ملف

دواخل وخوارج

بسام‭ ‬يوسف

رئيس‭ ‬تحرير‭ ‬جريدة‭ ‬كلنا‭ ‬سوريون

اذا‭ ‬أردنا‭ ‬تكثيف‭ ‬الإجابة،‭ ‬فإنّه‭ ‬يمكننا‭ ‬القول‭ ‬بأنّ‭ ‬هذا‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬الدّاخل‭ ‬والخارج‭ ‬هو‭ ‬فصل‭ ‬تعسّفي‭ ‬يتكئ‭ ‬على‭ ‬استسهال‭ ‬التّصنيف‭ ‬وربّما‭ ‬على‭ ‬أهدافٍ‭ ‬آنيّة‭ ‬قد‭ ‬ترضي‭ ‬صاحبها‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬استعمال‭ ‬المصطلح‭ ‬فقط‭.‬

يمكن‭ ‬اختراق‭ ‬هذا‭ ‬التّصنيف‭ ‬بسهولة‭ ‬إن‭ ‬أردنا‭ ‬الاستناد‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬أيّ‭ ‬مصطلح‭ ‬من‭ ‬مصطلحات‭ ‬الثّورة‭ (‬فالدّاخل‭ ‬والخارج‭)‬،‭ ‬رغم‭ ‬الدّلالة‭ ‬الجغرافيّة‭ ‬له‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّه‭ ‬–‭ ‬أي‭ ‬المصطلح‭ – ‬لاتستغرقه‭ ‬الجغرافيا،‭ ‬وهو‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬أبعد‭ ‬منها‭ ‬ليقف‭ ‬على‭ ‬ساقيه،‭ ‬وحتّى‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬الجغرافيا،‭ ‬فإنّ‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح‭ ‬يبدو‭ ‬مشوّهاً‭ ‬إنْ‭ ‬لمْ‭ ‬يتكئ‭ ‬على‭ ‬الحدث،‭ ‬وعلى‭ ‬السّياسيّ‭.‬

فالمكان‭ ‬أمكنة،‭ ‬والدّاخل‭ ‬دواخل،‭ ‬والخارج‭ ‬خوارج،‭ ‬وبكلّ‭ ‬لحظة‭ ‬ينقلب‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬ليصبح‭ ‬مبهماً‭ ‬وغيرَ‭ ‬دقيق،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬يُفضي‭ ‬إلى‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬نريد‭.‬

لعلّ‭ ‬غيابَ‭ ‬العمل‭ ‬السّياسيّ‭ ‬بمعناه‭ ‬الكلاسيكيّ،‭ ‬أي‭ ‬غياب‭ ‬الأحزاب‭ ‬والرؤى‭ ‬والمشاريع‭ ‬السّياسيّة،‭  ‬سهّلت‭ ‬استعمال‭ ‬هذا‭ ‬التّصنيف،‭ ‬لكنّ‭ ‬الحاجة‭ ‬لتصنيف‭ ‬كهذا‭ ‬ستنتفي،‭ ‬أو‭ ‬ستأخذ‭ ‬معنىً‭ ‬آخراً‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬لدينا‭ ‬أحزاب‭ ‬وبرامج‭ ‬سياسيّة،‭ ‬واصطفافات‭ ‬تتمّ‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬الرّؤى‭ ‬والبرامج‭ ‬والأحزاب‭.‬

إذاً،‭ ‬ما‭ ‬نحتاجه‭ ‬حقّاً‭ ‬بتصنيف‭ ‬المعارضة‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لهذه‭ ‬المعارضة،‭ ‬وبغضّ‭ ‬النّظر‭ ‬عن‭ ‬أماكن‭ ‬وجودها،‭ ‬برامجَ،‭ ‬وقواعد،‭ ‬وبُنىً‭ ‬تنظيميّة‭ ‬متماسكة،‭ ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يُلغي‭ ‬عامل‭ ‬التّصنيف‭ ‬الجغرافيّ،‭ ‬ويدفعُ‭ ‬لتصنيف‭ ‬المعارضة‭ ‬وفق‭ ‬الصّيغة‭ ‬الأدقّ،‭ ‬أي‭ ‬التّصنيف‭ ‬السّياسيّ‭.‬

