭ ‬دمشق‭ ‬للتّغيير‭ ‬الدّيموقراطيّ‮»‬،‭ ‬وتيّار‭ ‬المستقبل‭ ‬الكرديّ‭. ‬إضافةً‭ ‬إلى‭ ‬حزبين‭ ‬كرديّين‭ ‬آخرين،‭ ‬وجماعة‭ ‬“الإخوان‭ ‬المسلمين”‭ ‬في‭ ‬سورية،‭ ‬والمنظّمة‭ ‬الآثوريّة‭ ‬الدّيموقراطيّة‭. ‬وشكّل‭ ‬المجلس‭ ‬أمانةً‭ ‬عامّةً‭ ‬له‭ ‬ومكتباً‭  ‬تنفيذياً‭.‬

لاقى‭ ‬تشكيل‭ ‬المجلس‭ ‬الوطنيّ‭ ‬ترحيباً‭ ‬شعبيّاً‭ ‬في‭ ‬الدّاخل‭ ‬السّوريّ،‭ ‬لاسيّما‭ ‬بين‭ ‬أوساط‭ ‬المحتجين،‭ ‬إذْ‭ ‬رفعوا‭ ‬في‭ ‬تظاهراتهم‭ ‬لافتات‭ ‬تؤيّد‭ ‬المجلس،‭ ‬وسمّوا‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭  ‬2011‭-‬10‭-‬17‭ ‬جمعة‭ ‬‮«‬المجلس‭ ‬الوطنيّ‭ ‬يُمثّلني‮»‬،‭ ‬وأيّدته‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التّنسيقيات،‭ ‬وبخاصّة‭ ‬الهيئة‭ ‬العامّة‭ ‬للثّورة‭ ‬السّورية،‭ ‬ولجان‭ ‬التّنسيق‭ ‬المحليّة‭.  ‬

2-‭ ‬هيئة‭ ‬التّنسيق‭ ‬الوطنيّ‭ ‬للتّغيير‭ ‬الدّيموقراطيّ‭ ‬في‭ ‬سورية‭: ‬

عقدت‭ ‬هيئة‭ ‬التّنسيق‭ ‬الوطنيّ‭ ‬مؤتمرها‭ ‬الأوّل‭ ‬في‭ ‬2011‭-‬09‭-‬17،‭ ‬تحت‭ ‬لاءاتٍ‭ ‬ثلاثة‭: ‬‮«‬لا‭ ‬للتّدخل‭ ‬الأجنبيِّ،‭ ‬لا‭ ‬للعنف،‭ ‬لا‭ ‬للطّائفيّة‮»‬،‭ ‬ونصّ‭ ‬البيان‭ ‬الختاميّ‭ ‬للهيئة‭ ‬على‭ ‬‮«‬عقد‭ ‬مؤتمرٍ‭ ‬وطنيّ‭ ‬عامّ‭ ‬وشامل‮»‬،‭ ‬وطالب‭ ‬النّظام‭ ‬بوقف‭ ‬الحلّ‭ ‬الأمنيّ‭ ‬العسكريّ،‭ ‬والاعتراف‭ ‬بالطّبيعة‭ ‬الشّاملة‭ ‬للأزمة‭.  ‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬لهيئة‭ ‬التّنسيق‭ ‬أيّ‭ ‬بُعدٍ‭ ‬وتأييدٍ‭ ‬شعبيّ،‭ ‬ولذلك‭ ‬لم‭ ‬تلقَ‭ ‬الاهتمام‭- ‬كما‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬المجلس‭ ‬الوطنيّ‭- ‬وشهدت‭ ‬الهيئة‭ ‬انسحابات‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬شخصيّات‭ ‬وتيّارات‭ ‬سياسيّة‭ ‬مختلفة،‭ ‬وتجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬حزب‭ ‬الاتحاد‭ ‬الدّيموقراطيّ‭ ‬في‭ ‬سورية‭ (‬وهو‭ ‬الفرع‭ ‬السّوري‭ ‬لحزب‭ ‬العمّال‭ ‬الكردستانيّ‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬p k k‭) ‬كان‭ ‬مؤتلفاً‭ ‬ضمن‭ ‬هذه‭ ‬الهيئة‭ ‬المؤلفة‭ ‬من‭ ‬قوى‭ ‬سورية‭ ‬قوميّة‭. ‬

