جرن حنطة

الضّوابط وحدها تحكم بين الحرّية والفوضى

عبد العزيز قادر

لا‭ ‬شَكّ‭ ‬بأنّ‭ ‬التّجمّعات‭ ‬البَشريّة‭ ‬خَاضَت‭ ‬الكَثير‭ ‬منَ‭ ‬الصّراعَات،‭ ‬ووَاجَهت‭ ‬الكَثير‭ ‬منَ‭ ‬الصُّعوبات‭ ‬منْذ‭ ‬نَشْأتها،‭ ‬وعلى‭ ‬جَميع‭ ‬الأَصْعدة،‭ ‬وكَانَت‭ ‬تَتنبّه‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬مَرْحلة‭ ‬إلى‭ ‬ضَرورة‭ ‬إيِجاد‭ ‬الحُلول‭ ‬لمَشَاكلها‭ ‬المُتجدّدة،‭ ‬والتي‭ ‬كَانَت‭ ‬تَتولّد‭ ‬في‭ ‬خَطّ‭ ‬سيْرٍ‭ ‬مُتوازٍ‭ ‬في‭  ‬صِراعٍ‭ ‬مُسْتديم‭ ‬مَع‭ ‬الرّغْبة،‭ ‬وبِإلْحاحٍ‭ ‬شَديدٍ‭  ‬كانَت‭ ‬البَشريّة‭ ‬تُبْديهما‭ ‬وهيَ‭ ‬تُدافِع‭ ‬عنْ‭ ‬وُجودها،‭ ‬لتُحَافظ‭ ‬على‭ ‬اسْتمراريّة‭ ‬الجنْس‭ ‬البَشريّ‭. ‬وكانَ‭ ‬ذَلك‭ ‬منْ‭ ‬خِلال‭ ‬البَحْث‭ ‬عنْ‭ ‬السُّبل‭ ‬التي‭ ‬تُنظّم‭ ‬أَفْرادها،‭ ‬وإمْدادها‭ ‬بالقوّة‭ ‬التي‭ ‬تُمكنّها‭ ‬منْ‭ ‬تخطّي‭ ‬الصُّعوبات‭ ‬التي‭ ‬تَعْترضهم،‭ ‬إلى‭ ‬أنْ‭ ‬تمكّنوا‭ ‬منَ‭ ‬الوُصول‭ ‬إلى‭ ‬صيَغٍ‭ ‬مُحْكمة‭ ‬منَ‭ ‬الضَّوابط،‭ ‬والآَليّات،‭ ‬تَجْعلهم‭ ‬أَكْثر‭ ‬قُدْرة‭ ‬على‭ ‬الصُّمود‭ ‬لبناءِ‭ ‬حياةٍ‭ ‬تَسُودها‭ ‬الأُلْفة،‭ ‬والتّعايش،‭ ‬ومَنْ‭ ‬ثمّ‭ ‬تَرْجمتها‭ ‬إلى‭ ‬وَقَائع‭ ‬عَمليّة‭ ‬لتَأْخذ‭ ‬تلْك‭ ‬الضَّوابط‭- ‬بعْد‭ ‬ذلك‭- ‬مَنْحنىً‭ ‬جَديداً‭ ‬في‭ ‬حَياة‭ ‬البَشريّة‭ ‬مِنْ‭ ‬خِلال‭ ‬تَنْظيمها،‭ ‬وتَعْميمها‭ ‬على‭ ‬شَكْل‭ ‬قَواعد،‭ ‬ونُصوص‭ ‬مُدوّنة‭. ‬كَما‭ ‬في‭ ‬لَوْحات‭ ‬الاِثْني‭ ‬عَشر‭ ‬في‭ ‬روما‭ ‬عَام‭ ‬449‭ ‬ق‭. ‬م،‭ ‬وقَانون‭ ‬حمورابي‭ ‬الذي‭ ‬حَكم‭ ‬بلادَ‭ ‬ما‭ ‬بَيْن‭ ‬النَّهْرين‭ ‬بَيْن‭ ‬عاميْ‭ ‬1793‭-‬1750‭ ‬ق‭. ‬م،‭ ‬حتّى‭ ‬وَصَلت‭ ‬إلى‭ ‬مَا‭ ‬عَليْها‭ ‬اليَوْم،‭ ‬عنْدما‭ ‬أَصْبح‭ ‬للقَانون‭ ‬فُروعٌ‭ ‬وأَقْسام‭ ‬شَمَلت‭ ‬جَميع‭ ‬نَشاطات‭ ‬الإِنْسان‭.‬

