ملف

صناعة الأفضليات

علاء‭ ‬الدين‭ ‬زيّات

ناشط‭ ‬مدني،‭ ‬عضو‭ ‬الهيئة‭ ‬الإدارية‭ ‬لـ‭ ‬‮«‬تماس‮»‬

خلال‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬عام‭ ‬تلت‭ ‬آذار‭ ‬2011‭ ‬أجرى‭ ‬النظام‭ ‬جهداً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬الأمنية،‭ ‬والعسكرية،‭ ‬والإعلامية‭. ‬عمقه‭ ‬الأهم‭ ‬إسقاط‭ ‬صفة‭ ‬الأزمة‭ ‬الوطنيّة،‭ ‬وتحويلها‭ ‬من‭ ‬صورتها‭ ‬العامة‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬كانتونات‭ ‬مغلقة‭ ‬لمشكلات‭ ‬خاصة‭ ‬بكل‭ ‬جغرافية،‭ ‬عزل‭ ‬النّظام‭ ‬بإتقان‭ ‬هوية‭ ‬الأزمة‭  ‬لتكون‭ ‬جزر‭ ‬مغلقة‭ ‬تعالج‭ ‬بوسائل‭ ‬وأسلوب‭ ‬خاصين،‭ ‬وانسحب‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬في‭ ‬التّداول‭ ‬على‭ ‬خطاب‭ ‬المعارضة‭ ‬ليغدو‭ ‬كانتون‭ ‬ذهنيّ،‭  ‬بين‭ ‬خارج‭ ‬وداخل،‭ ‬ولم‭ ‬يخلُ‭ ‬الأمر‭ ‬من‭ ‬تبادل‭ ‬التّهم‭ ‬وشعارات‭ ‬سحب‭ ‬الاعتراف‭ ‬والتّخوين‭.‬

إنّ‭ ‬الاستراتيحية‭ ‬الأهمّ‭ ‬المتبعة‭ ‬في‭ ‬سياسات‭ ‬النّظام‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬أفضليّات‭ ‬وتمييز‭ ‬وحوافز‭ ‬ولاء،‭ ‬فالتّدقيق‭ ‬الأمنيّ‭ ‬ينال‭ ‬فئات‭ ‬بقسوة‭ ‬دون‭ ‬أخرى،‭ ‬محافظة‭ ‬لوحة‭ ‬المَرْكبة،‭ ‬والسّجل‭ ‬المدنيّ‭ ‬لحامل‭ ‬الهويّة،‭ ‬والهوية‭ ‬القوميّة،‭ ‬والطائفة،‭ ‬وحتى‭ ‬الاسم،‭ ‬كانت‭ ‬وسائل‭ ‬إيحاء‭ ‬مهمّة‭ ‬للتّمييز‭ ‬في‭ ‬المعاملة‭ ‬وبالتّالي‭ ‬إرهاب‭ ‬المستهدف‭ ‬وتحييد‭ ‬مؤقت‭ ‬لغير‭ ‬المستهدف‭ ‬إلى‭ ‬أنْ‭ ‬يحين‭ ‬دوره،‭ ‬لقد‭ ‬كانت‭ ‬المنعكسات‭ ‬السّلبية‭ ‬لهذه‭ ‬الممارسة‭ ‬التي‭ ‬ابتكرها‭ ‬النّظام‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬توريث‭ ‬عداء‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬صاحبة‭ ‬المصلحة‭ ‬في‭ ‬التّغيير‭ (‬شتائم‭ ‬لحلب‭ ‬وأهلها‭ – ‬شتائم‭ ‬الرّيف‭ ‬على‭ ‬المدينة‭ – ‬شتائم‭ ‬الدّاخل‭ ‬على‭ ‬الخارج‭ … ‬الخ‭)‬،‭ ‬ولكن‭ ‬بالمحصّلة‭ ‬تكرّست‭ ‬بيئات‭ ‬فردية‭ ‬وبلا‭ ‬إطلالة‭ ‬متبادلة‭ ‬من‭ ‬معايشة‭ ‬الأزمة،‭ ‬ورغم‭ ‬استمرار‭ ‬بعض‭ ‬جسور‭ ‬التّواصل‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّ‭ ‬اختلاف‭ ‬الظّروف‭ ‬صنع‭ ‬فعلاً‭ ‬كتلتين‭ ‬كبيرتين‭ (‬داخل‭ ‬وخارج‭)‬،‭ ‬ومع‭ ‬قساوة‭ ‬العنف‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬متعدّد‭ ‬الأطراف،‭ ‬وغائم‭ ‬الأهداف،‭ ‬صارت‭ ‬جسور‭ ‬التّواصل‭  ‬بينهما‭ ‬أخفض‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬استرجاع‭  ‬مفهوم‭ ‬الأزمة‭ ‬الوطنيّة‭ ‬مقارنة‭ ‬مع‭ ‬مشكلات‭ ‬ويوميّات‭ ‬المعيشة،‭ ‬والخدمات،‭ ‬ومصادر‭ ‬العيش‭.‬

