حصيدة

معاناة لا نهاية لها

مكتب‭ ‬اللاذقية‭-‬أحمد‭ ‬ناعسة

لمعاناة‭ ‬السوريين‭ ‬فصولاً‭ ‬كثيرة،‭ ‬فبعد‭ ‬ظلم‭ ‬النّظام‭ ‬من‭ ‬تهجير‭ ‬وتشبيح،‭ ‬إلى‭ ‬ظلْم‭ ‬وذلّ‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬بعض‭ ‬مخيمات‭ ‬النّزوح‭  ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬السّورية‭ ‬المحرّرة،‭  ‬فهذه‭ ‬المخيمات‭ ‬أصبحت‭ ‬كابوساً‭ ‬لبعض‭ ‬النّازحين‭ ‬السّوريين،‭ ‬ومن‭ ‬ضمن‭ ‬هذه‭ ‬المخيّمات‭ ‬مخيّم‭ ‬تنسيقيّة‭ ‬اللاذقيّة‭ ‬في‭ ‬جبل‭ ‬التركمان،‭ ‬والذي‭ ‬يُعتبر‭ ‬من‭ ‬أسوأ‭ ‬المخيّمات‭ ‬من‭ ‬النّاحية‭ ‬الخدميّة‭ ‬المنطقة‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬أحد‭ ‬ساكني‭ ‬المخيّم‭.‬

عماد‭ ‬برني‭  ‬رجل‭ ‬مسّن،‭ ‬يبلغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬خمسة‭ ‬وخمسون‭ ‬عاماً،‭ ‬يروي‭ ‬لأحد‭ ‬ناشطي‭ ‬السّاحل‭ ‬في‭ ‬مقابلة‭ ‬أجراها‭ ‬معه‭ ‬تفاصيل‭ ‬معاناته‭ ‬التي‭ ‬عاشها‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬نزوحه‭ ‬في‭ ‬مخيم‭ ‬التّنسيقيّة،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬مصيره‭ ‬‮«‬الاعتقال‮»‬‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬إدارة‭ ‬مخيّم‭ ‬التّنسيقيّة‭ ‬بحجة‭ ‬التّشهير‭ ‬والافتراء‭ ‬بعد‭ ‬عرض‭ ‬مقابلته‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعيّ‭ ‬بعدّة‭ ‬أيام‭!  ‬وبعد‭ ‬بحثٍ‭ ‬مطوّل‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬النّاشط‭ ‬الذي‭ ‬أجرى‭ ‬معه‭ ‬المقابلة،‭ ‬وعدة‭ ‬أطراف‭ ‬أخرى،‭ ‬وسؤال‭ ‬آدم‭ ‬حاج‭ ‬سليمان‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬المخيّم‭ ‬عن‭ ‬مكان‭ ‬تواجد‭ ‬الرّجل،‭ ‬أجاب‭ ‬آدم‭ ‬‮«‬سلّمته‭ ‬للمحكمة‮»‬،‭ ‬ويقصد‭ ‬هنا‭ ‬المحكمة‭ ‬الشّرعيّة‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬بداما‭ ‬في‭ ‬ريف‭ ‬اللاذقيّة،‭ ‬ولكن‭ ‬عند‭ ‬ذهاب‭ ‬أحد‭ ‬أقربائه‭ ‬للسؤال‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬المحكمة،‭ ‬كانت‭ ‬الصّدمة،‭ ‬إذ‭ ‬أنكرت‭ ‬المحكمة‭ ‬تواجده‭ ‬لديها‭: (‬ما‭ ‬عنا‭ ‬حدا‭ ‬بها‭ ‬الاسم‭).‬

ومن‭ ‬أبرز‭ ‬ما‭ ‬ذكره‭ ‬عماد‭ ‬خلال‭ ‬مقابلته،‭ ‬وهو‭ ‬يتكلّم‭ ‬بغصّة‭ ‬عن‭ ‬فساد‭ ‬إدارة‭ ‬المخيّم،‭ ‬حيث‭ ‬وصفهم‭ ‬بشبّيحة‭ ‬الثّورة،‭ ‬وذكر‭ ‬بعض‭ ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬مع‭ ‬سكّان‭ ‬المخيّم،‭  ‬فيقول‭: ‬‮«‬عند‭ ‬توجّه‭ ‬أحد‭ ‬أصدقائي‭ ‬لاستلام‭ ‬بعض‭ ‬المعونات،‭ ‬قال‭ ‬له‭ ‬أحد‭ ‬الأشخاص‭ ‬المسوؤلين‭ ‬عن‭ ‬المخيّم‭ : ‬أنا‭ ‬عم‭ ‬طعميكم‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬صرمايتي‮»‬،‭ ‬ويصف‭ ‬عماد‭ ‬إدارة‭ ‬المخيّم‭ ‬بأنّهم‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬نسخة‭ ‬مصغّرة‭ ‬لنظام‭ ‬الأسد،‭ ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬الحصار‭ ‬الأمنيّ‭ ‬المفروض‭ ‬عليهم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬إدارة‭ ‬المخيّم،‭ ‬حيث‭ ‬يروي‭ ‬عماد‭ ‬قصّة‭ ‬إمراةٍ‭ ‬سألت‭ ‬أحد‭ ‬حرس‭ ‬المخيّم‭: ‬‮«‬لماذا‭ ‬تراقبوننا‭ ‬وتتنصّتون‭ ‬علينا‭ ‬فنحن‭ ‬هربنا‭ ‬من‭ ‬ظلم‭ ‬النّظام‭ ‬وبطشه‭ ‬لنيل‭ ‬حرّيتنا‮»‬‭ ‬فأجابها‭: ‬‮«‬نحنا‭ ‬لسا‭ ‬أفظع‭ ‬من‭ ‬بشار‭ ‬الاسد‭ !‬‮»‬

