ملف

الانتفاضة والعلمانيون السوريون

د‭. ‬زيدون‭ ‬الزعبي

ناشط‭ ‬مدني‭ ‬وأستاذ‭ ‬جامعي

وجد‭ ‬العلمانيون‭ ‬السوريون‭ ‬منذ‭ ‬انطلاقة‭ ‬الانتفاضة‭ ‬في‭ ‬آذار‭ ‬2011‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬مأزق‭ ‬حقيقي‭. ‬كيف‭ ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬حراك‭ ‬انطلق‭ ‬من‭ ‬المساجد؟‭ ‬كيف‭ ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬شعارات‭ ‬‮«‬الله‭ ‬أكبر‮»‬‭ ‬‮«‬يا‭ ‬الله‭ ‬مالنا‭ ‬غيرك‭ ‬يا‭ ‬الله‮»‬‭ ‬وسواها؟‭ ‬هل‭ ‬ننطلق‭ ‬بخطاب‭ ‬علماني‭ ‬واضح؟‭ ‬هل‭ ‬ندخل‭ ‬في‭ ‬مواربة‭ ‬المصطلحات‭ ‬تفادياً‭ ‬للصدام‭ ‬‮«‬المحتمل‮»‬‭ ‬مع‭ ‬الشارع‭ ‬المنتفض؟

برأينا،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬وصف‭ ‬الموقف‭ ‬العلماني‭ ‬السوري‭ ‬إلا‭ ‬بأنه‭ ‬كان‭ ‬متشككاً‭ ‬ومتردداً‭ ‬وخائفاً‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬نقل‭ ‬مهزوماً‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬العلمانيون‭ ‬السوريون،‭ ‬لأسباب‭ ‬مختلفة‭ ‬بعضها‭ ‬موضوعي‭ ‬والآخر‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬موهوماً،‭ ‬قادرون‭ ‬على‭ ‬رسم‭ ‬معالم‭ ‬موقف‭ ‬واضح‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬على‭ ‬تمثيلهم‭ ‬هم‭ ‬أنفسهم‭.‬

نستطيع‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬الموضوعية‭ ‬تقسيم‭ ‬الاتجاهات‭ ‬العلمانية‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثة‭ ‬مواقف‭ ‬أساسية‭: ‬يتمثل‭ ‬الموقف‭ ‬الأول‭ ‬بالعلمانيين‭ ‬الذين‭ ‬اختاروا‭ ‬الاصطفاف‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬النظام‭ ‬بحجة‭ ‬أن‭ ‬الحراك‭ ‬إسلامي‭ ‬الطابع‭ ‬والتخوف‭ ‬من‭ ‬قيام‭ ‬دولة‭ ‬إسلامية‭ ‬وانتصار‭ ‬القوى‭ ‬الإسلامية‭ ‬وبالتالي‭ ‬اغتصاب‭ ‬شكل‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬أمد‭ ‬طويل‭ ‬ذهبت‭ ‬هذه‭ ‬القوى‭ ‬إلى‭ ‬اعتبار‭ ‬النظام‭ ‬المدافع‭ ‬الأول‭ ‬عن‭ ‬العلمانية‭ ‬في‭ ‬سورية‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬برمتها‭. ‬أما‭ ‬الاتجاه‭ ‬الثاني،‭ ‬ويمثله‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬موقف‭ ‬كتلة‭ ‬إعلان‭ ‬دمشق‭ ‬في‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬السوري،‭ ‬فقد‭ ‬مضى‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬الإسلامية‭ ‬وإسقاط‭ ‬شعارات‭ ‬الدولة‭ ‬العلمانية‭ ‬بحجة‭ ‬أن‭ ‬الحراك‭ ‬إسلامي‭ ‬وأن‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬الإسلاميين‭ ‬ضرورة‭ ‬ملحة‭ ‬لإسقاط‭ ‬النظام‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬شكل‭ ‬النظام‭ ‬المستقبلي‭. ‬أما‭ ‬الموقف‭ ‬الثالث‭ ‬فقد‭ ‬تمثل‭ ‬بالقوى‭ ‬العلمانية‭ ‬التي‭ ‬ضمتها‭ ‬هيئة‭ ‬التنسيق‭ ‬الوطنية‭ ‬والتي‭ ‬رغم‭ ‬عدم‭ ‬مسايرتها‭ ‬للحراك‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬التسلح‭ ‬والتدخل‭ ‬الخارجي،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬عجزت‭ ‬عن‭ ‬طرح‭ ‬العلمانية‭ ‬كشعار‭ ‬أساسي‭ ‬لها،‭ ‬واكتفت‭ ‬باصطلاح‭ ‬مبهم‭ ‬هو‭ ‬الدولة‭ ‬المدنية‭. ‬