لا‭ ‬أدّل‭ ‬على‭ ‬هشاشة‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم،‭ ‬وعى‭ ‬لا‭ ‬واقعيته،‭ ‬من‭ ‬تعدّد‭ ‬القراءات‭ ‬والاصطفافات‭ ‬السّياسيّة‭ ‬وتناقضها‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬منطقة‭ ‬جغرافيّة،‭ ‬وبالتّالي‭ ‬فإنّ‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬لايُمكن‭ ‬التّأسيس‭ ‬عليه‭ ‬إلاّ‭ ‬في‭ ‬حدودٍ‭ ‬ضيّقةٍ‭ ‬جدّاً‭ ‬جدّاً،‭ ‬قد‭ ‬يُمكن‭ ‬حصره‭ ‬بالعمل‭ ‬الميدانيّ‭ ‬الآنيّ،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬مثلا‭ ‬الجانب‭ ‬الميدانيّ‭ ‬العسكريّ‭.‬

ماساهم‭ ‬في‭ ‬تعميم‭ ‬استعمال‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح‭ ‬هو‭ ‬تواجد‭ ‬أغلب‭ ‬القيادات‭ ‬السّياسيّة‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬وانفصال‭ ‬هذه‭ ‬القيادات‭ ‬عن‭ ‬الدّاخل‭ ‬بالمعنى‭ ‬الحقيقيّ‭ ‬للانفصال،‭ ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬المشكلة،‭ ‬إذ‭ ‬أنّ‭ ‬القيادات‭ ‬السّياسية‭ ‬التي‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬على‭ ‬تواصل‭ ‬واطلاع‭ ‬وتنسيق‭ ‬مع‭ ‬الدّاخل،‭ ‬لم‭ ‬تهتمّ‭ ‬كثيراً‭ ‬بهذا‭ ‬الأمر،‭ ‬ونقلت‭ ‬تواصلها‭ ‬من‭ ‬مراكز‭ ‬الفعل‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬إلى‭ ‬مراكز‭ ‬الفعل‭ ‬في‭ ‬عواصم‭ ‬الدّول‭ ‬الفاعلة،‭ ‬متوهّمة‭ ‬أنّه‭ ‬يُمكن‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تختصر‭ ‬الوقت‭ ‬وتصل‭ ‬إلى‭ ‬أهدافها‭ ‬بسرعة،‭ ‬وهاهي‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬ارتهانها‭ ‬للخارج،‭ ‬وتفقد‭ ‬علاقتها‭ ‬بمصدر‭ ‬ومبرّر‭ ‬قوّتها‭ ‬ووجودها،‭ ‬أي‭ ‬الدّاخل‭. ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬الأساس‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬أنّ‭ ‬تصحيح‭ ‬علاقة‭ ‬الدّاخل‭ ‬بالخارج‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬تشبيك‭ ‬الدّاخل‭ ‬مع‭ ‬الخارج‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬سياسيّة،‭ ‬ورؤى،‭ ‬ومشاريع‭.‬