رافقت‭ ‬السّياسة‭ ‬السّابقة‭ ‬تسويقاً‭ ‬لمفهوم‭ ‬المعارضة‭ ‬الشّريفة،‭ ‬والمعارضة‭ ‬المرهونة‭. ‬وحتماً‭ ‬هذه‭ ‬المعايير‭ ‬التي‭ ‬يضعها‭ ‬النّظام‭ ‬ضمن‭ ‬سياسة‭ ‬التّفرقة‭ ‬ليست‭ ‬ثابتة،‭ ‬بل‭ ‬لم‭ ‬يسلم‭ ‬أحد‭ -‬من‭ ‬أية‭ ‬معارضة‭ -‬من‭ ‬قمع‭ ‬المنظومة‭ ‬الأمنيّة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬بأيّ‭ ‬خروج‭ ‬عن‭ ‬خطّ‭ ‬المواجهة‭ ‬والمعركة‭ ‬على‭ ‬‮«‬الإرهاب‮»‬،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬الهوس‭ ‬بالتّصنيف‭ ‬نال‭ ‬المعارضة‭ ‬أيضاً‭ ‬بحيث‭ ‬أصبحت‭ ‬كلّ‭ ‬مجموعة‭ ‬قاضياً‭ ‬على‭ ‬الأخريات،‭ ‬وغاب‭ ‬عن‭ ‬الجميع‭ ‬مفهوم‭ ‬الأزمة‭ ‬الشّاملة‭ ‬وربّما‭ ‬حتّى‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬غائب‭. ‬

إنّ‭ ‬سنوات‭ ‬الأزمة‭ ‬تطرح‭ ‬اليوم‭ ‬معياراً‭ ‬مختلفاً‭ ‬للتّصنيف‭ ‬بين‭ ‬قوى‭ ‬المجتمع‭ ‬السّوري‭ ‬وتيّاراته‭ ‬العاملة،‭ ‬رغم‭ ‬تراجع‭ ‬أغلبها‭ ‬أمام‭ ‬قوّة‭ ‬السّلطة‭ ‬المركزيّة‭ ‬وماكنتها‭ ‬الحربيّة،‭ ‬وقوّة‭ ‬التّيارات‭ ‬السّلفية‭ ‬الزّاحفة‭. ‬إلاّ‭ ‬أنّ‭ ‬التّصنيف‭ ‬الجديد‭ ‬يتشكل‭ ‬اليوم‭ ‬وفق‭ ‬معيارٍ‭ ‬آخر،‭ ‬هو‭ ‬قوى‭ ‬التّغيير‭ ‬المجتمعيّ‭ ‬مقابل‭ ‬قوى‭ ‬الاستبداد‭ ‬والقمع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يلزم‭ ‬الاستناد‭ ‬إليه‭ ‬وتعزيزه‭ ‬عبر‭ ‬جهدين‭:‬

الأوّل‭: ‬فكريّ‭ ‬تأسيسيّ‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬بنية‭ ‬المجتمع‭ ‬السّوري‭ ‬وآليّاته‭ ‬وحاجاته‭ .‬

والثانيّ‭: ‬عمليّ،‭ ‬يتمثّل‭ ‬في‭ ‬تكريس‭ ‬بدائل‭ .‬

إن‭ ‬استفراد‭ ‬طرفي‭ ‬الصّراع‭ ‬العسكريين‭ (‬أو‭ ‬عدّة‭ ‬أطراف‭ ‬للدّقة‭) ‬في‭ ‬إنهاك‭ ‬الدّولة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬وحاضر‭ ‬ومستقبل‭ ‬سورية،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬مستمرة‭. ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬بقيت‭ ‬معوقات‭ ‬تطوير‭ ‬التّعاون‭ ‬والتّنسيق‭ ‬بين‭ ‬قوى‭ ‬التّغيير‭ ‬تتعاظم‭. ‬ويأتي‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬هذه‭ ‬المعوقات‭:‬

‮١‬‭- ‬حدّة‭ ‬الصّراع‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬بأيّ‭ ‬تداول‭ ‬سياسيّ،‭ ‬بل‭ ‬فقط،‭ ‬وفقط‭ ‬نفيٌ‭ ‬مطلق‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬آخر‭.  ‬في‭ ‬جوّ‭ ‬كهذا،‭ ‬يُصبح‭ ‬عليك‭ ‬تحديد‭ ‬لائحة‭ ‬الأصدقاء‭ ‬والأعداء‭ ‬وفق‭ ‬حيثيات‭ ‬الصّراع‭ ‬المتغيّر،‭ ‬لا‭ ‬وفق‭ ‬مشروع‭ ‬التغيير‭.‬

‮٢‬‭- ‬غياب‭ ‬المنهج،‭ ‬إنّ‭ ‬غياب‭ ‬مشروع‭ ‬التّغيير،‭ ‬والخضوع‭ ‬التّام‭ ‬لشعار‭ ‬إسقاط‭ ‬النّظام‭ ‬كتبسيط‭ ‬ساذج‭ ‬للموقف‭ ‬سبّب‭ ‬ويسبّب‭ ‬تكتيكات‭ ‬مختلّة‭ ‬ومتناقضة،‭ ‬ولا‭ ‬ترسم‭ ‬أفقاً‭ ‬لتطوير‭ ‬الصّراع‭.  ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس،‭ ‬تحيله‭ ‬إلى‭ ‬ارتجال‭ ‬وتأرجح‭ ‬ورسم‭ ‬استراتيجيات‭ ‬بموارد‭ ‬الآخرين،‭ ‬وفق‭ ‬الأمنيات‭ ‬لا‭ ‬وفق‭ ‬الوقائع‭.  ‬

‮٣‬‭- ‬كلّ‭ ‬الأطراف‭ ‬وظّفت‭ ‬المجتمع‭ ‬لخدمة‭ ‬معاركها‭ ‬وليس‭ ‬بالعكس،‭ ‬وبالتّالي‭ ‬دفع‭ ‬ويدفع‭ ‬النّاس‭ ‬ثمن‭ ‬عقليّة‭ ‬سائق‭ ‬العربة‭ ‬المجنزرة،‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭  ‬معركتـ‭(‬ـه‭) ‬فقط،‭ ‬ومن‭ ‬كوّة‭ ‬ضيقة‭ ‬جداً‭ ‬فقط‭. ‬

‮٤‬‭- ‬غاب‭ ‬المجتمع،‭ ‬وغابت‭ ‬قوى‭ ‬العمل‭ ‬المدنيّ‭ ‬في‭ ‬عمليّة‭ ‬كنس،‭ ‬وتهجير،‭ ‬وإقصاء،‭ ‬وإلهاء،‭ ‬وتصفية‭.  ‬وتمّ‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬تتابعٍ‭ ‬تتالى‭ ‬عليه‭ ‬النّظام،‭ ‬والمعارضة‭ ‬السّياسيّة،‭ ‬والفصائل‭ ‬العسكريّة،‭ ‬ومنظّمات‭ ‬الدّعم،‭ ‬والتّأهيل،‭ ‬والمانحين‭.  ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يُعفي‭ ‬مطلقاً‭  ‬قوى‭ ‬العمل‭ ‬المدنيّ‭ -‬التي‭ ‬تحمّلت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المهام،‭ ‬وكانت‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬روافع‭ ‬صمود‭ ‬النّاس‭- ‬من‭ ‬المسؤوليّة،‭ ‬ولكنّها‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬العريض‭ ‬الواسع،‭ ‬واكتفت‭ ‬بمنتديات‭ ‬الدّكاكين‭.‬

