جرن حنطة

الدّهاء الأَمريكيّ جعل من الدّب الرّوسيّ مهزلة السّياسة العالميّة

عبد القادر العبيد

دعونا‭ ‬نُركّز‭ ‬أوّلاً‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الحقائق‭ ‬قَبل‭ ‬الخوض‭ ‬في‭ ‬تَفاصيل‭ ‬البحث،‭ ‬وأهمّها‭:‬

كلّنا‭ ‬يعرف‭ ‬أنّ‭ ‬الأَمريكان‭ ‬طَالما‭ ‬تغنّوا‭ ‬بأنّهم‭ ‬المُدافعين‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وحرّيات‭ ‬الشُّعوب،‭ ‬ويشكّل‭ ‬ذَلك‭ ‬جزْءاً‭ ‬منَ‭ ‬السّياسةِ‭ ‬الدّيماغوجيّة‭ ‬التي‭ ‬تَتبعها‭ ‬إداراتِهم‭ ‬المُتَعاقبة‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬هَيمنتها‭ ‬على‭ ‬شعوبها‭ ‬أوّلاً،‭ ‬وعلى‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬ثانيّا‭. ‬

في‭ ‬الُمقابل،‭ ‬نَجد‭ ‬الرُّوس‭ ‬دائماً‭ ‬ما‭ ‬يتغنّون‭ ‬بمواقفهم‭ ‬التي‭ ‬يصفونها‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬الثّابتة‮»‬‭  ‬وعدم‭ ‬تَخلّيهم‭ ‬عن‭ ‬حلفائهم‭ – ‬رموزِ‭ ‬الدّكتاتوريات‭ ‬‭- ‬وهَذا‭ ‬هو‭ ‬المنحى‭ ‬الذي‭ ‬تَسير‭ ‬به‭ ‬سياستهم‭. ‬

إلاّ‭ ‬أنّ‭ ‬ما‭ ‬رأيناه‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الماضي‭ ‬يُشير‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬الولايات‭ ‬المتّحدة‭ ‬الأمريكيّة‭ ‬عندما‭ ‬تقرّر‭ ‬فعل‭ ‬شيء‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تَنتظر‭ ‬الموافقة‭ ‬الرّوسيّة،‭ ‬ولا‭ ‬الصّينيّة،‭ ‬ولا‭ ‬الأوربيّة‭. ‬وتَتّجه‭ ‬نحو‭ ‬هدفَها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تَأْخذ‭ ‬الإذن‭ ‬من‭ ‬أَحد‭.  ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬رأيناه‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وليبيا،‭ ‬وأفْغانستان‭ ‬القَريبة‭ ‬من‭ ‬روسيّا‭.‬

أمّا‭ ‬فيما‭ ‬يتعلّق‭ ‬بالثّورة‭ ‬السّوريّة،‭ ‬فمنذ‭ ‬بداية‭ ‬الثّورة‭ ‬أبدى‭ ‬الأمريكان‭ ‬موقفهم‭ ‬المناصر‭ ‬للشّعب‭ ‬السّوريّ؛‭ ‬وحقوقه‭ ‬المشروعة‭ ‬في‭ ‬الحرّية‭ ‬والدّيمقراطيّة‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬المرّة‭ ‬تحديدا،‭ ‬لم‭ ‬تبدِ‭ ‬أمريكا‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬دفاعاً‭ ‬عن‭ ‬الشّعب‭ ‬السّوريّ،‭ ‬ولكنّها‭ ‬أظهرت‭ ‬موقفها‭ ‬بشكل‭ ‬سابق‭ ‬لأوانه،‭  ‬كي‭ ‬تزجّ‭ ‬الدّبّ‭ ‬الرّوسيّ‭ ‬في‭ ‬الضّفّة‭ ‬المقابلة‭ ‬لها‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬فعلاً‭ ‬كون‭ ‬الرّوس‭ ‬اعتادوا‭ ‬على‭ ‬زجّ‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬الضّفة‭ ‬المقابلة‭ ‬للأمريكان‭ ‬دائماً؛‭ ‬حتّى‭ ‬ولو‭ ‬كانوا‭ ‬على‭ ‬خطأ،‭ ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬طريقة‭ ‬الأمريكيين‭ ‬دائماً‭ ‬عندما‭ ‬يريدون‭ ‬استجرار‭ ‬الرّوس‭ ‬إلى‭ ‬موقف‭ ‬يريدونه‭.‬

الحقيقة‭ ‬الأهمّ،‭ ‬والتي‭ ‬يجب‭ ‬ألاّ‭ ‬تغيب‭ ‬عن‭ ‬أذهاننا‭ ‬أبدا،ً‭ ‬هي‭ ‬أنّ‭ ‬أمريكا‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬الأسد‭ ‬نظاماً‭ ‬حليفاً،‭ ‬ومطيعاً،‭ ‬متخفيّاً‭ ‬خلف‭ ‬ستار‭ ‬المقاومة‭ ‬التي‭ ‬يستمدّ‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬التّأييد‭ ‬الشّعبيّ‭ ‬لتنفيذ‭ ‬المصالح‭ ‬الاستراتيجيّة‭ ‬الأمريكيّة؛‭ ‬سرّاً‭ ‬أو‭ ‬علناً،‭ ‬وأهمّها‭ ‬حماية‭ ‬حدود‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬السّوريّ،‭ ‬وحماية‭ ‬حدودها‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬اللّبنانيّ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حزب‭ ‬الله،‭ ‬وهذا‭ ‬شيء‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬عليه‭ ‬اثنان‭.‬

لكن‭ ‬عندما‭ ‬بدأت‭ ‬المظاهرات‭ ‬في‭ ‬سُورية،‭ ‬وأبدت‭ ‬روسيّا‭ ‬موقفها‭ ‬المتعارض‭ ‬مع‭ ‬الموقف‭ ‬الأمريكيّ،‭ ‬سارعت‭ ‬أمريكا‭ ‬إلى‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬مكاسب‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تحلم‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬من‭ ‬أهمّها‭: ‬خلق‭ ‬الفجوة‭ ‬الأعمق‭ ‬بين‭ ‬الشّعب‭ ‬السّوريّ‭ ‬والقيادة‭ ‬الرّوسيّة،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المطالبة‭ ‬بإدانة‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬للنظام‭ ‬السّوريّ‭. ‬ففي‭ ‬حينها‭ ‬لم‭ ‬تبدِ‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدّة‭ ‬الأمريكيّة‭ ‬أيّة‭ ‬مرونة‭ ‬في‭ ‬التّنازل‭ ‬عن‭ ‬بنود‭ ‬القرار،‭ ‬وذلك‭  ‬كي‭ ‬تُجبر‭ ‬الرّوس‭ ‬على‭ ‬استعمال‭ ‬حقّ‭ ‬النّقض‭ ‬‮«‬الفيتو‮»‬‭. ‬إذ‭ ‬أنّ‭ ‬عدم‭ ‬استعمال‭ ‬الرّوس‭ ‬لهذا‭ ‬الحقّ‭ ‬كان‭ ‬سيرتّب‭ ‬على‭ ‬القيادة‭ ‬الرّوسيّة‭ ‬أعباء‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬تحمّلها،‭ ‬وأهمّها‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬العسكريّ‭ ‬ضدّ‭ ‬النّظام‭  ‬في‭ ‬حال‭ ‬فكّر‭ ‬الأمريكان‭ ‬بالإطاحة‭ ‬به‭.‬