وفيما‭ ‬بعد‭ ‬ومع‭ ‬توالي‭ ‬جهود‭ ‬جميع‭ ‬قوى‭ ‬المُعارضة‭ ‬في‭ ‬هيئةٍ‭ ‬أو‭ ‬ائتلافٍ‭ ‬جديدٍ،‭ ‬برزت‭ ‬مبادرة‭ ‬رياض‭ ‬سيف،‭ ‬التي‭ ‬عرفت‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬المبادرة‭ ‬الوطنيّة‭ ‬السوريّة‮»‬،‭ ‬ولاقت‭ ‬قبولاً‭ ‬ودعماً‭ ‬قويّاً‭ ‬عربيّاً،‭ ‬وإقليميّاً،‭ ‬ودوليّاً،‭ ‬حيث‭ ‬اجتمع‭ ‬في‭ ‬لقاءٍ‭ ‬تشاوريّ‭ ‬في‭ ‬الدّوحة،‭ ‬في‭ ‬الثامن‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬الثانيّ‭ ‬2012،‭ ‬ممثّلون‭ ‬عن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬قوى‭ ‬وهيئات‭ ‬المعارضة‭ ‬السّياسيّة‭ ‬السوريّة،‭ ‬مع‭ ‬شخصيّاتٍ‭ ‬مستقلّة،‭ ‬وقوى‭ ‬ثوريّة‭ ‬أخرى،‭ ‬وبعد‭ ‬نقاشات‭ ‬مستفيضة،‭ ‬اتفق‭ ‬المجتمعون‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬‮«‬الائتلاف‭ ‬الوطنيّ‭ ‬لقوى‭ ‬الثّورة‭ ‬والمعارضة‭ ‬السّوريّة‮»‬‭ ‬كمعبّر‭ ‬عن‭ ‬معظم‭ ‬الحالة‭ ‬ّ‭ ‬في‭ ‬سورية‭.  ‬

شهدت‭ ‬المعارضة‭ ‬السّورية‭ ‬انسحابات‭ ‬عديدة‭ ‬للقوى‭ ‬الكرديّة‭ ‬واختلافاً‭ ‬كردياً‭/  ‬معارضاتيّاً‭ ‬سوريةً‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المؤتمرات‭ ‬واللّقاءات‭ ‬المعارضة،‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّ‭ ‬الخلاف‭ ‬الكرديّ‭/ ‬الكرديّ‭ ‬بين‭ ‬المجلس‭ ‬الوطنيّ‭ ‬الكرديّ‭ ‬المدعوم‭ ‬من‭ ‬إقليم‭ ‬كردستان‭ ‬بقيادة‭ ‬مسعود‭ ‬البارزاني،‭ ‬ومجلس‭ ‬غربيّ‭ ‬كردستان‭ ‬المدعوم‭ ‬من‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستانيّ‭ ‬التّركي،‭ ‬أسفر‭ ‬في‭ ‬النّهاية‭ ‬عن‭ ‬انضمام‭ ‬المجلس‭ ‬الوطنيّ‭ ‬الكرديّ‭ ‬إلى‭ ‬الائتلاف،‭ ‬وتمّ‭ ‬تعيين‭ ‬الدّكتور‭ ‬عبد‭ ‬الحكيم‭ ‬بشّار‭ ‬نائباً‭ ‬لرئيس‭ ‬الائتلاف‭ ‬أحمد‭ ‬الجربا‭. ‬وأبرز‭ ‬نقطة‭ ‬اتفاقٍ‭ ‬بين‭ ‬الطّرفين‭ -‬الائتلاف‭ ‬والمجلس‭ ‬الوطنيّ‭ ‬الكرديّ‭- ‬كانت‭: ‬تأكيد‭ ‬الائتلاف‭ ‬على‭ ‬الالتزام‭ ‬بالاعتراف‭ ‬الدّستوريّ‭ ‬بهويّة‭ ‬الشّعب‭ ‬الكرديّ‭ ‬القوميّة،‭ ‬واعتبار‭ ‬القضيّة‭ ‬الكرديّة‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسيّاً‭ ‬من‭ ‬القضيّة‭ ‬الوطنيّة‭ ‬العامّة‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬والاعتراف‭ ‬بالحقوق‭ ‬القوميّة‭ ‬للشّعب‭ ‬الكرديّ‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬وحدة‭ ‬سورية‭ ‬أرضاً‭ ‬وشعباً‭. ‬