لعلّ‭ ‬الخطأ‭ ‬الأهمّ‭ ‬الذي‭ ‬وقعت‭ ‬به‭ ‬بعض‭ ‬أطراف‭ ‬الثّورة‭ ‬هو‭ ‬أسلمة‭ ‬هذه‭ ‬الثّورة،‭ ‬هذه‭ ‬الأسلمة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تُقدّم‭ ‬الثّورة‭ ‬على‭ ‬أنّها‭ ‬تطرّفاً‭ ‬دينيّاً‭ ‬لدى‭ ‬الرّأي‭ ‬العام‭ ‬الدّولي‭ ‬وحسب،‭ ‬بل‭ ‬قدّمتها‭ ‬أيضاً‭ ‬بصورة‭ ‬سيّئة‭ ‬لمن‭ ‬قامت‭ ‬من‭ ‬أجلهم‭ ‬أساساً،‭ ‬وهم‭ ‬المواطنون‭ ‬السّوريون،‭ ‬ولعلّ‭ ‬هاجس‭ ‬السّلطة‭ ‬دفع‭ ‬البعض‭ ‬إلى‭ ‬ركوب‭ ‬موجة‭ ‬الاسلمة‭ ‬في‭ ‬فهمٍ‭ ‬خاطئ‭ ‬لطبيعة‭ ‬النّظام،‭ ‬وفي‭ ‬غيابٍ‭ ‬واضحٍ‭ ‬لصيغة‭ ‬وطنيّة‭ ‬لشكل‭ ‬سورية‭ ‬القادم،‭ ‬هذه‭ ‬الأسلمة‭ ‬التي‭ ‬يختلف‭ ‬عليها‭ ‬السّوريون‭ ‬داخلاً‭ ‬وخارجاً‭ ‬وهناك‭ ‬مروحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الآراء‭ ‬حولها،‭ ‬لكنّ‭ ‬هذه‭ ‬المروحة‭ ‬لايُمكن‭ ‬دراستها‭ ‬أبداً‭ ‬على‭ ‬مقياسٍ‭ ‬كالدّاخل‭ ‬والخارج،‭ ‬ولاحتّى‭ ‬بين‭ ‬علمانيّ‭ ‬ومسلم،‭ ‬ولاحتّى‭ ‬طائفيّاً‭. ‬وهذا‭ ‬ينطبق‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬الموقف‭ ‬من‭ ‬عسكرة‭ ‬الثّورة،‭ ‬ومن‭ ‬التّفاوض‭ ‬مع‭ ‬النّظام،‭ ‬ومن‭ ‬القضيّة‭ ‬الكرديّة،‭ ‬ومن‭ ‬أغلب‭ ‬النّقاط‭ ‬المهمّة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الثّورة‭.‬

لعلّ‭ ‬المستفيد‭ ‬الرّئيس‭ ‬من‭ ‬مقولة‭ ‬الدّاخل‭ ‬والخارج‭ ‬هو‭ ‬النّظام،‭ ‬وهو‭ ‬استفاد‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬المفاهيم‭ ‬التي‭ ‬عزّزت‭ ‬تشرذم‭ ‬وتفتّت‭ ‬المعارضة‭ ‬من‭ ‬الطّائفيّة،‭ ‬إلى‭ ‬المناطقيّة‭ ‬والعشائريّة،‭ ‬وحتّى‭ ‬الرّيفيّة‭ ‬والمدينيّة‭ ‬لايوجد‭ ‬أي‭ ‬خطوط‭ ‬سياسيّة‭ ‬يمكن‭ ‬أنْ‭ ‬نلحظ‭ ‬على‭ ‬أساسها‭ ‬تمايزاً‭ ‬بين‭ ‬الدّاخل‭ ‬والخارج‭.‬

إنّ‭ ‬تشبيك‭ ‬كلّ‭ ‬أطراف‭ ‬الثّورة‭ ‬داخلاً‭ ‬وخارجاً،‭ ‬وعلى‭ ‬اختلاف‭ ‬مرجعيّاتهم،‭ ‬والالتقاء‭ ‬على‭ ‬مشروع‭ ‬وطنيّ‭ ‬واضح،‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬صيغة‭ ‬عقدٍ‭ ‬اجتماعيّ‭ ‬أساسه‭ ‬المواطنة‭ ‬العادلة،‭ ‬هو‭ ‬المدخل‭ ‬لصياغة‭ ‬علاقة‭ ‬حقيقيّة‭ ‬وسليمةٍ‭ ‬بين‭ ‬الدّاخل‭ ‬والخارج‭. ‬وهو‭ ‬أيضاً‭ ‬المدخل‭ ‬لتصحيح‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬كلّ‭ ‬الأطراف‭ ‬الدّوليّة،‭ ‬ونقلها‭ ‬من‭ ‬حقل‭ ‬التّبعيّة‭ ‬إلى‭ ‬حقل‭ ‬تقاطع‭ ‬المصالح‭ ‬الوطنيّة‭ ‬مع‭ ‬المصالح‭ ‬الأخرى‭.‬

حنطة ١٩10

برومو الشهيد ناجي الجرف