هنا‭ ‬أوعزت‭ ‬أمريكا‭ ‬لحلفائها‭ ‬بتقديم‭ ‬قرارين‭ ‬آخرين‭ ‬يُدينان‭ ‬الّنظام‭ ‬السّوريّ‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬وأجبرت‭ ‬روسيّا‭ ‬على‭ ‬استعمال‭ ‬حقّ‭ ‬النّقض‭ ‬مُجدّداً‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الشّعب‭ ‬السّوريّ‭ ‬إلى‭ ‬حرق‭ ‬الأعلام‭ ‬الرّوسيّة‭ ‬في‭ ‬المظاهرات،‭ ‬وبذلك‭ ‬تحقّق‭ ‬المسعى‭ ‬الأمريكيّ‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬هوّة‭ ‬من‭ ‬الخلاف‭ ‬بين‭ ‬الشّعب‭ ‬السّوريّ‭ ‬والحكومة‭ ‬الرّوسيّة،‭ ‬والهدف‭ ‬هو‭ ‬قطع‭ ‬التّعامل‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬لأنّ‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬المسعى‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬سُورية‭ ‬دولةً‭ ‬على‭ ‬الشّكل‭ ‬التّالي‭:‬

1‭. ‬سُورية‭ ‬الدّولة‭ ‬بدون‭ ‬أي‭ ‬حليف‭ ‬قويّ‭ ‬يدافع‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬الدّوليّة‭.‬

2‭. ‬سُورية‭ ‬الدّولة‭ ‬بدون‭ ‬أي‭ ‬حليف‭ ‬عسكريّ‭ ‬يزودها‭ ‬بسلاح‭ ‬نوعيّ‭ ‬يُهدّد‭ ‬أمن‭ ‬إسرائيل‭. ‬

3‭.‬سُورية‭ ‬الدّولة‭ ‬مدمّرة،‭ ‬ومواردها‭ ‬الماليّة‭ ‬معطلّة،‭ ‬واقتصادها‭ ‬منهار‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬إنهاك‭ ‬جيشها،‭ ‬وقتل‭ ‬خبراته‭. ‬بحيث‭ ‬تنام‭ ‬إسرائيل‭ ‬مطمأنة‭ ‬البال‭ ‬على‭ ‬الاقلّ‭ ‬عشرين‭ ‬سنة‭ ‬قادمة‭.‬

4‭.‬إيجاد‭ ‬البديل‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أمريكا‭ ‬نفسها،‭ ‬وبمساعدة‭ ‬عملائها،‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬مفاصل‭ ‬الدّولة‭ ‬بحيث‭ ‬يمكن‭ ‬التّحكم‭ ‬بقرارات‭ ‬السّلطة‭ ‬القادمة،‭ ‬كي‭ ‬تبقَ‭ ‬سورية‭ ‬ضعيفة‭ ‬تابعة‭ ‬للإملاءات‭ ‬الأمريكيّة‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬الدّول‭ ‬المجاورة‭ ‬لإسرائيل‭: ‬كلبنان،‭ ‬والأردن،‭ ‬ومصر،‭ ‬والعراق‭. ‬وبالتّالي‭ ‬خروج‭ ‬روسيّا‭ ‬خارج‭ ‬هذا‭ ‬المربّع‭ ‬الذي‭ ‬يحيط‭ ‬بإسرائيل‭. ‬خاصّة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬استطاعت‭ ‬إخراجها‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬وليبيا،‭ ‬ولم‭ ‬يبقَ‭ ‬سوى‭ ‬إخراجها‭ ‬من‭ ‬السّودان‭.‬

‭ ‬هنا‭ ‬بدأت‭ ‬أمريكا‭ ‬بالخطوة‭ ‬الثّانيّة‭ ‬المتمثّلة‭ ‬بتدمير‭ ‬الجيش،‭ ‬فأوعزت‭ ‬لحكومة‭ ‬قطر‭ ‬بالتّركيز‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬الإسلاميين‭. ‬وسلّمت‭ ‬الملّف‭ ‬السّوريّ‭ ‬لقطر،‭ ‬وبقيت‭ ‬تُعطي‭ ‬تعليماتها‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬دائرة‭ ‬الصّراع‭. ‬وبذات‭ ‬الوقت،‭ ‬أوعزت‭ ‬للسّعودية‭ ‬بضرورة‭ ‬كسب‭ ‬ودّ‭ ‬المعتدلين‭ ‬من‭ ‬الجيش‭ ‬الحرّ‭ ‬واستمالتهم‭ ‬إلى‭ ‬صفّها‭. ‬وكان‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬خلق‭ ‬شرخ‭ ‬بين‭ ‬الفصائل‭ ‬الإسلاميّة،‭ ‬وفصائل‭ ‬الجيش‭ ‬الحرّ،‭ ‬خاصّة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬رفض‭ ‬الجيش‭ ‬الحرّ‭ ‬مُحاربة‭ ‬الإسلاميين‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬ظهورهم‭. ‬فحاولت‭ ‬أمريكا‭ ‬خلق‭ ‬هذا‭ ‬الخلاف‭ ‬كي‭ ‬تُحقّق‭ ‬هدفين‭: ‬الأوّل‭ ‬دفع‭ ‬الجيش‭ ‬الحرّ‭ ‬وإجباره‭ ‬على‭ ‬محاربة‭ ‬الإسلاميين‭ ‬الذين‭ ‬بدأت‭ ‬قوّتهم‭ ‬تكبر؛‭ ‬وبدؤوا‭ ‬يستولون‭ ‬على‭ ‬مواردهم‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬الخارج‭. ‬والهدف‭ ‬الثّانيّ‭ ‬هو‭ ‬أنّ‭ ‬الأمريكان‭ ‬لا‭ ‬يريدون‭ ‬توحّد‭ ‬كلّ‭ ‬الفصائل‭ ‬المقاتلة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬تتم‭ ‬الإطاحة‭ ‬بالنّظام‭ ‬السّوريّ‭ ‬بشكل‭ ‬سريع‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتمّ‭ ‬تدمير‭ ‬الجيش‭ ‬السّوريّ،‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يملك‭ ‬بعض‭ ‬الإمكانيّات‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تُهدّد‭ ‬أمن‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تحقّق‭ ‬بالفعل‭. ‬حيث‭ ‬قامت‭ ‬قطر‭ ‬بالتّركيز‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬الإسلاميين،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬قامت‭ ‬السّعودية‭ ‬باستقطاب‭ ‬بعض‭ ‬فصائل‭ ‬القوى‭ ‬المعتدلة‭ ‬من‭ ‬الجيش‭ ‬الحرّ،‭ ‬ووعدتهم‭ ‬بتقديم‭ ‬الدّعم‭ ‬اللازم،‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّها‭ ‬لم‭ ‬تفِ‭ ‬بوعودها‭ ‬لأنّها‭ ‬لم‭ ‬تتلقَّ‭ ‬الإذن‭ ‬الأمريكيّ،‭ ‬فبدأ‭ ‬الانقسام‭ ‬من‭ ‬هنا‭. ‬وبذلك‭ ‬أصبحت‭ ‬بعض‭ ‬الفصائل‭ ‬من‭ ‬الجيش‭ ‬الحرّ‭ ‬تنضوي‭ ‬تحت‭  ‬حلف‭ (‬السعودية‭ + ‬الاردن،‭ ‬بينما‭ ‬انضوت‭ ‬الفصائل‭ ‬الإسلاميّة‭ ‬تحت‭ ‬حلف‭ ( ‬قطر‭ + ‬تركيا‭)‬،‭ ‬فـخُلق‭ ‬الشّرخ‭ ‬المُراد‭ ‬إيجاده‭ ‬بين‭ ‬صفوف‭ ‬المعارضة‭ ‬المسلّحة،‭ ‬وأصبح‭ ‬كلّ‭ ‬فصيلٍ‭ ‬يُغنّي‭ ‬على‭ ‬‮«‬تمويلاه‮»‬‭. ‬