فشلت‭ ‬المواقف‭ ‬الثلاثة‭ ‬بتأسيس‭ ‬موقف‭ ‬علماني‭ ‬معبر،‭ ‬ونأت‭ ‬بنفسها‭ ‬عن‭ ‬مواجهة‭ ‬‮«‬محتملة‮»‬‭ ‬مع‭ ‬الشارع‭ ‬لتترك‭ ‬الشارع‭ ‬إلى‭ ‬قوى‭ ‬إسلامية‭ ‬انتهازية‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬العلمانية‭ ‬مرادفة‭ ‬للكفر‭ ‬والزندقة،‭ ‬ليتعمق‭ ‬خوف‭ ‬العلمانيين‭ ‬من‭ ‬طرح‭ ‬فكرة‭ ‬العلمانية‭ ‬على‭ ‬الملأ‭ ‬بل‭ ‬دعت‭ ‬بعض‭ ‬الأطراف‭ ‬إلى‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬قوى‭ ‬لا‭ ‬تناقض‭ ‬العلمانية‭ ‬وحسب،‭ ‬بل‭ ‬وتهدد‭ ‬كيانه‭ ‬ككل‭ ‬سواء‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تحالفت‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬وجدت‭ ‬في‭ ‬جبهة‭ ‬النصرة‭ ‬حليفاً‭ ‬أليفاً‭ ‬يضم‭ ‬ويحب‭ ‬ولا‭ ‬مانع‭ ‬من‭ ‬تقبيله‭ ‬من‭ ‬‮«‬بين‭ ‬عيونه‮»‬‭.‬

بالطبع‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يبرر‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬المتردد‭. ‬إذ‭ ‬ليس‭ ‬خافياً‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬عودة‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬ومنذ‭ ‬مطلع‭ ‬التسعينيات‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬والعالم‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬أضحى‭ ‬أكثر‭ ‬تنظيماً‭ ‬وقوة‭ ‬وتمويلاً‭. ‬لقد‭ ‬أحرز‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬تقدما‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬فشل‭ ‬المشروع‭ ‬العلماني‭ ‬بشقيه‭ ‬القومي‭ ‬والشيوعي‭. ‬فحماس‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬المحتلة‭ ‬وحزب‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬والأخوان‭ ‬المسلمون‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬والمقاومة‭ ‬العراقية،‭ ‬قدمت‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬المشروع‭ ‬العلماني‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬انتصارات‭ ‬عسكرية‭ ‬وسياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬عجزت‭ ‬عنها‭ ‬غالبية‭ ‬القوى‭ ‬العلمانية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الإسلامية‭ ‬عموماً‭ ‬وفي‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭. ‬زد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬تمسك‭ ‬الإعلام‭ ‬العربي‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ ‬بخطاب‭ ‬محاب‭ ‬ومساير‭ ‬للفكر‭ ‬الإسلامي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬بحجة‭ ‬أن‭ ‬غالبية‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي‭ ‬إسلامية‭ ‬بطبيعتها‭ ‬وترفض‭ ‬العلمانية‭ ‬جملة‭ ‬وتفصيلاً‭.‬

لا‭ ‬نعرف‭ ‬سبباً‭ ‬موضوعياً‭ ‬يشرح‭ ‬استسلام‭ ‬العلمانيين‭ ‬السوريين‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل‭ ‬لفكرة‭ ‬أن‭ ‬غالبية‭ ‬المجتمع‭ ‬السوري‭ ‬ترفض‭ ‬العلمانية،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬استطلاعات‭ ‬رأي‭ ‬ولا‭ ‬بحوث‭ ‬موضوعية‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬للنظام‭ ‬أن‭ ‬يسمح‭ ‬بمثل‭ ‬ذلك‭ ‬بالمطلق‭. ‬بالمقابل‭ ‬كيف‭ ‬لمجتمع‭ ‬ثلثه‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬من‭ ‬أقليات‭ ‬دينية‭ ‬وعرقية‭ ‬أن‭ ‬يوافق‭ ‬على‭ ‬رسم‭ ‬شكل‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬يقصي‭ ‬هذا‭ ‬الثلث‭ ‬عن‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬الحكم؟‭ ‬وكيف‭ ‬يوافق‭ ‬على‭ ‬أسلمة‭ ‬الدولة‭ ‬وتديينها؟‭ ‬لماذا‭ ‬انتخب‭ ‬ثلاثة‭ ‬أرباع‭ ‬المصريين‭ ‬شخصيات‭ ‬علمانية‭ (‬أحمد‭ ‬شفيق،‭ ‬وعمرو‭ ‬موسى،‭ ‬وحمدين‭ ‬صباحي‭) ‬في‭ ‬الجولة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الانتخابات؟

لم‭ ‬يفت‭ ‬القطار‭ ‬على‭ ‬العلمانيين‭ ‬السوريين‭ ‬وبالتأكيد‭ ‬لن‭ ‬يفوت،‭ ‬لكن‭ ‬عليهم‭ ‬أولاً‭ ‬أن‭ ‬يخرجوا‭ ‬من‭ ‬قمقم‭ ‬خوفهم‭ ‬وترددهم‭ ‬وأن‭ ‬يتملكوا‭ ‬شجاعة‭ ‬الشيخ‭ ‬رياض‭ ‬درار،‭ ‬إمام‭ ‬أحد‭ ‬جوامع‭ ‬مدينة‭ ‬دير‭ ‬الزور،‭ ‬الذين‭ ‬كان‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬هيئة‭ ‬التنسيق‭ ‬في‭ ‬أيلول‭ ‬2011‭ ‬الذي‭ ‬طالب‭ ‬بالعلمانية‭ ‬شكلاً‭ ‬للدولة‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬حضور‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬دعاة‭ ‬العلمانية‭ ‬في‭ ‬البلد‭!!!‬

حنطة ١٩11

برومو الشهيد ناجي الجرف