إنّ‭ ‬موضوعَ‭ ‬الدّاخل‭ ‬والخارج،‭ ‬هو‭ ‬موضوعٌ‭ ‬حقيقيّ،‭ ‬وذو‭ ‬طابع‭ ‬جغرافيّ‭ ‬وسياسيّ،‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬معارضة‭ ‬الخارج‭ ‬اتسمت‭ ‬بأنّ‭ ‬معظم‭ ‬أقطابها‭ ‬هم‭ ‬خارج‭ ‬سوريّة‭ ‬من‭ ‬أعوام‭ ‬عديدة،‭ ‬وهم‭ ‬ورغم‭ ‬معاناتهم‭ ‬الشّديدة‭ ‬مع‭ ‬النّظام‭ ‬السّوريّ،‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّهم‭ ‬يختلفون‭ ‬عن‭ ‬المعارضة‭ ‬الدّاخليّة‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬الواقع‭ ‬القاسيّ‭ ‬بصورة‭ ‬يوميّة،‭ ‬وتحتكّ‭ ‬بالنّظام،‭ ‬وهذا‭ ‬يؤثّر‭ ‬على‭ ‬نمط‭ ‬تفكيرها،‭ ‬وموقفها‭ ‬الحاسم‭ ‬من‭ ‬النّظام،‭ ‬وهي‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬دائرة‭ ‬الرّفاه‭ ‬واليُسر‭ ‬المادّي‭ ‬الذي‭ ‬يعيشه‭ ‬السّوريّ‭ ‬المُعارض‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّ‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬المعابر‭ ‬الحدوديّة‭ ‬مع‭ ‬تركيا‭ ‬والأردن،‭ ‬أفسح‭ ‬مجالاً‭ ‬لتداخل‭ ‬الدّاخل‭ ‬بالخارج،‭ ‬فصار‭ ‬من‭ ‬اليُسر‭ ‬أنْ‭ ‬يلتقي‭ ‬من‭ ‬في‭ ‬الدّاخل‭ ‬بمن‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬وتحوّل‭ ‬قسم‭ ‬من‭ ‬معارضة‭ ‬الدّاخل‭ ‬إلى‭ ‬معارض‭ ‬بالخارج،‭ ‬وهذا‭ ‬التّصنيف‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬يأخذ‭ ‬حجماً‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬حجمه‭ ‬الحقيقيّ،‭ ‬ويلجأ‭ ‬النّظام‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬التّصنيف‭ ‬بصورة‭ ‬مقصودة‭ ‬لبثّ‭ ‬الفرقة‭ ‬بين‭ ‬أطياف‭ ‬المعارضة‭ ‬بغية‭ ‬تقسيمها‭ ‬وتشتيتها‭ ‬ليتيسّر‭ ‬له‭ ‬القضاء‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬اللّحظة‭ ‬المناسبة‭. ‬إنّ‭ ‬التّصنيف‭ ‬الأساسيّ‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬جذريّة‭ ‬أيّ‭ ‬طرف‭ ‬معارض‭ ‬في‭ ‬موقفه‭ ‬من‭ ‬إسقاط‭ ‬النّظام‭ -‬الهدف‭ ‬الأساس‭ ‬للثّورة‭ ‬السّوريّة‭- ‬وبناء‭ ‬سورية‭ ‬تعدديّة‭ ‬ديموقراطيّة‭. ‬لقد‭ ‬كانت‭ ‬كلّ‭ ‬المعارضة‭ ‬الدّاخليّة‭ ‬والخارجيّة‭ ‬متّفقة‭ ‬على‭ ‬سلميّة‭ ‬الثّورة،‭ ‬لكنّها‭ ‬في‭ ‬معظمها‭ ‬أجمعت‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬عسكرة‭ ‬الثّورة‭ ‬بعد‭ ‬الفيتوات‭ ‬الرّوسيّة‭ ‬الثّلاث‭ ‬التي‭ ‬منعت‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬من‭ ‬التّدخل‭ ‬لحلّ‭ ‬الأزمة‭ ‬السّوريّة‭ ‬لصالح‭ ‬الشّعب‭ ‬السّوريّ،‭ ‬وإيقاف‭ ‬القمع‭ ‬من‭ ‬النّظام،‭ ‬وبالتّالي‭ ‬إسقاط‭ ‬النّظام‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يستجبْ‭ ‬للقرارات‭ ‬الدّوليّة‭ ‬تحت‭ ‬البند‭ ‬السّابع‭. ‬ومع‭ ‬الانشقاقات‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬للجيش‭ ‬السّوريّ،‭ ‬ومع‭ ‬استحالة‭ ‬البقاء‭ ‬ضمن‭ ‬التّظاهر‭ ‬السّلميّ‭ ‬والحاجة‭ ‬إلى‭ ‬حمايته‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الجنود‭ ‬المنشقّين‭ ‬والشّباب‭ ‬المتطوّعين‭ ‬في‭ ‬الجيش‭ ‬الحرّ،‭ ‬مع‭ ‬كلّ‭ ‬هذا‭ ‬تغيّر‭ ‬موقف‭ ‬المعارضة‭ ‬في‭ ‬عمومها‭ ‬بالدّاخل‭ ‬والخارج،‭ ‬ما‭ ‬عدا‭ ‬هيئة‭ ‬التّنسيق‭ ‬الوطنيّ‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ترفض‭ ‬العسكرة‭ ‬بحجة‭ ‬أنّه‭ ‬يُمكن‭ ‬حلّ‭ ‬الأزمة‭ ‬سلميّاً‭ ‬مع‭ ‬النّظام‭. ‬لكنّ‭ ‬مؤتمر‭ ‬جنيف‭ ‬2‭ ‬بحضور‭ ‬المعارضة،‭ ‬أثبت‭ ‬أنّ‭ ‬النّظام‭ ‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬يتنازل‭ ‬عن‭ ‬الحكم‭ ‬سلميّاً‭ ‬بصورة‭ ‬قاطعة،‭ ‬وهنا‭ ‬كملاحظة‭ ‬هامّة،‭ ‬يُطلق‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬التّنسيق‭ ‬صفة‭ ‬معارضة‭ ‬الدّاخل،‭ ‬وهو‭ ‬إطلاق‭ ‬كبير‭ ‬جدّاً‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬التّنسيق،‭ ‬إذ‭ ‬أنّ‭ ‬التّنسيقيّات،‭ ‬والقوى‭ ‬الثّوريّة،‭ ‬وقوى‭ ‬الجيش‭ ‬الحرّ‭ ‬كلّها‭ ‬معارضة‭ ‬الدّاخل‭ ‬وليس‭ ‬هيئة‭ ‬التّنسيق‭ ‬وحدها‭.‬