وفي‭ ‬تلك‭ ‬الأثناء‭ ‬دخل‭ ‬بعض‭ ‬المموّلين‭ ‬العرب،‭ ‬ورجال‭ ‬الأعمال‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬يريدون‭ ‬خلاص‭ ‬الشّعب‭ ‬فعلاً‭. ‬وحاولوا‭ ‬تقديم‭ ‬بعض‭ ‬الأموال‭ ‬للمعارضة‭ ‬المسلّحة‭ ‬المعتدلة‭. ‬خاصّة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬رؤوا‭ ‬دور‭ ‬الإسلاميين‭ ‬المتنامي‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬وحاولوا‭ ‬الحدّ‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الدّور،‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّ‭ ‬امريكا‭ ‬سارعت‭ ‬بالإيعاز‭ ‬إلى‭ ‬حلفائها‭ ‬الأوربيين‭ ‬بفرض‭ ‬الحظر‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬السّلاح‭ ‬للمعارضة‭ ‬السّورية،‭ ‬وذلك‭ ‬كي‭ ‬تبقى‭ ‬الخطة‭ ‬الأمريكيّة‭ ‬تسير‭ ‬بالشكل‭ ‬المرسوم‭ ‬لها‭. ‬وفرضت‭ ‬الحظر‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬الأموال‭ ‬البنوك‭ ‬الأمريكيّة‭ ‬والأوربيّة،‭ ‬وقامت‭ ‬بمراقبة‭ ‬حركتها‭ ‬ومنع‭ ‬خروج‭ ‬أيّ‭ ‬مبالغ‭ ‬كبيرة‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬تذهب‭ ‬للتّمويل‭ ‬العسكريّ‭. ‬وقد‭ ‬حدث‭ ‬ذلك‭ ‬فعلاً،‭ ‬إذ‭ ‬شاهد‭ ‬الجميع‭ ‬ذلك‭ ‬الحظر‭ ‬الذي‭ ‬تمّ‭ ‬فرضه‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬وصول‭ ‬السّلاح‭ ‬للمُعارضة‭ ‬السّوريّة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الأوربيين،‭ ‬وذلك‭ ‬لكي‭ ‬تبقى‭ ‬قطر‭ ‬هي‭ ‬الدّولة‭ ‬الوحيدة‭ ‬المموّلة‭ ‬للعمل‭ ‬العسكريّ‭ ‬في‭ ‬سُورية‭. ‬

والغريب‭ ‬أنّ‭ ‬الحكومة‭ ‬القطريّة‭ ‬كانت‭ ‬ترسل‭ ‬لائحة‭ ‬مفصّلة‭ ‬بالأسماء‭ ‬والكميّات‭ ‬مع‭ ‬كلّ‭ ‬شحنة‭ ‬أسلحة‭ ‬ترسلها،‭ ‬حيث‭ ‬تضع‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللّائحة‭ ‬أسماء‭ ‬الفصائل‭ ‬المقاتلة،‭ ‬وبجوار‭ ‬اسم‭ ‬كلّ‭ ‬فصيل‭ ‬تضع‭ ‬نوع‭ ‬وكميّة‭ ‬السّلاح‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬إيصالها‭ ‬له،‭ ‬فتقوم‭ ‬بمنح‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬95‭ ‬٪‭ ‬من‭ ‬السلاح‭ ‬للفصائل‭ ‬الاسلامية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تُبقي‭ ‬هامش‭ ‬5٪‭ ‬لرئاسة‭ ‬الأركان‭ ‬توزّعها‭ ‬لمن‭ ‬تشاء،‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬السّيد‭ ‬رئيس‭ ‬الأركان‭ ‬أمام‭ ‬العالم‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬رجل‭ ‬كرسيّ،‭ ‬مهمته‭ ‬تنفيذ‭ ‬ما‭ ‬يُملى‭ ‬عليه‭ ‬فقط‭.‬

استمرت‭ ‬هذه‭ ‬المهزلة‭ ‬حتّى‭ ‬أصبح‭ ‬الشّرخ‭ ‬واسعاً‭ ‬بين‭ ‬صفوف‭ ‬المقاتلين‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬السّوري،‭ ‬وهنا‭ ‬بدأ‭ ‬النّظام‭ ‬يستعيد‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬توازنه،‭ ‬وكان‭ ‬الوقت‭ ‬قد‭ ‬اُتيح‭ ‬للولايات‭ ‬المتّحدة‭ ‬الأمريكيّة‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬الخطة‭ (‬ب‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬سحب‭ ‬الملّف‭ ‬من‭ ‬يد‭ ‬الحكومة‭ ‬القطريّة‭ ‬وتسليمه‭ ‬للحكومة‭ ‬السّعوديّة‭. ‬