يمكن‭ ‬استناداً‭ ‬للتّوصيفات‭ ‬السّابقة،‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭: ‬‮«‬هل‭ ‬التّنسيق‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬مطلوباً‭ ‬وملحّاً‮»‬،‭ ‬ببساطة‭ ‬نعم،‭ ‬وبرؤية‭ ‬عمليّة‭ ‬لا‭ ‬شعاراتيّة‭  ‬سيكون‭ ‬متاحاً‭ ‬مع‭ ‬مزيدٍ‭ ‬من‭ ‬تكّشف‭ ‬العمق‭ ‬الحقيقيّ‭ ‬للأزمة،‭ ‬وذلك‭ ‬برؤية‭ ‬جانبها‭ ‬المجتمعيّ‭ ‬الذي‭ ‬يتجاوز‭ ‬أزمة‭ ‬سلطة،‭ ‬إنّ‭ ‬رؤيةً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النّوع‭ ‬تنمو‭ ‬ببطء‭ ‬وثقة،‭ ‬وأحياناً‭ ‬بخطىً‭ ‬متراجعة‭ ‬مع‭ ‬إنهاكٍ‭ ‬مقصود،‭ ‬ولكن‭ ‬التّفكير‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يساند‭ ‬مشروع‭ ‬التّغيير‭ ‬والالتفات‭ ‬إلى‭ ‬تمكين‭ ‬أدواته‭ ‬من‭ ‬الفعل‭.‬

إنّ‭ ‬حجم‭ ‬القوى‭ ‬المجتمعيّة‭ ‬المتضرّرة‭ ‬من‭ ‬النّظام‭  ‬يطال‭ ‬مختلف‭ ‬جوانب‭ ‬المجتمع‭ ‬السّوريّ،‭ ‬وينال‭ ‬ضفتيّ‭ ‬الصّراع‭  ‬أو‭ ‬ضفافه‭ ‬المختلفة،‭ ‬ولكنّ‭ ‬إرادة‭ ‬الفعل‭ ‬السّياسيّ‭ ‬غائبة،‭ ‬ومقموعة،‭ ‬وتائهة‭ ‬في‭ ‬زواريب‭ ‬التّشويه‭ ‬المقصود‭ ‬لطبيعة‭ ‬الأزمة‭.‬

لا‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الإخلال‭ ‬بميزان‭ ‬القوى‭ ‬العنفيّ‭ ‬المدمّر‭ ‬دون‭ ‬اكتشاف‭ ‬تقاطعات‭ ‬قوى‭ ‬التّغيير‭ ‬العقلانيّة‭ (‬تقاطعات‭ ‬ريف‭ ‬ومدينة‭ – ‬تقاطعات‭ ‬مدنيّ‭ ‬وعسكريّ‭)‬،‭ ‬وأيضاً‭ ‬تقاطعات‭ ‬داخل‭ ‬وخارج،‭ ‬وهذه‭ ‬الإعادة‭ ‬للأولويّات‭ ‬ستعيد‭ ‬رسم‭ ‬خطوط‭ ‬جبهة‭ ‬أخرى‭ ‬ليست‭ ‬وفق‭ ‬الشّعار‭ ‬الملتبس‭ ‬‮«‬الشّعب‭ ‬يريد‭ ‬إسقاط‭ ‬النّظام‮»‬‭  ‬بل‭ ‬وفق‭ ‬رؤية‭ ‬مشروع‭ ‬التّغيير،‭ ‬وبرنامجه‭ ‬وصناعة‭ ‬أدوات‭ ‬هذا‭ ‬البرنامج،‭ ‬وفي‭ ‬العمق‭ ‬استعادة‭ ‬الفعل‭ ‬المجتمعيّ‭ ‬من‭ ‬أسْر‭ ‬سائق‭ ‬العربة‭ ‬المجنزرة،‭ ‬وتطوير‭ ‬تداول‭ ‬سياسيّ‭ ‬ناجح‭ ‬للصّراع‭.‬

حنطة ١٩9

برومو الشهيد ناجي الجرف