ويضيف‭ ‬عماد‭ ‬أنّ‭ ‬الإساءات‭ ‬التي‭ ‬يتعرّضون‭ ‬لها‭ ‬دفعت‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬سكّان‭ ‬المخيّم‭ ‬إلى‭ ‬الرّحيل،‭ ‬ويقول‭: ‬‮«‬عند‭ ‬إنشاء‭ ‬المخيّم‭ ‬كان‭ ‬عدد‭ ‬السكّان‭  ‬يتجاوزالـ2000‭ ‬نسمة،‭ ‬ولكنّ‭ ‬العدد‭ ‬بدأ‭ ‬ينخفض‭ ‬تدريجاً‭ ‬بسبب‭ ‬ما‭ ‬يعيشونه‭ ‬من‭ ‬معاناة‭ ‬يوميّة،‭ ‬وظلمٍ،‭ ‬وقهرٍ،‭ ‬وجوعٍ،‭ ‬وأمراض‭. ‬حيث‭ ‬أنّ‭ ‬إدارة‭ ‬المخيّم‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬بتوزيع‭ ‬المعونات‭ ‬الإغاثيّة‭ ‬بالتّساوي‭ ‬بين‭ ‬سكّان‭ ‬المخيّم،‭ ‬بل‭ ‬تقوم‭ ‬بالتّمييز‭ ‬والمحسوبيّة،‭ ‬ومن‭ ‬يعترض‭ ‬يُعاقب‭ ‬بالحرمان‭ ‬من‭ ‬حصّته‭ ‬الغذائيّة‮»‬‭.  ‬كلّ‭ ‬ذلك‭ ‬تسبّب‭ ‬بخروج‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬من‭ ‬المخيّم،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وصل‭ ‬عدد‭ ‬سكّان‭ ‬المخيّم‭ ‬لـ‭  ‬700‭ ‬نسمة،‭ ‬وتحدّث‭ ‬عماد‭ ‬أيضاً‭ ‬عن‭ ‬أشخاصٍ‭ ‬فُقدوا،‭ ‬أو‭ ‬قُتلوا‭ ‬بسبب‭ ‬انتقادهم‭ ‬لإدارة‭ ‬المخيّم،‭ ‬حيث‭ ‬يتمّ‭ ‬تلفيق‭ ‬التّهم‭ ‬المُختلفة‭ ‬لهم‭. ‬يُسارع‭ ‬النّاشط‭ ‬الذي‭ ‬أجرى‭ ‬معه‭ ‬اللّقاء‭ ‬لسؤاله‭: ‬‮«‬ألا‭ ‬تخشى‭ ‬اكتشاف‭ ‬هويتك؟‮»‬،‭ ‬فيجيبه‭ ‬عماد‭: ‬‮«‬قد‭ ‬تلّفق‭ ‬لي‭ ‬تهمة،‭ ‬إمّا‭ ‬بالعرض،‭ ‬أو‭ ‬السّرقة‭ ‬فأنا‭ ‬لا‭ ‬أستبعد‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬عنهم‮»‬‭. ‬وهنا‭ ‬يطلب‭ ‬عماد‭ ‬من‭ ‬النّاشط‭ ‬إخفاء‭ ‬صورته،‭ ‬وتغيير‭ ‬صوته‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يتمّ‭ ‬التعرّف‭ ‬عليه‭. ‬وبالرّغم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فقد‭ ‬تمّ‭ ‬اعتقاله‭ ‬بعد‭ ‬عدّة‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬نشر‭ ‬المقابلة‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التّواصل‭ ‬الاجتماعيّ‭.‬