وفعلاً،‭ ‬استلمت‭ ‬الحكومة‭ ‬السّعوديّة‭ ‬ملّفاً‭ ‬شائكاً،‭ ‬وتركةً‭ ‬ثقيلة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬طاقاتها‭ ‬الفكريّة‭ ‬والسّياسيّة،‭ ‬وحاولت‭ ‬أن‭ ‬تعمل‭ ‬جاهدةً‭ ‬للخروج‭ ‬بنتائجَ‭ ‬مرضيةٍ‭ ‬لسيّدها‭ ‬الأمريكيّ‭. ‬إلاّ‭ ‬أنّ‭ ‬الواقع‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬فشل‭ ‬السّعوديّة‭ ‬هي‭ ‬النّتيجة‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬إليها‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكيّة،‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬السّعوديين‭ ‬مُنتصرين‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬تقدّمهم‭ ‬على‭ ‬القطريين،‭ ‬وبنفس‭ ‬الوقت‭ ‬هي‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬سُورية‭ ‬دولةً‭ ‬تتبع‭ ‬للسّعوديّة‭. ‬ويكفي‭ ‬أنّها‭ ‬خلقت‭ ‬شرخاً‭ ‬بين‭ ‬الأشقاء‭ ‬الخليجيين‭- ‬قطر‭ ‬والسّعودية‭-  ‬الذين‭ ‬حاول‭ ‬كلٌّ‭ ‬منهم‭ ‬على‭ ‬حِدى،‭ ‬تنفيذ‭ ‬الإملاءات‭ ‬الأمريكيّة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬ومغانم‭ ‬سياسيّة،‭ ‬واستراتيجيّة‭ ‬في‭ ‬سورية‭ ‬المُحرّرة‭. ‬فالقطريون‭ ‬كانوا‭ ‬يريدون‭ ‬انتصار‭ ‬الثّورة‭ ‬على‭ ‬أيديهم‭ ‬كي‭ ‬يحققوا‭ ‬الحلم‭ ‬الذي‭ ‬يطمحون‭ ‬إليه‭ ‬المتمثّل‭ ‬بمدّ‭ ‬خطّ‭ ‬غاز‭ ‬قطر‭ ‬–أوربا‭ ‬عبر‭ ‬الأراضي‭ ‬السّورية‭.  ‬وبنفس‭ ‬الوقت،‭ ‬يسعى‭ ‬السّعوديون‭ ‬لتحقيق‭ ‬هدفهم‭ ‬المتمثّل‭ ‬بحفر‭ ‬آبار‭ ‬نفط‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬السّورية‭ ‬مع‭ ‬العراق‭ ‬لمنع‭ ‬تسرّب‭ ‬النّفط‭ ‬السّعوديّ‭ ‬إلى‭ ‬الأراضي‭ ‬السّورية،‭ ‬لأنّ‭ ‬منطقة‭ ‬دير‭ ‬الزور‭ ‬تُعتبر‭ ‬منطقة‭ ‬منخفضة،‭ ‬وهذا‭ ‬يُسّهل‭ ‬تسرّب‭ ‬النّفط‭ ‬السّعودي‭ ‬إلى‭ ‬الأراضي‭ ‬السّورية‭. ‬وكلا‭ ‬الحُكومتين‭ ‬قدمتا‭ ‬طلبات‭ ‬بهذا‭ ‬الخصوص‭ ‬للنّظام‭ ‬السّوريّ،‭ ‬ورفض‭ ‬تلبيتهما‭.‬

‭ ‬والحقيقة‭ ‬الأهم‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نعلمها‭ ‬جميعاً،‭ ‬هي‭ ‬أنّ‭ ‬الأمريكان‭ ‬لن‭ ‬يسمحوا‭ ‬للقطريين،‭ ‬أو‭ ‬السّعوديين،‭ ‬بإسقاط‭ ‬الّنظام‭ ‬في‭ ‬سورية،‭ ‬وكلّ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مطلوب‭ ‬منهم‭ ‬إطالة‭ ‬عمر‭ ‬الثّورة‭ ‬السّوريّة‭ ‬مدّةً‭ ‬أطول‭ ‬كي‭ ‬تسير‭ ‬خطّتهم‭ ‬على‭ ‬أكمل‭ ‬وجه‭. ‬وبنفس‭ ‬الوقت،‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬ندرك‭ ‬أنّ‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬ليست‭ ‬متمسكة‭ ‬بنظام‭ ‬الأسد‭ ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬بديل‭. ‬وبنفس‭ ‬الوقت‭ ‬هي‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬ظهور‭ ‬أي‭ ‬بديل‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحاضر‭. ‬بل‭ ‬تقوم‭ ‬بتحضيره‭ ‬لمرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭- ‬مرحلة‭ ‬الفشل‭ ‬القطري‭ ‬السعودي‭- ‬لكي‭ ‬تخرج‭ ‬أمريكا‭ ‬بنتائج‭ ‬مرضية‭:‬

1‭.‬تدمير‭ ‬الجيش‭ ‬السوري‭ ‬بشكل‭ ‬شبه‭ ‬كامل‭.‬

2‭.‬تدمير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬في‭ ‬سورية‭.‬

3‭.‬تمزيق‭ ‬النسيج‭ ‬السوري‭ ‬والذي‭ ‬سوف‭ ‬ينتج‭ ‬عنه‭ ‬ما‭ ‬يُسمى‭ ‬بالفوضى‭ ‬الخلّاقة‭. ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الأطراف‭ ‬السياسية‭ ‬متصارعة‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬ومنشغلة‭ ‬عن‭ ‬اسرائيل‭.‬

4‭.‬إنهاء‭ ‬التحالفات‭ ‬السياسية‭ ‬بين‭ ‬سورية‭ ‬وبين‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬قوية‭ ‬ممكن‭ ‬أن‭ ‬تمدها‭ ‬بالسلاح‭ ‬المتطور‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يهدد‭ ‬أمن‭ ‬اسرائيل‭ ‬يوماً‭ ‬ما‭.‬

5‭.‬فكّ‭ ‬التحالف‭ ‬الإيراني‭- ‬السوري‭ ‬الذي‭ ‬طالما‭ ‬حلمت‭ ‬اسرائيل‭ ‬بتفتيته‭. ‬مع‭ ‬زيادة‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإيراني‭ ‬المنهك‭ ‬أساساً

6‭.‬تخرج‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬المنقذ‭ ‬الوحيد‭ ‬للشعب‭ ‬السوري،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقديمها‭ ‬الشخصية‭ ‬البديلة‭ ‬لنظام‭ ‬الأسد‭. ‬وبالتالي‭ ‬تصنع‭ ‬من‭ ‬نفسها‭ ‬بطل‭ ‬الإنقاذ‭ ‬الأوّل‭.‬

7‭.‬استنزاف‭ ‬قوة‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬العسكرية،‭ ‬مع‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬إبقاءه‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬اللبنانية‭ ‬الاسرائيلية،‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬دخول‭ ‬قوات‭ ‬مقاومة‭ ‬سنية‭. ‬خاصة‭ ‬وأنهم‭ ‬يعتقدون‭ ‬بأنّ‭ ‬السنة‭ ‬هم‭ ‬أكثر‭ ‬تشدّداً‭ ‬وتطرّفاً‭ ‬من‭ ‬الشيعة،‭ ‬وقد‭ ‬خاضوا‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬لذا‭ ‬هم‭ ‬سيحافظون‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬الحدوديّ‭ ‬مع‭ ‬اسرائيل،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يبقَ‭ ‬لديه‭ ‬قوة‭ ‬متواضعة‭.‬

