حصيدة

«الحاجة أم الضّرورة» شعار مدينة عفرين،لخلق بدائل

بوشكين‭ ‬محمد‭ ‬علي

عمد‭ ‬النّظام‭ ‬السّوريّ‭ ‬منذٌ‭ ‬بداية‭ ‬الثّورة‭ ‬السّوريّة‭ ‬على‭ ‬معاقبة‭ ‬الشّعب‭ ‬بشتّى‭ ‬الطّرق‭ ‬والوسائل،‭ ‬من‭ ‬قتلٍ‭ ‬وتهجيرٍ‭ ‬وتعذيبٍ‭ ‬واعتقال‭. ‬وأيضاً‭ ‬قطع‭ ‬الخدمات‭ ‬اليوميّة‭ ‬عن‭ ‬المواطن‭ ‬السّوريّ‭ ‬على‭ ‬الخارطة‭ ‬السّورية‭ ‬كاملةً،‭ ‬شمالاً‭ ‬وجنوباً،‭  ‬غرباً‭ ‬وشرقاً،‭ ‬ومحا‭ ‬النّظام‭ ‬كيان‭ ‬‮«‬الحكومة‮»‬‭ ‬وعملها‭ ‬المدنيّ‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬المواطنين‭ ‬على‭ ‬لائحة‭ ‬العقوبات‭ ‬على‭ ‬الثّائرين‭ ‬ضدّه‭.‬

ربّما‭ ‬لم‭ ‬تتعرّض‭ ‬المناطق‭ ‬الكردية‭ ‬في‭ ‬سورية،‭ ‬كما‭ ‬باقي‭ ‬المدن‭ ‬السّورية،‭ ‬إلى‭ ‬الّدمار‭ ‬والخرابْ،‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّها‭ ‬تلّقت‭ ‬عقوبات‭ ‬حجب‭ ‬الخدمات،‭ ‬وقطع‭ ‬الحاجات‭ ‬اليوميّة‭ ‬عن‭ ‬المدن‭ ‬والقرى‭ ‬والأرياف،‭ ‬ممّا‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬صعوبات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليوميّة‭ ‬والمعيشيّة،‭ ‬ممّا‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬حالات‭ ‬الهجرة،‭ ‬وارتفاع‭ ‬نسب‭ ‬البطالة،‭ ‬وضعف‭ ‬المدن‭ ‬خدميّاً‭.‬

‭ ‬مدينة‭ ‬عفرين‭ ‬ذات‭ ‬الغالبيّة‭ ‬الكرديّة،‭ ‬شمال‭ ‬محافظة‭ ‬حلب،‭ ‬والتي‭ ‬يُسيطر‭ ‬عليها‭ ‬حزب‭ ‬الاتحاد‭ ‬الدّيمقراطيّ‭ (‬pyd‭)‬،‭ ‬وممثّله‭ ‬العسكريّ‭ (‬وحدات‭ ‬الحماية‭ ‬الشّعبيّة‭ ‬ypg‭)‬،‭ ‬والمتاخمة‭ ‬لمناطقَ‭ ‬يُسيطر‭ ‬عليها‭ ‬الجيش‭ ‬الحرّ،‭ ‬تعرّضت‭ ‬كباقي‭ ‬مدن‭ ‬الرّيف‭ ‬الحلبيّ‭ ‬الشّمالي‭ ‬إلى‭ ‬انقطاع‭ ‬الخدمات‭ ‬من‭ ‬الكهرباء،‭ ‬والماء،‭ ‬وشبكات‭ ‬الاتصال‭ ‬والإنترنت،‭ ‬وعانى‭ ‬أهل‭ ‬المدينة‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المتاعب‭ ‬واستخدام‭ ‬أساليب‭ ‬بدائية‭ ‬لقضاء‭ ‬حاجيّاتهم‭.‬