والأمر‭ ‬الغريب‭ ‬أنّه‭ ‬بعد‭ ‬السّؤال‭ ‬عن‭ ‬مصير‭ ‬المدعو‭ ‬عماد‭ ‬برني،‭ ‬تبيّن‭ ‬أنّه‭ ‬قد‭ ‬تمّ‭ ‬احتجازه‭ ‬في‭ ‬مخيّم‭ ‬التّنسيقيّة‭ ‬بتاريخ‭ ‬‮١٦‬‭-‬‮٧‬‭-‬‮٢٠١٤‬،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬تمّ‭ ‬تسليمه‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬اليوم‭ ‬للمحكمة‭ ‬الشّرعيّة‭ ‬لـ«بداما‮»‬‭. ‬ويقول‭ ‬النّاشط‭ ‬الذي‭ ‬أجرى‭ ‬المقابلة‭ ‬مع‭ ‬عماد‭: ‬‮«‬عندما‭ ‬وردني‭ ‬خبر‭ ‬اعتقال‭ ‬عماد،‭ ‬سارعت‭ ‬للسؤال‭ ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬الاعتقال،‭ ‬ليتبيّن‭ ‬أنّ‭ ‬السّبب‭ ‬هو‭ ‬إفادته‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬أمام‭ ‬الكاميرا،‭ ‬وأقواله‭ ‬وانتقاداته‭ ‬لمخيّم‭ ‬التّنسيقيّة،‭ ‬وما‭ ‬يحصل‭ ‬داخله‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬معاملة‮»‬‭. ‬وعلم‭ ‬النّاشط‭ ‬أيضاً‭ ‬بأنّ‭ ‬إدارة‭ ‬المخيّم‭ ‬قد‭ ‬رفعت‭ ‬دعوى‭ ‬ضدّ‭ ‬المدعو‭ ‬عماد‭ ‬بتهمة‭ ‬التّشهير‭ ‬والافتراء،‭ ‬كما‭ ‬رفعت‭ ‬دعوى‭ ‬ثانية‭ ‬ضدّ‭ ‬النّاشط‭ ‬تحوي‭ ‬التّهم‭ ‬ذاتها‭. ‬وذكر‭ ‬النّاشط‭ ‬أنّ‭ ‬زميلة‭ ‬له‭ ‬حاولت‭ ‬تصوير‭ ‬المخيّم‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬فتعرّض‭ ‬لها‭ ‬أحد‭ ‬حرّاس‭ ‬المخيّم،‭ ‬وحاول‭ ‬مصادرة‭ ‬كاميرتها‭. ‬ويضيف‭ ‬النّاشط‭: ‬‮«‬بأنّ‭ ‬مدير‭ ‬المخيّم‭  ‬يمنع‭ ‬منعاً‭ ‬باتّاً‭ ‬التّصوير‭ ‬داخل‭ ‬المخيم‭ ‬وخارجه،‭ ‬بحجة‭ ‬أنّ‭ ‬التّصوير‭ ‬يحدّد‭ ‬موقع‭ ‬المخيّم‭ ‬ممّا‭ ‬يُمهّد‭ ‬لقصفه‮»‬،‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬أنّ‭ ‬التّصوير‭ ‬متاحٌ‭ ‬في‭ ‬باقي‭ ‬المخيّمات‭ ‬المجاورة،‭ ‬ولم‭ ‬تتعرّض‭ ‬للقصف،‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬قوله‭.‬

أما‭ ‬السؤال‭ ‬هنا‭:‬

كيف‭ ‬يحق‭ ‬لمجموعة‭ ‬اعتقال‭ ‬شخص‭ ‬تريد‭ ‬ان‭ ‬ترفع‭ ‬دعوى‭ ‬عليه؟‭ ‬وأين‭ ‬الكتائب‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬المدنيين‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التصرف؟‭ ‬وماذا‭ ‬سيكون‭ ‬مصير‭ ‬المدعو‭ ‬عماد‭ ‬برني‭ ‬وهو‭ ‬ذكر‭ ‬في‭ ‬مقابلته‭ ‬بأنه‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬أناس‭ ‬معارضين‭ ‬لإدارة‭ ‬المخيم‭ ‬تم‭ ‬تلفيق‭ ‬تهم‭ ‬لهم‭ ‬وطردهم‭ ‬من‭ ‬المخيم؟‭ ‬فهل‭ ‬سيكون‭ ‬مصير‭ ‬عماد‭ ‬مثل‭ ‬سابقيه؟‭ ‬أم‭ ‬ستأخذ‭ ‬العدالة‭ ‬مجراها؟‭ ‬وكيف‭ ‬يحق‭ ‬لمجموعة‭ ‬اعتقال‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬بهذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يحرك‭ ‬أحد‭ ‬ساكناً؟

حنطة ١٩20

برومو الشهيد ناجي الجرف