8‭.‬استدراج‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬الجهاديين‭ ‬إلى‭ ‬سورية‭ ‬للخلاص‭ ‬منهم‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬وعلى‭ ‬أيدي‭ ‬الجيش‭ ‬الحر،‭ ‬الذي‭ ‬سوف‭ ‬يتم‭ ‬دعمه‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬القادمة‭ ‬بإمكانيات‭ ‬عالية‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الأمريكان‭ ‬إلى‭ ‬تسليم‭ ‬الملف‭ ‬السوري‭ ‬لقطر‭- ‬التي‭ ‬تدعم‭ ‬الاسلاميين‭- ‬أولاً،‭ ‬وأجّلت‭ ‬السعودية‭ ‬التي‭ ‬تدعم‭ ‬المعتدلين‭ ‬إلى‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانية‭ ‬

9‭.‬قطع‭ ‬اليد‭ ‬الروسية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬حوض‭ ‬المتوسط‭. ‬علما‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مسبقا‭ ‬في‭ ‬بال‭ ‬الأمريكان،‭ ‬ولكنهم‭ ‬وجدوا‭ ‬فيه‭ ‬مغنم‭ ‬جديد‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬المغانم‭ ‬الأمريكية‭.‬

وهكذا‭ ‬سارت‭ ‬كلّ‭ ‬الأمور‭ ‬حسب‭ ‬الإرادة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬حتّى‭ ‬حدث‭ ‬متغير‭ ‬فاجأ‭ ‬العالم‭ ‬بأسره،‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬استخدام‭ ‬‮«‬الكيماوي‮»‬‭. ‬فهذا‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بالحسبان‭ ‬الأمريكي‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭. ‬وخاصة‭ ‬استخدامه‭ ‬بهذه‭ ‬الكمية‭ ‬الكبيرة،‭ ‬والتي‭  ‬وضعت‭ ‬الأمريكان‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬محرج‭ ‬جداً‭ ‬خاصّة‭ ‬وأنّ‭ ‬أوباما‭ ‬أوعز‭ ‬للأسد‭ ‬باستخدام‭ ‬كل‭ ‬انواع‭ ‬الأسلحة‭ ‬عدا‭ ‬الكيماويّ‭.‬

‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬شهد‭ ‬العالم‭ ‬هذه‭ ‬المجزرة‭ ‬المروعة،‭ ‬رأت‭ ‬أمريكا‭ ‬أنّ‭ ‬عدم‭ ‬تدخلها‭ ‬وإظهار‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬قوتها‭ ‬سوف‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬زعزعة‭ ‬الهيبة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬وبالتالي‭ ‬هو‭ ‬تهديد‭ ‬لأمنها‭ ‬القومي‭. ‬خاصّة‭ ‬وأن‭ ‬كل‭ ‬الدول‭ ‬تؤطّر‭ ‬أمنها‭ ‬القومي‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬منطقة‭ ‬أو‭ ‬حدود‭ ‬أو‭ ‬موارد‭ ‬اقتصادية‭. ‬باستثناء‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬حدودها‭ ‬من‭ ‬القطب‭ ‬إلى‭ ‬القطب،‭ ‬وأنّ‭ ‬هيبتها‭ ‬سرّ‭ ‬قوتها‭. ‬وتربط‭ ‬أمنها‭ ‬القوميّ‭ ‬بهذه‭ ‬الهيبة‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬على‭ ‬العالم‭.‬

‭ ‬وهنا‭ ‬قامت‭ ‬أمريكا‭ ‬برفع‭ ‬صوتها‭ ‬عالياً‭ ‬بأنّها‭ ‬سوف‭ ‬توجه‭ ‬ضربة‭ ‬لنظام‭ ‬الأسد‭ ‬كي‭ ‬تستعيد‭ ‬هيبتها،‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّها‭ ‬استبقت‭ ‬الضربة‭ ‬بتصريحات‭ ‬تنذر‭ ‬بوجوب‭ ‬استمرار‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬سورية‭. ‬كقولها‭: ‬إنّها‭ ‬لن‭ ‬تقوم‭ ‬بضربة‭ ‬لإسقاط‭ ‬النّظام،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬ضربة‭ ‬تأديبية‭ ‬مع‭ ‬تجنب‭ ‬ضرب‭ ‬النقاط‭ ‬الحسّاسة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تسقط‭ ‬النّظام‭. ‬لكنّ‭ ‬الأسد‭ ‬استبق‭ ‬الضربة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وقام‭ ‬بعدّة‭ ‬خطوات‭ ‬استباقية‭ ‬منها‭. ‬نشر‭ ‬إشاعات‭ ‬أنّ‭ ‬كبار‭ ‬الضباط‭ ‬هربوا‭ ‬مع‭ ‬عائلاتهم‭ ‬إلى‭ ‬بيروت‭ ‬ودبي‭. ‬وأنّ‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العسكريين‭ ‬بدؤوا‭ ‬بالانشقاق،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأكاذيب،‭ ‬وقام‭ ‬بإخراج‭ ‬بعض‭ ‬العائلات‭ ‬فعلاً‭ ‬لإقناع‭ ‬الأمريكان‭ ‬بأنّ‭ ‬الضربة‭ ‬سوف‭ ‬تنهي‭ ‬نظامه،‭ ‬علماً‭ ‬أنّ‭ ‬تلك‭ ‬العائلات‭ ‬خرجت‭ ‬بإرادة‭ ‬النظام‭ ‬وليس‭ ‬بدون‭ ‬علمه‭. ‬كما‭ ‬وأنه‭ ‬أجرى‭ ‬لقاءً‭ ‬مع‭ ‬إحدى‭ ‬الصحف‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ووجّه‭ ‬رسالةً‭ ‬واضحة‭ ‬للأمريكان،‭ ‬عندما‭ ‬سأله‭ ‬المذيع‭: ‬‮«‬هل‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يسقط‭ ‬نظامك‭ ‬اذا‭ ‬ما‭ ‬وجهت‭ ‬لكم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أي‭ ‬ضربة‭ ‬عسكرية‮»‬،‭ ‬فأجابه‭: ‬‮«‬نعم،‭ ‬وهذا‭ ‬سوف‭ ‬يُعزّز‭ ‬من‭ ‬قوّة‭ ‬الإرهابيين،‭ ‬وسينمّي‭ ‬دور‭ ‬القاعدة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬أنّه‭ ‬يُهدّد‭ ‬أمن‭ ‬اسرائيل‭. ‬وهذه‭ ‬كانت‭ ‬رسالة‭ ‬واضحة‭ ‬للأمريكان‭ ‬مفادها‭: ‬أيّ‭ ‬ضربة‭ ‬للنظام‭ ‬تعني‭ ‬أنّ‭ ‬النظام‭ ‬سينهار،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الأمريكان‭ ‬يلعبون‭ ‬معه‭ ‬لعبة‭ ‬القطّ‭ ‬والفأر،‭  ‬وحاولوا‭ ‬طمأنته‭ ‬أكثر‭ ‬بأنّهم‭ ‬لن‭ ‬يُسقطوا‭ ‬نظامه،‭ ‬فزودوه‭ ‬بأدق‭ ‬التّفاصيل‭ ‬عن‭ ‬الأماكن‭ ‬التي‭ ‬سوف‭ ‬يقومون‭ ‬باستهدافها،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭  ‬خلال‭ ‬صحيفة‭ ‬حصلت‭ ‬على‭ ‬معلومات‭ ‬سرية‭ ‬تفيد‭ ‬بتفاصيل‭ ‬الضربة‭ ‬الأمريكية‭. ‬وصحيفة‭ ‬أُخرى‭ ‬أمريكية‭ ‬سرّبت‭ ‬معلومات‭ ‬عن‭ ‬المواقع‭ ‬التي‭ ‬سيتم‭ ‬استهدافها‭. ‬إلاّ‭ ‬أنها‭ ‬كلّها‭ ‬كانت‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬رسائل‭ ‬موجهة‭ ‬من‭ ‬جهاز‭ ‬الـ‭ ‬C.I.A‭ ‬الأمريكية،‭ ‬تنذر‭ ‬الأسد‭ ‬ونظامه‭ ‬بضرورة‭ ‬إخلاء‭ ‬تلك‭ ‬المواقع‭ ‬لأنهم‭ ‬مجبرين‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬ضربة‭ ‬شكلية‭ ‬لاستعادة‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬ماء‭ ‬الوجه‭ ‬الذي‭ ‬سفك‭ ‬أمام‭ ‬العالم‭ ‬كلّه‭. ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬الأسد‭ ‬بدأ‭ ‬باخلاء‭ ‬المواقع‭ ‬المشار‭ ‬اليها‭ ‬بالتسريبات‭ ‬فعلاً،‭ ‬إلاّ‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬مصرّاً‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬أي‭ ‬ضربة‭ ‬موجهة‭ ‬لنظامه‭ ‬سوف‭ ‬تسقطه،‭ ‬وسوف‭ ‬تعمّ‭ ‬الفوضى‭ ‬والخراب‭ ‬في‭ ‬سورية‭. ‬وهنا‭ ‬تدخّلت‭ ‬أجهزة‭ ‬المخابرات‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬بريطانية‭ ‬وفرنسا‭ ‬وأمريكا،‭ ‬لإخراج‭ ‬ساستهم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المنزلق،‭ ‬فأعادوا‭ ‬اللعبة‭ ‬الى‭ ‬مسارح‭ ‬الدّمى‭ -‬البرلمانات‭ ‬الغربيّة‭- ‬التي‭ ‬تُحركها‭ ‬أجهزة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬في‭ ‬بلادهم‭ ‬كيفما‭ ‬شاءت،‭ ‬خاصّة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالقضايا‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالأمن‭ ‬القومي‭ ‬لتلك‭ ‬الدول‭. ‬ومن‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬يعلم‭ ‬الجميع‭ ‬أنّ‭ ‬البرلمانات‭ ‬الغربية‭ ‬لها‭ ‬حرية‭ ‬شبه‭ ‬مطلقة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالقضايا‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬تتعلق‭ ‬بشؤون‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬بلادهم،‭ ‬ولكن‭ ‬عندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بقرار‭ ‬دولي‭ ‬أو‭ ‬أمن‭ ‬قوميّ،‭ ‬فهنا‭ ‬يأتي‭ ‬دور‭ ‬أجهزة‭ ‬المخابرات‭ ‬في‭ ‬توجيههم‭ ‬للتصويت‭ ‬على‭ ‬رفض‭ ‬القرارات،‭ ‬أو‭ ‬قبولها،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬ترتأيه‭ ‬أجهزة‭ ‬مخابرات‭ ‬بلادهم،‭ ‬والتي‭ ‬تقوم‭ ‬بدورها‭ ‬بإعطائهم‭ ‬دراسات‭ ‬مفصلة،‭ ‬وتوضح‭ ‬لهم‭ ‬ضرورة‭ ‬التصويت‭ ‬على‭ ‬الرفض‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬القبول،‭ ‬وبذلك‭ ‬هي‭ ‬تُبقي‭ ‬البرلمان‭ ‬بالواجهة،‭ ‬وتحقق‭ ‬الهدف‭ ‬في‭ ‬رفض‭ ‬أو‭ ‬قبول‭ ‬القرار‭. ‬وبنفس‭ ‬الوقت‭ ‬تظهر‭ ‬أمام‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬أنّها‭ ‬دول‭ ‬ديمقراطية‭ ‬تحترم‭ ‬ما‭ ‬يقرره‭ ‬البرلمان‭ ‬المنختب‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬شعوبها،‭ ‬‮«‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬بالفعل‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬قام‭ ‬مجلس‭ ‬العموم‭ ‬البريطاني‭ ‬بالتصويت‭ ‬على‭ ‬قرار‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬سورية‭ ‬وصوّت‭ ‬الاغلبية‭ ‬برفض‭  ‬مشاركة‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬ضربة‭ ‬للنظام‭ ‬السّوري‭ ‬وهذا‭ ‬الرفض‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬رفضاً‭ ‬برلمانياً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬رفضاً‭ ‬حكوميّاً‭ ‬أيضاً‭. ‬فلو‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬قد‭ ‬تلقّت‭ ‬تحذيرات‭ ‬تنذرها‭ ‬باحتمالية‭ ‬سقوط‭ ‬نظام‭ ‬الأسد‭ ‬من‭ ‬الضربة‭ ‬الأولى،‭ ‬لما‭ ‬توجهت‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬إلى‭ ‬البرلمان‭ ‬أساساً،‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬مضطرة‭ ‬لفعل‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الإجراء‭. ‬لكنّ‭ ‬القيادة‭ ‬السياسية‭ ‬أرادت‭ ‬عذراً‭ ‬مقبولاً‭ ‬أمام‭ ‬العالم‭ ‬يمنعها‭ ‬من‭ ‬التدخل،‭ ‬أو‭ ‬تخلي‭ ‬مسؤوليتها‭ ‬أمام‭ ‬شعبها‭ ‬فتحمّل‭ ‬المسؤولية‭ ‬لأعضاء‭ ‬البرلمان‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬بعض‭ ‬منهم‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬الحكومة‭ ‬ويطالبها‭ ‬بالتدخل‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬سقط‭ ‬النظام‭ ‬من‭ ‬الضربة‭ ‬الأولى‭. ‬

وفعلاً‭ ‬شهدنا‭ ‬رفض‭ ‬البريطانيين‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الضربة،‭ ‬وأصبح‭ ‬الأمريكي‭ ‬منفرداً‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬ضيقة،‭ ‬وقرر‭ ‬الأمريكان‭ ‬إيجاد‭ ‬منفذٍ‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬عنق‭ ‬الزجاجة‭. ‬فحوّل‭ ‬اوباما‭ ‬القرار‭ ‬إلى‭ ‬التصويت‭ ‬في‭ ‬الكونجرس‭ ‬الامريكي‭. ‬وبدأوا‭ ‬بإذاعة‭ ‬الشائعات‭ ‬سلفاً‭ ‬بأنّ‭ ‬الكونجرس‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يصوّت‭ ‬على‭ ‬القرار،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يدفعنا‭ ‬لأن‭ ‬نقول‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬اتخذ‭ ‬القرار‭ ‬الأمريكي‭ ‬الذي‭ ‬يقضي‭ ‬بعدم‭ ‬توجيه‭ ‬الضربة‭. ‬وهنا‭ ‬أصبح‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬حيرةٍ‭ ‬من‭ ‬أمره،‭ ‬فهو‭ ‬أمام‭ ‬خيارين‭ ‬أحلاهما‭ ‬مرّ‭: ‬فإن‭ ‬هم‭ ‬قاموا‭ ‬بتوجيه‭  ‬ضربة‭ ‬عسكرية‭ ‬للنظام‭ ‬وسقط،‭ ‬فهذا‭ ‬سوف‭ ‬يُفشل‭ ‬خطّتهم‭ ‬التي‭ ‬تنصّ‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬الصراع‭. ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬يوجهوا‭ ‬ضربة‭ ‬فإنّ‭ ‬هيبة‭ ‬أمريكا‭ -‬التي‭ ‬طالما‭ ‬تغنّى‭ ‬بها‭ ‬ساستها‭- ‬سوف‭ ‬تضيع‭. ‬فما‭ ‬هو‭ ‬الحل؟‭ ‬الحلّ‭ ‬هو‭: ‬رمي‭ ‬الطّعم‭ ‬للدّب‭ ‬الروسي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يفقه‭ ‬شيء‭ ‬سوى‭ ‬الأكل‭ ‬والنوم،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬بالفعل‭. ‬حيث‭ ‬قام‭ ‬جون‭ ‬كيري‭ ‬بإطلاق‭ ‬تصريح‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مباشر،‭ ‬ومن‭ ‬فرنسا‭ ‬تحديداً‭ ‬بأنّ‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬هدفها‭ ‬من‭ ‬الضربة‭ ‬عدم‭ ‬استخدام‭ ‬الكيماوي‭ ‬مجدداً،‭ ‬ولو‭ ‬ضمنت‭ ‬أمريكا‭ ‬إتلاف‭ ‬السلاح‭ ‬الكيماوي،‭ ‬لما‭ ‬احتاجت‭ ‬مع‭ ‬حلفائها‭ ‬لتوجيه‭ ‬ضربة‭ ‬لنظام‭ ‬الأسد‭. ‬وهنا‭ ‬وضع‭ ‬جون‭ ‬كيري‭ ‬الطعم‭ ‬للدّب‭ ‬الروسيّ،‭ ‬وبقي‭ ‬استدراجه‭ ‬عليه‭. ‬وبعد‭ ‬ساعة‭ ‬من‭ ‬تصريح‭ ‬جون‭ ‬كيري،‭ ‬خرج‭ ‬متحدث‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬الابيض‭ ‬وأدلى‭ ‬بتصريح‭ ‬ينافي‭ ‬تصريح‭ ‬جون‭ ‬كيري‭ ‬تماماً‭ ‬وقال‭ ‬ان‭ ‬جون‭ ‬كيري‭ ‬قال‭ ‬رأيه‭ ‬الشخصي‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬تصريحه‭ ‬قرار‭. ‬‮«‬او‭ ‬بما‭ ‬معناه‮»‬‭. ‬وهذا‭ ‬التصريح‭ ‬كان‭ ‬لاستدرج‭ ‬الدب‭ ‬الروسي‭ ‬إلى‭ ‬الطّعم،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬فعلاً‭.‬

‭ ‬حيث‭ ‬رأت‭ ‬روسيا‭ ‬أنّ‭ ‬هناك‭ ‬بارقة‭ ‬أمل‭ ‬يجب‭ ‬استدراكها‭ ‬والتمسك‭ ‬بها‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬يُصعّد‭ ‬الأمريكان‭ ‬ويغيّروا‭ ‬رأيهم،‭ ‬فجاء‭ ‬سيرغي‭ ‬لافروف‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الروسي‭ ‬منبطحاً‭ ‬تحت‭ ‬أقدام‭ ‬السّاسة‭ ‬الأمريكان،‭ ‬وهو‭ ‬يتقدم‭ ‬بمبادرة‭ ‬نزع‭ ‬الكيماوي‭ ‬متمسّكاً‭ ‬بالتّصريح‭ ‬الأوّل‭ ‬الذي‭ ‬أطلقه‭ ‬جون‭ ‬كيري،‭ ‬ومتجاهلاً‭ ‬للتّصريح‭ ‬الثاني‭ ‬الذي‭ ‬أطلقه‭ ‬المتحدث‭ ‬باسم‭ ‬البيت‭ ‬الابيض‭. ‬وهنا‭ ‬تنفّس‭ ‬الأمريكان‭ ‬تنفّس‭ ‬الصعداء‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬استطاعوا‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬عنق‭ ‬الزجاجة‭ ‬بفضل‭ ‬وجود‭ ‬الدّب‭ ‬الروسيّ‭.‬

‭ ‬لو‭ ‬نظرنا‭ ‬للواقع‭ ‬نظرة‭ ‬موضوعية،‭ ‬فإنّنا‭ ‬نرى‭ ‬بالأفق‭ ‬إشارات‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬الأمريكان‭ ‬قد‭ ‬اتخذوا‭ ‬القرار‭ ‬بعدم‭ ‬توجيه‭ ‬ضربة‭ ‬لنظام‭ ‬الأسد‭ ‬قبل‭ ‬المبادرة‭ ‬الروسية‭. ‬والدليل‭ ‬أن‭ ‬اوباما‭ ‬حوّل‭ ‬القرار‭ ‬إلى‭ ‬الكونجرس‭ ‬للتصويت‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬لفعل‭ ‬ذلك‭. ‬ولو‭ ‬بقي‭ ‬الروس‭ ‬صامتين‭ ‬ولم‭ ‬يتقدموا‭ ‬بأية‭ ‬مبادرة‭ ‬لكانوا‭ ‬أحرجوا‭ ‬الأمريكان،‭ ‬ودفعوهم‭ ‬للقبول‭ ‬بأقل‭ ‬من‭ ‬تفكيك‭ ‬الكيماويّ‭ ‬مقابل‭ ‬تقديم‭ ‬مبادرة‭ ‬روسية،‭ ‬ولأصبحت‭ ‬المبادرة‭ ‬الروسية‭ ‬تُقدم‭ ‬بثمن‭ ‬يدفعه‭ ‬الأمريكان‭. ‬خاصّة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصبحوا‭ ‬عاجزين‭ ‬فعلاً‭ ‬عن‭ ‬توجيه‭ ‬أيّ‭ ‬ضربة‭ ‬لنظام‭ ‬الأسد،‭ ‬ولا‭ ‬أقصد‭ ‬العجز‭ ‬العسكري‭ ‬هنا،‭ ‬بل‭ ‬أقصد‭ ‬تخوفهم‭ ‬من‭ ‬انهيار‭ ‬النّظام‭ ‬بسرعة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬ضياع‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬خططوا‭ ‬له،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬أنجزوه‭.‬

ولكنّ‭ ‬الغباء‭ ‬الرّوسي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬الأمريكان‭ ‬يحصدون‭ ‬شهرة‭ ‬عالمية‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬السّياسي،‭ ‬وهنا‭ ‬لعب‭ ‬الغباء‭ ‬الرّوسي‭ ‬دوراً‭ ‬هاماً‭ ‬في‭ ‬تغيّر‭ ‬المعادلة‭ ‬السياسية‭ ‬تماماً‭. ‬وبذلك‭ ‬تكون‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬حصدت‭ ‬النتائج‭ ‬التالية‭:‬

1‭.‬خرج‭ ‬الامريكان‭ ‬من‭ ‬عنق‭ ‬الزجاجة‭ ‬بتحقيق‭ ‬انجازات‭ ‬استراتيجية‭ ‬تفيد‭ ‬أمن‭ ‬اسرائيل‭ ‬بالمستقبل،‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬انتزاع‭ ‬الكيماويّ‭.‬

2‭.‬حافظ‭ ‬الأمريكان‭ ‬على‭ ‬الهيبة‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬يتفاخرون‭ ‬بها،‭ ‬وأبقوا‭ ‬سفنهم‭ ‬في‭ ‬حوض‭ ‬المتوسط‭ ‬كي‭ ‬يقولوا‭ ‬للعالم‭ ‬لولا‭ ‬القوة‭ ‬الأمريكية‭ ‬لما‭ ‬انتزعنا‭ ‬السلاح‭ ‬الكيماوي،‭ ‬والتصريحات‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القبيل،‭ ‬والكلّ‭ ‬سمعها‭.‬

3‭.‬حافظوا‭ ‬على‭ ‬إبقاء‭ ‬النظام‭ ‬السوري‭ ‬في‭ ‬مكانه‭ ‬حتّى‭ ‬يكمل‭ ‬مهمته‭ ‬لحين‭ ‬إنهاء‭ ‬مراحل‭ ‬الخطة‭ ‬الأمريكية‭ ‬القاضية‭ ‬بتدمير‭ ‬سورية‭ ‬كاملةً،‭ ‬بواسطة‭ ‬عميلهم‭ ‬النشط‭ ‬بشار‭ ‬الأسد‭.‬

4‭.‬زيادة‭ ‬الحقد‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬السوريين‭ ‬على‭ ‬الساسة‭ ‬الروس‭ ‬وبالتالي‭ ‬توسعة‭ ‬هوّة‭ ‬الخلاف‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭.‬

5‭.‬إطالة‭ ‬فترة‭ ‬الصراع‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬أطول‭ ‬حتّى‭ ‬تقوم‭ ‬الحكومة‭ ‬السعودية‭ ‬بإكمال‭ ‬مرحلتها‭ ‬القاضية‭ ‬بإضعاف‭ ‬الإسلاميين،‭ ‬وإنهاكهم‭. ‬وبذلك‭ ‬تكون‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الامريكية‭ ‬جهّزت‭ ‬البديل‭.‬

في‭ ‬نهاية‭ ‬البحث‭ ‬أرغب‭ ‬بالاشارة‭ ‬إلى‭ ‬موضوع‭ ‬مهم‭ ‬جداً،‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬أنّ‭ ‬أمريكا‭ ‬لن‭ ‬تسمح‭ ‬للسعوديين‭ ‬بإسقاط‭ ‬نظام‭ ‬الأسد،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مطلوب‭ ‬منهم‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬إضعاف‭ ‬دور‭ ‬الإسلاميين‭ ‬فقط‭. ‬

والدّليل‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬شاهدناه‭ ‬من‭ ‬تكرارٍ‭ ‬لسيناريوهات‭ ‬الاشتباكات‭ ‬بين‭ ‬الجيش‭ ‬الحرّ،‭ ‬والكتائب‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالقاعدة،‭ ‬والهدف‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬إضعافها‭ ‬والقضاء‭ ‬عليها‭. ‬ولو‭ ‬قمنا‭ ‬بعملية‭ ‬‮«‬فلاش‭ ‬باك‮»‬‭ ‬فسوف‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬تصريحات‭ ‬سليم‭ ‬إدريس،‭ ‬وساسة‭ ‬المعارضة‭ ‬السورية،‭ ‬كانت‭ ‬كلّها‭ ‬تنحصر‭ ‬ضمن‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬الإسلاميين‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القول‭ ‬أنّ‭ ‬جبهة‭ ‬النصرة‭ ‬هم‭ ‬أبناؤنا،‭ ‬وإخوتنا‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الشعارات‭ ‬المهترئة‭. ‬بينما‭ ‬تحولت‭ ‬كلّ‭ ‬تصريحاتهم‭ ‬إلى‭ ‬تصريحات‭ ‬هجومية‭ ‬على‭ ‬القاعدة،‭ ‬وعلى‭ ‬تنظيم‭ ‬دولة‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬والشام،‭ ‬وعلى‭ ‬النّصرة‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬استلمت‭ ‬السعودية‭ ‬ملف‭ ‬الدّعم‭ ‬السوريّ‭. ‬

وهنا‭ ‬كبرت‭ ‬هوّة‭ ‬الخلاف‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬وازدادت‭ ‬الاشتباكات‭ ‬بين‭ ‬الجيش‭ ‬الحرّ‭ ‬والإسلاميين،‭ ‬وهذا‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ذكرته‭ ‬سابقاً‭.‬

بالنّهاية‭: ‬هل‭ ‬السّعودية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إسقاط‭ ‬النّظام‭ ‬والإسلامين‭ ‬معاً؟‭  ‬كيف‭ ‬تستطيع‭ ‬فعل‭ ‬ذلك؟

هل‭ ‬هي‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إسقاط‭ ‬النّظام،‭ ‬أم‭ ‬أنّ‭ ‬مطلوب‭ ‬منها‭ ‬مهمة‭ ‬محددة،‭ ‬وهي‭ ‬إضعاف‭ ‬الإسلاميين‭ ‬فقط؟

أسئلة‭ ‬برسم‭ ‬الإجابة،‭ ‬قد‭ ‬يجيب‭ ‬البعض‭ ‬عليها‭ ‬بكلمتين،‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّها‭ ‬تحتاج‭ ‬لبحث‭ ‬كامل‭ ‬أيضاً،‭ ‬وسأحاول‭ ‬كتابته‭ ‬قريباً‭ ‬إنْ‭ ‬شاء‭ ‬الله‭.‬

حنطة ١٩30 حنطة ١٩31 حنطة ١٩32 حنطة ١٩33

برومو الشهيد ناجي الجرف