حكايا البيدر

الحراك المدنيّ في المناطق الكرديّة في سُورية- الجزء الثّانيّ

شمسه‭ ‬شاهين

ساهم‭ ‬الهدوء‭ ‬والاستقرار‭ ‬الأمنيّ‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الكرديّة‭ ‬في‭ ‬سورية‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬بيئة‭ ‬خصبة‭ ‬لنموّ‭ ‬ونشاط‭ ‬الحراك‭ ‬المدنيّ،‭ ‬والذي‭ ‬تجسّد‭ ‬بتشكيل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬‮«‬منظّمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدنيّ‮»‬‭ ‬المُهْتمّة‭ ‬بمختلف‭ ‬شؤون‭ ‬الحياة،‭ ‬من‭ ‬ثقافةٍ،‭ ‬وإعلامٍ،‭ ‬وطفولةٍ‭ ‬إلى‭ ‬تمكين‭ ‬المرأة‭. ‬إضافةً‭ ‬إلى‭ ‬قيام‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المنظّمات‭ ‬الدّوليّة‭ ‬أو‭ ‬السّوريّة،‭ ‬عبر‭ ‬افتتاح‭ ‬مراكز‭ ‬ومقرّاتٍ‭ ‬لها‭ ‬لتكون‭ ‬مراكز‭ ‬تُوفّر‭ ‬فرص‭ ‬التّدريب‭ ‬واكتساب‭ ‬المهارات‭.‬

هذا‭ ‬مع‭ ‬عدم‭ ‬تجاهل‭ ‬أنّ‭ ‬‮«‬المجتمع‭ ‬المدنيّ‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬طلاق‭ ‬السّياسة‭ ‬وتجنّب‭ ‬الاقتراب‭ ‬منها‭. ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس،‭ ‬أساسه‭ ‬السّياسة‭ ‬كـ‭ ‬‮«‬رقابة‮»‬‭ ‬وليس‭ ‬كممارسة،‭  ‬فهو‭ ‬‮«‬الحيّز‭ ‬المستقل‭ ‬بينهما‮»‬،‭ ‬وناشط‭ ‬المجتمع‭ ‬المدنيّ‭ ‬هنا‭ ‬يقوم‭ ‬بوظيفتين‭: ‬فمن‭ ‬جهة،‭ ‬هو‭ ‬يعمل‭ ‬لكي‭ ‬يحمي‭ ‬السّلطة‭ ‬من‭ ‬الانزلاق‭ ‬نحو‭ ‬الاستبداد،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬يقف‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المجتمع‭ ‬ويقوم‭ ‬بتوعيّته‭ ‬ووقوفه‭ ‬على‭ ‬قدميه،‭ ‬وذلك‭  ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقديم‭ ‬دراسات،‭ ‬أو‭ ‬مذكّرات،‭ ‬أو‭ ‬استخدام‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬لذا‭ ‬فإنّ‭ ‬الأحزاب‭ ‬الكرديّة‭ ‬بمنظماتها‭ ‬المختلفة‭ ‬كانت‭ ‬أيضاً‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الحراك‭.‬

أضف‭ ‬بأنّ‭ ‬هشاشة‭ ‬البنية‭ ‬السّياسيّة‭ ‬لعب‭ ‬دوراً‭ ‬سلبيّاً‭ ‬في‭ ‬التّأثير‭ ‬على‭ ‬مفاهيم‭ ‬وممارسة‭ ‬‮«‬الدّيمقراطية‮»‬،‭ ‬لتبدو‭ ‬وكأنّها‭ ‬تجسيدٌ‭ ‬للمصالح‭ ‬الخاصّة،‭ ‬فغياب‭ ‬القانون‭ ‬يُنمّي‭ ‬نزوعاً‭ ‬قوياً‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬المواطنة،‭ ‬والعموميّة،‭ ‬والمصالح‭ ‬الوطنيّة‭ ‬والحريّة‭. ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬إحدى‭ ‬الوسائل‭ ‬الموظّفة‭ ‬والمستعملة‭ ‬لخدمة‭ ‬المصالح‭ ‬السّياسيّة،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أنّ‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ -‬في‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭- ‬هو‭ ‬السّعي‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬المعادلة،‭ ‬وتأزيم‭ ‬الوضع،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬محاولتهم‭ ‬بناء‭ ‬العامّ‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬الخاصّ،‭ ‬أي‭ ‬إعادة‭ ‬تكوين‭ ‬نظامهم‭ ‬وولادته‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬المجتمع‭. ‬وتظهر‭ ‬تبعيّة‭ ‬الاستعمال‭ ‬العموميّ‭ ‬للاستعمال‭ ‬الخصوصيّ‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬داخليٍّ‭ ‬في‭ ‬عسكرة‭ ‬المجتمع‭ ‬المدنيّ‭ ‬وراء‭ ‬برنامج‭ ‬الحزب‭ ‬الواحد،‭ ‬أو‭ ‬العمل‭ ‬بفكرة‭ ‬‮«‬المجالس‭ ‬المحليّة،‭ ‬أو‭ ‬الشّعبيّة‮»‬،‭ ‬وتصنيع‭ ‬الجمعيّات‭ ‬والأحزاب،‭ ‬أو‭ ‬السّيطرة‭ ‬عليها‭ ‬فتبدو‭ ‬التّعدديّة‭ ‬ظاهراً‭ ‬جميلاً،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬باطنها‭ ‬انغلاق‭ ‬خانق‭.‬

المجتمع‭ ‬المدنيّ‭ ‬في‭ ‬الجزيرة‭ ‬السّورية‭ ‬مازال‭ ‬مسألة‭ ‬نخبة،‭ ‬ولم‭ ‬يعمَّ‭ ‬الوعي‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬المجتمع‭ ‬المدنيّ‭ ‬واقعا‭ ‬جماعياً،‭ ‬ويبقى‭ ‬تُراثنا‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬العوائق‭ ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬تعميم‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭.‬

خارطة‭ ‬منظّمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدنيّ‭ ‬

تمّ‭ ‬إحصاء‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسين‭ ‬منظّمة‭ ‬مجتمع‭ ‬مدنيّ‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الجزيرة،‭ ‬تُعنى‭ ‬بمختلف‭ ‬مناحي‭ ‬الحياة،‭ ‬وغالبها‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬أيّ‭ ‬إستراتيجيّة‭ ‬عمل‭ ‬أو‭ ‬توثيق،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬غياب‭ ‬الدّعم‭ ‬والتّمويل‭ ‬الذي‭ ‬يسهّل‭ ‬العمل‭ ‬والأداء‭.‬

إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬توجد‭ ‬حوالي‭ ‬15‭ ‬منظّمة‭ ‬حزبيّة‭ ‬يديرها‭ ‬الشّباب،‭ ‬تركّز‭ ‬على‭ ‬تفعيل‭ ‬دور‭ ‬الحزب‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬العامّة،‭ ‬وتساهم‭ ‬في‭ ‬تقارب‭ ‬وجهات‭ ‬النّظر‭ ‬في‭ ‬الشّارع‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الفئات‭.‬

خطوات‭ ‬متعثّرة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المجتمع‭ ‬المدنيّ

تقول‭ ‬ألين‭ ‬خلف‭ ‬وهي‭ ‬ناشطة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدنيّ‭: ‬‮«‬كثيرة‭ ‬جداً‭ ‬هي‭ ‬المعوقات‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬المجتمع‭ ‬المدنيّ،‭ ‬فمبرّرات‭ ‬ضعفها‭ ‬هي‭ ‬حداثة‭ ‬التّجربة،‭ ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬فإنه‭ ‬ينبغي‭ ‬لمنظّمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدنيّ‭ ‬أنْ‭ ‬تنضج‭  ‬بتجربتها‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭. ‬وفي‭ ‬تصوّري،‭ ‬ليس‭ ‬المهمّ‭ ‬بأيّة‭ ‬سرعة‭ ‬تبلغ‭ ‬درجة‭ ‬الرّشد‭ ‬المطلوبة،‭ ‬بقدر‭ ‬أهميّة‭ ‬نزاهة‭ ‬الدّوافع‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬تلك‭ ‬المنظّمات‭. ‬مع‭ ‬الفارق‭ ‬في‭ ‬أنّ‭ ‬القائمين‭ ‬عليها‭ ‬هم‭ ‬أقلّ‭ ‬إصابة‭ ‬بأمراض‭ ‬القائمين‭ ‬على‭ ‬الفعل‭ ‬السّياسيّ‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التّهافت‭ ‬على‭ ‬المواقع‭ ‬والمناصب،‭ ‬وما‭ ‬يتأتّى‭ ‬من‭ ‬كسب‭ ‬عبر‭ ‬ذلك‭.‬

إنّ‭ ‬مجتمعنا‭ ‬يريد‭ ‬بناء‭ ‬واقع‭ ‬جديد‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬ومبادئ‭ ‬الدّيمقراطيّة،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬له‭ ‬النجاح‭ ‬فيما‭ ‬يسعى‭ ‬إليه‭ ‬بدون‭ ‬منظّمات‭ ‬مدنيّة‭ ‬فاعلة‭ ‬حقاً،‭ ‬ومن‭ ‬الطّبيعي‭ ‬أنْ‭ ‬نجد‭ ‬بعض‭ ‬السّياسيين‭ ‬ينظرون‭ ‬بريبة‭ ‬وعدم‭ ‬ارتياح‭ ‬لهذه‭ ‬المنظّمات‭ ‬لأنّها‭ ‬تمثّل‭ ‬آليات‭ ‬رقابة‭ ‬إضافيّة‭ ‬عليهم‭. ‬ولابد‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬التّأكيد‭ ‬على‭ ‬استقلاليّة‭ ‬هذه‭ ‬المنظّمات‭ ‬عن‭ ‬مؤسّسات‭ ‬الدّولة،‭ ‬وبالتّالي‭ ‬لا‭ ‬مبرّر‭ ‬لوجود‭ ‬وزارة‭ ‬باسم‭ ‬المجتمع‭ ‬المدنيّ‭ ‬لأنّها‭ ‬تقيّد‭ ‬حركة‭ ‬المنظّمات‭. ‬إذ‭ ‬يرتبط‭ ‬نجاح‭ ‬المنظّمة‭ ‬واستمرارها‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬بصدقتيها‭ ‬وأدائها‭ ‬المتميّز‭ ‬ولا‭ ‬تجعل‭ ‬في‭ ‬أهدافها‭ ‬غير‭ ‬المعلنة‭ ‬تحقيق‭ ‬الأرباح‭ ‬فقط‭. ‬

حنطة ١٩26

برومو الشهيد ناجي الجرف