انْطلاقاً‭ ‬منْ‭ ‬حِكْمة‭ ‬العَالم‭ ‬أَرسْطو‭ ‬التي‭ ‬تقول‭:(‬إنّ‭ ‬الطّابعَ‭ ‬الذي‭ ‬يُميّز‭ ‬المُجْتمع‭ ‬السّياسيّ،‭ ‬ويَفْصل‭ ‬بَيْنه‭ ‬وبَيْن‭ ‬أيّ‭ ‬مُجْتمع‭ ‬آخر،‭ ‬هُو‭ ‬طَابع‭ ‬الخُضوع‭ ‬للقَانون‭ ‬والعَدْل‭). ‬وبَعْد‭ ‬البَحْث‭ ‬فيها‭ ‬تُصادفُنا‭ ‬أَسْئلة‭ ‬كثيرةٌ‭: ‬أينَ‭ ‬نحْن‭ ‬منْ‭ ‬ذَلك‭ ‬المُجْتمع‭ ‬السّياسيّ؟‭ ‬أليْس‭ ‬القَانون‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يُنظّم‭ ‬الحرّيات‭ ‬في‭ ‬جَميع‭ ‬الأَنْظمة،‭ ‬والشّرائع‭ ‬القَديمة‭ ‬والحَديثة،‭ ‬أمْ‭ ‬نحْن‭ ‬نَقع‭ ‬خَارج‭ ‬تلْك‭ ‬المَنْظومة‭ ‬ولا‭ ‬يَشْملنا‭ ‬قَوانينها‭ ‬بتاتاً؟‭ ‬وإذا‭ ‬سلّمْنا‭ ‬جدلاً‭ ‬بأنَّنا‭ ‬خَارج‭ ‬تلْك‭ ‬المَنْظومة،‭ ‬فأيْن‭ ‬هي‭ ‬القَوَانين‭ ‬والأَعْراف‭ ‬التي‭ ‬تَحْكمنا؟‭ ‬والمَعْروف‭ ‬لدى‭ ‬الجَميع،‭ ‬أنّ‭ ‬القَوانين‭ ‬نِتاج‭ ‬الشَّرائع،‭ ‬والدِّيانات،‭ ‬والأَعْراف،‭ ‬والقيَم‭ ‬والتَّقاليد‭ ‬السّائدة‭ ‬في‭ ‬المُجْتمعات،‭ ‬وهي‭ ‬آَراء‭ ‬الفَلاسفة‭ ‬والعُلماء،‭ ‬وأَيْضاً‭ ‬منَ‭ ‬الطبيعَة‭ ‬البَشريّة‭ ‬اسْتُخلص‭ ‬قَدْر‭ ‬منَ‭ ‬القَوانين،‭ ‬بمَعْنى‭ ‬أنّ‭ ‬القَوانين‭ ‬هي‭ ‬نتاجٌ‭ ‬إنْسانيٌّ‭ ‬خالص‭. ‬فأيْن‭ ‬نَحْن‭ ‬منَ‭ ‬الحرّية‭ ‬التي‭ ‬ندّعيها‭ ‬صباحَ‭ ‬مسَاء،‭ ‬وعلى‭ ‬مَدار‭ ‬السَّنة؟‭ ‬وهلْ‭ ‬يُعْقل‭ ‬إذا‭ ‬أَردْنا‭ ‬أنْ‭ ‬نَصل‭ ‬بمُجْتمعنا‭ ‬إلى‭ ‬مصافِ‭ ‬المُجْتمعات‭ ‬الحَضاريّة‭ ‬يَتحلّى‭ ‬بحُسن‭ ‬المُعَاشرة،‭ ‬تَسُودها‭ ‬الحرّيات‭ ‬دونَ‭ ‬أنْ‭ ‬نُحصّن‭ ