ملف

معارضات، ونظام واحد

عارف‭ ‬حمزة

كاتب‭ ‬سوري

لم‭ ‬يكن‭ ‬النّظام‭ ‬السّوريّ‭ ‬الطّرف‭ ‬الضّعيف،‭ ‬أو‭ ‬الغبيّ،‭ ‬أو‭ ‬الجاهل‭ ‬بتكتيك‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬رغبات‭ ‬المواطنين‭ ‬حتّى‭ ‬قبل‭ ‬قيامهم‭ ‬بحركة‭ ‬احتجاج،‭ ‬وليس‭ ‬ثورة‭ ‬فحسب‭. ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬شغله‭ ‬الشّاغل‭ ‬لتقوية‭ ‬ودوام‭ ‬أسس‭ ‬حكمه‭ ‬الأبديّ،‭ ‬في‭ ‬كيفيّة‭ ‬محو‭ ‬مفهوم‭ ‬المواطنة‭ ‬والوطن‭ ‬والسّيادة‭ ‬والكرامة‭ ‬في‭ ‬دواخل‭ ‬المواطنين‭.‬

وكان‭ ‬نهجه‭ ‬الأوّل‭ ‬هو‭ ‬أسوأ‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬سياسة‭ ‬أيّ‭ ‬احتلال،‭ ‬كان‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬فرّق‭ ‬تسد‮»‬‭ ‬الذهبيّة‭. ‬والحوادث‭ ‬التّاريخيّة‭ ‬كثيرة‭ ‬وقائمة‭ ‬على‭ ‬تثبيت‭ ‬فكرة‭ ‬التّقسيم‭ ‬بين‭ ‬مكوّنات‭ ‬الشّعب‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وفي‭ ‬داخل‭ ‬تلك‭ ‬المكوّنات‭ ‬ذاتها‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬مثل‭ ‬حادثة‭ ‬البدو‭ ‬في‭ ‬السّويداء،‭ ‬وحوادث‭ ‬الإخوان،‭ ‬وحادثة‭ ‬الأكراد‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2004،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭. ‬يُضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬خطوات‭ ‬استبعاد‭ ‬النّخب‭ ‬الثقافيّة،‭ ‬والعلميّة،‭ ‬والعسكريّة‭ ‬عن‭ ‬المراكز‭ ‬التي‭ ‬يستحقونها‭. ‬إضافةً‭ ‬إلى‭  ‬قيامه‭ ‬بتعويم‭ ‬منظومةٍ‭ ‬متكاملة‭ ‬من‭ ‬الفساد‭ ‬كي‭ ‬تكون‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬منظومة‭ ‬القوانين‭ ‬المعطَّلة‭ ‬في‭ ‬البلاد‭. ‬

هذه‭ ‬بعض‭ ‬التّفاصيل‭ ‬عن‭ ‬النّظريّة‭ ‬الأمنيّة‭ ‬التي‭ ‬أسّسها‭ ‬حافظ‭ ‬الأسد،‭ ‬والتي‭ ‬كان‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬تغيب‭ ‬عن‭ ‬نظر‭ ‬المعارضة‭ ‬السّوريّة‭ ‬التي‭ ‬ترغب‭ ‬في‭ ‬إطاحته،‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬عملها‭. ‬

التّقسيم‭ ‬الذي‭ ‬جرى،‭ ‬بعد‭ ‬تشكيل‭ ‬المجلس‭ ‬الوطنيّ‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬الائتلاف‭ ‬السّوريّ،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬موجوداً‭ ‬في‭ ‬الأشهر‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الثورة‭. ‬ومَن‭ ‬قام‭ ‬بتعزيز‭ ‬هذا‭ ‬المسمّى‭ ‬هو‭ ‬النّظام‭ ‬السّوريّ،‭ ‬وليس‭ ‬المعارضة‭ ‬نفسها‭. ‬خاصّة‭ ‬أنّه‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المأمون‭ ‬وجود‭ ‬تلك‭ ‬المعارضة‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬مع‭ ‬عدم‭ ‬قدرة‭ ‬الفصائل‭ ‬المسلّحة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الأحياء،‭ ‬وليس‭ ‬المدن‭ ‬أو‭ ‬البلدات،‭ ‬التي‭ ‬تمّ‭ ‬تحريرها‭ ‬من‭ ‬النّظام‭ ‬الممتلك‭ ‬لزمام‭ ‬البطش‭ ‬الجويّ‭. ‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬التّقسيم‭ ‬من‭ ‬النّظام‭ ‬سوى‭ ‬لتشويه‭ ‬صورة‭ ‬المعارضة‭ ‬بأنّها‭ ‬‮«‬مرتبطة‭ ‬بالخارج‮»‬‭ ‬وليس‭ ‬لأنّها‭ ‬تقيم‭ ‬خارج‭ ‬البلاد‭. ‬بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إلصاق‭ ‬تهمتيْ‭ ‬العمالة‭ ‬والخيانة‭ ‬بها،‭ ‬بالمقارنة‭ ‬مع‭ ‬معارضة‭ ‬الدّاخل‭. ‬ويبدو‭ ‬أنّ‭ ‬المعارضة‭ ‬في‭ ‬الدّاخل‭ ‬قد‭ ‬ارتاحت‭ ‬لذلك‭ ‬التّقسيم‭ ‬وقبلت‭ ‬ذلك‭ ‬الوسام‭ ‬المؤقّت‭.‬

مع‭ ‬دوام‭ ‬عدم‭ ‬سقوط‭ ‬النّظام‭ ‬لوقت‭ ‬طويل،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬بقيّة‭ ‬تجارب‭ ‬الربيع‭ ‬العربيّ،‭ ‬ومع‭ ‬دوام‭ ‬دعم‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬له‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬العلن‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الخفاء،‭ ‬ابتلعت‭ ‬المعارضة‭ ‬التي‭ ‬تقيم‭ ‬خارج‭ ‬البلاد‭ ‬الطّعم‭ ‬الذي‭ ‬جهّزه‭ ‬النّظام‭ ‬لها؛‭ ‬فباتت‭ ‬فاقدةً‭ ‬لقرارها‭ ‬الشّخصيّ،‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يُفهم‭ ‬مصطلح‭ ‬الوطنيّ‭ ‬بطريقة‭ ‬مغايرة،‭ ‬لصالح‭ ‬الدّول‭ ‬الضّعيفة‭ ‬ديبلوماسيّاً،‭ ‬وسياسيّاً،‭ ‬وعسكريّاً،‭ ‬والقويّة‭ ‬ماديّاً‭ ‬كدول‭ ‬الخليج‭. ‬

ومع‭ ‬دوام‭ ‬الوقت‭ ‬كذلك،‭ ‬جعل‭ ‬تلك‭ ‬المعارضة‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬الذي‭ ‬يجري‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬مع‭ ‬خطط‭ ‬النّظام‭ ‬السّامة‭ ‬في‭ ‬اختراق‭ ‬الجيش‭ ‬الحرّ‭ ‬وتفكيكه‭ ‬من‭ ‬الدّاخل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬صنع‭ ‬كتائب‭ ‬إسلاميّة‭ ‬ثبت‭ ‬أنّها‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬أهداف‭ ‬الثّورة‭ ‬السّوريّة‭ ‬المُطالبة‭ ‬بدولة‭ ‬الحقّ‭ ‬والمواطنة‭. ‬وبعضها‭ ‬الآخر‭ ‬مرتبط‭ ‬مباشرة‭ ‬بالاستخبارات‭ ‬السّوريّة‭. ‬كما‭ ‬أنّها‭ ‬بدت‭ ‬غير‭ ‬قادرة،‭ ‬خاصّة‭ ‬للنّاحية‭ ‬العسكريّة،‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬قيادة‭ ‬موحّدة‭ ‬لمقاتليها‭ ‬على‭ ‬الأرض‭. ‬

والشّيء‭ ‬المؤسف‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬إليه‭ ‬معارضة‭ ‬الخارج،‭ ‬هو‭ ‬التفاتها‭ ‬إلى‭ ‬صراعاتها‭ ‬الشّخصيّة‭ ‬وتبنّي‭ ‬قرارات‭ ‬الدّول‭ ‬الدّاعمة،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الالتفات‭ ‬إلى‭ ‬هاجس‭ ‬المواطن‭ ‬الذي‭ ‬ينسحق‭ ‬أكثر‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬الصّراع،‭ ‬وهاجس‭ ‬الوطن‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يُدمّر‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭. ‬

بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬على‭ ‬المعارضة‭ ‬أن‭ ‬تملك‭ ‬قرارها‭ ‬الشخصيّ‭ ‬والوطنيّ‭ ‬لتحرير‭ ‬البلد‭ ‬من‭ ‬النّظام‭ ‬الدّيكتاتوريّ،‭ ‬وكذلك‭ ‬استرتيجيّة‭ ‬واضحة‭ ‬للقيام‭ ‬بذلك‭. ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬فإنّ‭ ‬كلّ‭ ‬قضايا‭ ‬الوطن،‭ ‬وليس‭ ‬القضيّة‭ ‬الكرديّة‭ ‬فحسب،‭ ‬ستُحلّ‭ ‬بمجرّد‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬القانون،‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬القانون‭ ‬هو‭ ‬البديل‭ ‬المنطقيّ‭ ‬للبطش‭ ‬الذي‭ ‬عاناه‭ ‬الجميع‭. ‬

ليست‭ ‬الثّورة‭ ‬السّلميّة‭ ‬أو‭ ‬الثّورة‭ ‬المسلّحة،‭ ‬وكذلك‭ ‬التّدخّل‭ ‬الخارجيّ،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يفرّق‭ ‬بين‭ ‬المعارضة‭ ‬التي‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬والمعارضة‭ ‬التي‭ ‬في‭ ‬الدّاخل‭. (‬فالذي‭ ‬حوّل‭ ‬الثّورة‭ ‬إلى‭ ‬مسلّحة‭ ‬هو‭ ‬النّظام‭ ‬نفسه،‭ ‬النّظام‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬الأمور‭ ‬دفعاً‭ ‬نحو‭ ‬التّسلّح‭ ‬وحماية‭ ‬النّفس،‭ ‬وليس‭ ‬المعارضة‭)‬،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬عيْش‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬منذ‭ ‬عشرات‭ ‬السّنين‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬النّظام‭ ‬الدّيكتاتوريّ‭ ‬في‭ ‬سورية‭. ‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬معارضة‭ ‬الخارج‭ ‬قد‭ ‬قطعت‭ ‬كلّ‭ ‬السبل‭ ‬مع‭ ‬سلميّة‭ ‬الثورة،‭ ‬فإنّ‭ ‬التصاق‭ ‬معارضة‭ ‬الداخل‭ ‬بها‭ ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬طوباويّ‭ ‬ليس‭ ‬إلاّ‭. ‬خاصّة‭ ‬مع‭ ‬بطش‭ ‬النّظام‭ ‬في‭ ‬تهجير‭ ‬واعتقال‭ ‬وقتل‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الشبّان‭ ‬والشّابات‭ ‬الذين‭ ‬آمنوا‭ ‬بفكرة‭ ‬سلميّة‭ ‬الثّورة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إسقاط‭ ‬النّظام‭.  ‬فكأنّ‭ ‬معارضة‭ ‬الدّاخل‭ ‬تتبنّى‭ ‬فكرة‭ ‬النّظام‭ ‬في‭ ‬الضّحك‭ ‬على‭ ‬الشّعب‭ ‬بأنّ‭ ‬هذا‭ ‬النّظام‭ ‬هو‭ ‬نظام‭ ‬وطنيّ،‭ ‬وأنّ‭ ‬إسقاطه‭ ‬بالقوّة‭ ‬العسكريّة‭ ‬هو‭ ‬عمل‭ ‬غير‭ ‬وطنيّ‭!!. ‬وقد‭ ‬يصل‭ ‬بهم‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬تشبيه‭ ‬ذلك‭ ‬بأنّه‭ ‬اعتداء‭ ‬على‭ ‬الدّستور‭ (‬هل‭ ‬قلنا‭ ‬دستور؟؟‭) ‬أو‭ ‬احتلال‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭. ‬

ليست‭ ‬صور‭ ‬التّلفزة‭ ‬والإعلام‭ ‬وحدها‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يعانيه‭ ‬الشّعب‭ ‬السّوري‭ ‬حقيقة،‭ ‬فكلّ‭ ‬مواطنٍ‭ ‬سوريٍّ‭ ‬عاش‭ ‬كارثة‭ ‬حقيقيّة،‭ ‬وعلى‭ ‬المعارضة‭- ‬أو‭ ‬المعارضات‭- ‬أن‭ ‬تلتفت‭ ‬له‭ ‬ولكارثته‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إعادة‭ ‬الحقّ‭ ‬لمن‭ ‬تمّ‭ ‬الاعتداء‭ ‬عليه‭ ‬بأيّ‭ ‬طريقة‭ ‬تحفظ‭ ‬الوطن‭ ‬والشّعب‭ ‬والحقّ‭. ‬

في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬كنتُ‭ ‬أتمنّى‭ ‬لو‭ ‬أنّ‭ ‬معارضة‭ ‬الدّاخل‭ ‬تقيم‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬والأرياف‭ ‬التي‭ ‬تتعرّض‭ ‬للقصف‭ ‬والحصار‭ ‬اليوميّين،‭ ‬وللتّجويع‭ ‬الجماعيّ،‭ ‬طالما‭ ‬تناسَوا‭ ‬كلّ‭ ‬التّاريخ‭ ‬الدّمويّ‭ ‬لهذا‭ ‬النّظام‭ ‬ومعتقلاته،‭ ‬وأزلامه،‭ ‬وأفكاره‭ ‬غير‭ ‬السّوريّة‭ ‬وغير‭ ‬الوطنيّة‭. ‬

وبالنسبة‭ ‬لي،‭ ‬فإنّ‭ ‬الفظائع‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تجري،‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬تجري،‭ ‬في‭ ‬معتقلات‭ ‬النّظام‭ ‬وفروعه‭ ‬الأمنيّة‭ ‬وسجونه‭ ‬لوحدها‭ ‬بحاجة‭ ‬لتدخّل‭ ‬دوليّ‭ ‬لقلب‭ ‬نظام‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬سورية،‭ ‬وهذا‭ ‬التّدخّل‭ ‬الدوليّ‭ ‬ستفهمه‭ ‬معارضة‭ ‬الدّاخل‭ ‬على‭ ‬أنّه‭ ‬تدخّل‭ ‬عسكريّ‭ ‬فحسب‭.  ‬

ومن‭ ‬نافل‭ ‬الكلام‭ ‬القولُ‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬معارضة‭ ‬الخارج‭ ‬تقيم‭ ‬خارج‭ ‬البلاد،‭ ‬فإنّ‭ ‬معارضة‭ ‬الدّاخل‭ ‬تقيم‭ ‬خارج‭ ‬ما‭ ‬يلاقيه‭ ‬الشّعب‭ ‬السّوريّ‭ ‬من‭ ‬بطش‭ ‬وقتل‭ ‬وتنكيل‭. ‬

حنطة ١٩14

برومو الشهيد ناجي الجرف