ولكنّ‭ ‬رنين‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬الحاجّة‭ ‬أمّ‭ ‬الضّرورة‮»‬‭ ‬اقتحم‭ ‬مدينة‭ ‬عفرين،‭ ‬وأصبح‭ ‬الجميع‭  ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬بدائل‭ ‬وحلولٍ‭ ‬لتعويض‭ ‬ما‭ ‬انقطع‭ ‬عنهم‭. ‬ففي‭ ‬البداية‭ ‬نبدأ‭ ‬بالكهرباء،‭ ‬كانت‭ ‬الكهرباء‭ ‬منقطعةً‭ ‬عن‭ ‬مدينة‭ ‬عفرين‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬8‭ ‬شهور‭ ‬متواصلة‭. ‬في‭ ‬البداية‭ ‬اعتمد‭ ‬المواطنون‭ ‬على‭ ‬المولّدات‭ ‬الكهربائيّة‭ ‬الصّغيرة‭ ‬ذات‭ ‬التّكلفة‭ ‬العاليّة،‭ ‬وفيما‭ ‬بعد،‭ ‬وفي‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬قام‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬تجّار‭ ‬المدينة‭ ‬بجلب‭ ‬مولدّات‭ ‬كبيرة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬توليد‭ ‬الكهرباء‭ ‬لمناطق‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المدينة،‭ ‬مقابل‭ ‬يبلغ‭ ‬‮«‬500‮»‬‭ ‬ليرة‭ ‬سورية‭ ‬أسبوعيّاً‭ ‬للأمبير‭ ‬الواحد‭.‬

يقول‭ ‬‮«‬خليل‭ ‬رشيد‮»‬‭ ‬أحد‭ ‬مُستثمري‭ ‬المولّدات‭: ‬‮«‬أنّه‭ ‬قام‭ ‬بجلب‭ ‬هذه‭ ‬المولّدة‭ ‬لخدمة‭ ‬المواطنين‭ ‬ولتحقيق‭ ‬أرباحٍ‭ ‬شخصيّة‭ ‬أيضاً‭. ‬ويقوم‭ ‬حزب‭ ‬الـ‭ ‬pyd‭ ‬بفرض‭ ‬رسوم‭ ‬وضرائب‭ ‬علينا‭ ‬أيضاً‮»‬‭. ‬ولكنّ‭ ‬هذا‭ ‬البديل،‭ ‬وعلى‭ ‬الرّغم‭ ‬من‭ ‬مفعوله‭ ‬الكبير،‭ ‬وفائدته‭ ‬للسّكان،‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬متوفّراً‭ ‬لجميع‭ ‬السّكّان‭ ‬في‭  ‬المدينة‭ ‬–‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬سكّان‭ ‬عفرين،‭ ‬هناك‭ ‬366‭ ‬قرية‭ ‬عفرينيّة‭- ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬وجود‭ ‬عائلات‭ ‬فقيرة‭ ‬جدّاً‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬دفع‭ ‬هذا‭ ‬المبلغ‭. ‬ولكن‭  ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬هي‭ ‬المثال‭ ‬الحيّ‭ ‬على‭ ‬إصرار‭ ‬المواطن‭ ‬السّوري‭ ‬على‭ ‬الاستمرار،‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬الحلول‭.‬

أمّا‭ ‬بالنّسبة‭ ‬للمياه‭ ‬في‭ ‬المدينة،‭ ‬فانقطاعها‭ ‬كان‭ ‬متعلّقاً‭ ‬بانقطاع‭ ‬الكهرباء،‭ ‬وذلك‭  ‬بسبب‭ ‬اعتماد‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬سدّ‭ ‬ميدانكي‭ ‬الذي‭ ‬يضخّ‭ ‬المياه‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الكهرباء‭. ‬فكان‭ ‬المواطنون‭ ‬يقومون‭ ‬بجلب‭ ‬صهاريج‭ ‬مياه‭ ‬لسدّ‭ ‬احتياجاتهم،‭ ‬بتكلفة‭ ‬مرتفعة‭ ‬جدّاً،‭ ‬هذا‭ ‬عدا‭ ‬عن‭ ‬تلّوث‭ ‬هذه‭ ‬المياه،‭ ‬وكلسيتها،‭ ‬وعدم‭ ‬صلاحيتها‭ ‬كمياهٍ‭ ‬للشرب‭. ‬فيما‭ ‬بعد،‭ ‬تبنّت‭ ‬شركة‭ ‬خاصّة‭ ‬توليد‭ ‬سدّ‭ ‬ميدانكي،‭ ‬وضخّ‭ ‬المياه‭ ‬على‭ ‬المنازل‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬والقرى‭ ‬مقابل‭ ‬مبلغ‭ ‬شهري‭ ‬يبلغ‭ ‬1500‭ ‬ليرة‭ ‬سورية،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تأتي‭ ‬المياه‭ ‬يومين‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭. ‬وأيضاً‭ ‬يقوم‭  ‬الـ‭ ‬pyd‭  ‬بفرض‭ ‬ضرائب‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الشركة‭.‬

ومن‭ ‬جانب‭ ‬اخر‭ ‬يقول‭ ‬المواطن‭ ‬محمود‭ ‬بكر«أنّ‭ ‬هذا‭ ‬المبلغ‭ ‬مرتفع‭ ‬جدّاً،‭ ‬وأنّ‭ ‬التّقنيّة‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬ليست‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬المطلوب‭ ‬والمصرّح‭ ‬عنه،‭ ‬وأنّ‭ ‬المياه‭ ‬لا‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬مواعيدها‮»‬‭. ‬ولكنّها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحاليّ‭ ‬تُشكّل‭ ‬بديلاً‭ ‬مناسباً‭ ‬للمواطن‭ ‬مقارنةً‭ ‬بهذه‭ ‬الظروف‭ ‬والأوضاع‭.‬

بالنسبة‭ ‬لشبكات‭ ‬الاتصالات،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬مقطوعة،‭ ‬وتمّ‭ ‬توليد‭ ‬بريد‭ ‬عفرين‭ ‬بالكهرباء،‭ ‬وتعمل‭ ‬شبكات‭ ‬الاتصال‭ ‬من‭ ‬حين‭ ‬لأخر‭. ‬بالنسبة‭ ‬لشبكات‭ ‬الانترنت‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬توقّفت‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬منذ‭ ‬فترةٍ‭ ‬بعيدة،‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّ‭ ‬بعض‭ ‬سكان‭ ‬عفرين‭ ‬قاموا‭ ‬بوضع‭ ‬أبراج‭ ‬داخل‭ ‬المدينة‭ ‬تجذب‭ ‬البثّ‭ ‬من‭ ‬تركيا،‭ ‬ويتمّ‭ ‬توزيعها‭ ‬على‭ ‬المنازل‭ ‬في‭ ‬المدينة‭. ‬عثمان‭ ‬شيخ‭ ‬محمد‭ ‬صاحب‭ ‬محلّ‭ ‬صيانة‭ ‬لشبكات‭ ‬الإنترنت،‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬أنّ‭ ‬هكذا‭ ‬خدمة‭ ‬هي‭ ‬لصالح‭ ‬المواطن،‭ ‬وتحدث‭ ‬أيضاً‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬مشاكل‭ ‬تقنية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬وسيتمّ‭ ‬إصلاحها‭ ‬عمّا‭ ‬قريب‭.‬

هكذا‭ ‬عاقب‭ ‬النّظام‭ ‬المواطن،‭ ‬وهكذا‭ ‬وجد‭ ‬المواطن‭ ‬حلولاً‭ ‬وبدائل،‭ ‬رغم‭ ‬ضعف‭ ‬هذه‭ ‬الحلول‭ ‬وعدم‭ ‬تغطيتها‭ ‬للمنطقة‭ ‬بشكل‭ ‬كامل،‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّها‭ ‬تبقى‭ ‬تجربة‭ ‬جيدّة‭ ‬خلقت‭ ‬واقعاً‭ ‬أفضل‭ ‬ممّا‭ ‬كانت‭ ‬عليه،‭ ‬ويبقى‭ ‬أمل‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬عفرين‭ ‬كباقي‭ ‬المواطنين‭ ‬السوريين‭ ‬بعودة‭ ‬حياتهم‭ ‬الطبيعيّة،‭ ‬متفائلين‭ ‬بمستقبل‭ ‬أفضل‭ ‬يليق‭ ‬بتطلعاتهم‭.‬

حنطة ١٩24

برومو الشهيد ناجي الجرف