نتيجةً‭ ‬للقمع‭ ‬المتواصل،‭ ‬ومع‭ ‬استحالة‭ ‬إسقاط‭ ‬النّظام‭ ‬ضمن‭ ‬الظّروف‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬موجودة‭ ‬قبل‭ ‬التّسلح‭ ‬والعسكرة،‭ ‬تحوّلت‭ ‬الثّورة‭ ‬تدريجيّاً‭ ‬إلى‭ ‬الأسلمة،‭ ‬وهذا‭ ‬تجلّى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أسماء‭ ‬الكتائب،‭ ‬والألوية،‭ ‬والفرق‭ ‬العسكريّة‭. ‬وكذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نفوذ‭ ‬القوى‭ ‬الإسلاميّة‭ ‬في‭ ‬معارضة‭ ‬الخارج‭ ‬كالإخوان‭ ‬المسلمين،‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬الإسلاميّة‭. ‬أمّا‭ ‬شكل‭ ‬الدّولة،‭ ‬فمعظم‭ ‬قوى‭ ‬المعارضة‭ ‬متّفقة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬نظامٌ‭ ‬تعدّديّ،‭ ‬ديموقراطيّ،‭ ‬يعترف‭ ‬بالمكوّنات‭ ‬الأساسيّة‭ ‬في‭ ‬سورية،‭ ‬وان‭ ‬يكون‭ ‬الإسلام‭ ‬أحد‭ ‬المصادر‭ ‬الأساسيّة‭ ‬للتّشريع‭ ‬في‭ ‬الدّولة‭ ‬الجديدة،‭ ‬ما‭ ‬عدا‭ ‬قوى‭  ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬إسلامويّ‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬إلاّ‭ ‬بالدّولة‭ ‬الإسلاميّة‭. ‬وهذا‭ ‬النقاش‭ ‬أُرجئ‭ ‬لصالح‭ ‬تكثيف‭ ‬الجهود‭ ‬باتجاه‭ ‬إسقاط‭ ‬النّظام،‭ ‬إذ‭ ‬أنّ‭ ‬البرلمان‭ ‬السّوريّ‭ ‬القادم‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬سيتنطّع‭ ‬للمهام‭ ‬التّشريعيّة،‭ ‬والدّستوريّة،‭ ‬والقانونيّة‭. ‬

حاول‭ ‬النّظام،‭ ‬ولا‭ ‬يزال،‭ ‬ضرب‭ ‬الحاضنة‭ ‬الاجتماعيّة‭ ‬للثّورة،‭ ‬فهو‭ ‬يضرب‭ ‬الشّعب‭ ‬السّوريّ‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬المحرّرة،‭ ‬ومناطق‭ ‬مقاومته‭ ‬التي‭ ‬تديرها‭ ‬القوى‭ ‬الثّورية‭ ‬والجيش‭ ‬الحرّ،‭ ‬بشتّى‭ ‬الأسلحة‭ ‬الفتّاكة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬سبّب‭ ‬نزوحاً‭ ‬كبيراً‭ ‬للسوريين،‭ ‬وألقى‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬المعارضة‭ ‬الخارجيّة‭ ‬مهامَ‭ ‬كبيرة‭ ‬تعجز‭ ‬عنها‭ ‬لوحدها،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬فسادٍ‭ ‬في‭ ‬إدارات‭ ‬هذه‭ ‬المعارضة‭. ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬إمكانات‭ ‬المعارضة‭ ‬الدّاخليّة‭ ‬محدودة‭ ‬ومتواضعة‭ ‬جداً،‭ ‬وبهذا‭ ‬خلقت‭ ‬السّلطة‭ ‬إرباكاً‭ ‬للقوى‭ ‬الثّوريّة‭ ‬في‭ ‬الدّاخل‭ ‬والخارج،‭ ‬وشكّلت‭ ‬حالة‭ ‬فصام‭ ‬بين‭ ‬معارضة‭ ‬الدّاخل‭ ‬والخارج،‭ ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬الإعلام‭ ‬السّلطويّ‭ ‬قد‭ ‬كثّف‭ ‬من‭ ‬حملاته‭ ‬المعادية‭ ‬للمعارضة‭ ‬الخارجيّة‭ ‬والدّاخليّة،‭ ‬واتهمها‭ ‬بالإرهاب،‭ ‬والعمالة،‭ ‬وخيانة‭ ‬الوطن‭. ‬كلّ‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬تخاذل‭ ‬المجتمع‭ ‬الدّوليّ‭ ‬عن‭ ‬نجدة‭ ‬الشّعب‭ ‬السّوريّ‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬النّواحي‭ ‬التّسليحيّة،‭ ‬والمادّية،‭ ‬والإغاثيّة،‭ ‬والقانونيّة،‭ ‬والدّبلوماسيّة،‭ ‬والدّوليّة‭ ‬بحيث‭ ‬عجز‭ ‬المجتمع‭ ‬الدّوليّ‭ ‬أمام‭ ‬الفيتوات‭ ‬الرّوسيّة‭ ‬الصّينيّة‭ ‬عن‭ ‬مناصرة‭ ‬الشّعب‭ ‬السّوريّ،‭ ‬اقلّه‭ ‬في‭ ‬الجوانب‭ ‬الإنسانيّة،‭ ‬إذ‭ ‬تعرّض‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المعارضين‭ ‬وداعميهم‭ ‬من‭ ‬الحواضن‭ ‬الاجتماعيّة‭ ‬إلى‭ ‬التّجويع‭ ‬والحصار‭ ‬الخانق،‭ ‬ممّا‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يُسمى‭ ‬بالمصالحات،‭ ‬والتي‭ ‬جاءت‭ ‬لصالح‭ ‬النّظام،‭ ‬وتاجر‭ ‬بها‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬حمص،‭ ‬ومخيّم‭ ‬اليرموك،‭ ‬ومناطق‭ ‬أُخرى‭. ‬وكان‭ ‬الحصار‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬النّظام‭ ‬مزدوجاً‭: ‬داخليّاً‭ ‬وخارجيّاً‭. ‬إذ‭ ‬استفاد‭ ‬من‭ ‬المواقف‭ ‬الرّوسيّة‭ ‬والإيرانيّة‭ ‬الدّاعمة‭ ‬له‭ ‬دبلوماسيّاً،‭ ‬وهذا‭ ‬أثّر‭ ‬على‭ ‬جهود‭ ‬المعارضة‭ ‬لدعم‭ ‬الشّعب‭ ‬في‭ ‬الدّاخل‭. ‬

الآن‭ ‬باتت‭ ‬الضّرورة‭ ‬ملّحة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬وقت‭ ‬مضي‭ ‬لتنسيق‭ ‬الجهود‭ ‬المعارضاتيّة‭ ‬بين‭ ‬الدّاخل‭ ‬والخارج‭ ‬عبر‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬بوّابات‭ ‬العبور‭ ‬بين‭ ‬سورية‭ ‬والدّول‭ ‬المجاورة،‭ ‬وعبر‭ ‬الوسائل‭ ‬التّكنولوجيّة‭ ‬الأُخرى‭ ‬المتعدّدة،‭ ‬لتأطير‭ ‬العمل‭ ‬الجماعيّ‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬استعادة‭ ‬روح‭ ‬الثّورة،‭ ‬وتلافي‭ ‬النّواقص‭ ‬الفكريّة،‭ ‬والقانونيّة،‭ ‬والعسكريّة،‭ ‬والسّياسيّة،‭ ‬والتّركيز‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬الدّاخل‭. ‬ولا‭ ‬ننسَ‭ ‬ضرورة‭ ‬إنشاء‭ ‬إعلامٍ‭ ‬للثّورة،‭ ‬معاصرٍ،‭ ‬وقادرٍ‭ ‬على‭ ‬فضح‭ ‬النّظام‭ ‬وشرح‭ ‬المعاناة‭ ‬السّوريّة‭ ‬للعالم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تشكيل‭ ‬رأيٍّ‭ ‬عامٍّ‭ ‬سوريّ‭ ‬ودوليّ‭ ‬ضاغط‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬الأسد،‭ ‬وانتزاع‭ ‬قرارٍ‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬أو‭ ‬الجمعيّة‭ ‬العموميّة‭ ‬للأمم‭ ‬المتّحدة،‭ ‬وأيضاً‭ ‬عبر‭ ‬تطوير‭ ‬هيكليّة‭ ‬الجسم‭ ‬المُعارض،‭ ‬وبخاصّة‭ ‬الائتلاف‭ ‬الوطنيّ‭ ‬لقوى‭ ‬الثّورة‭ ‬والمعارضة‭ ‬السّورية،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬المجال‭ ‬لإسقاط‭ ‬النّظام‭ ‬الاستبداديّ‭ ‬في‭ ‬سورية‭. ‬

حنطة ١٩6 حنطة ١٩7

برومو الشهيد ناجي الجرف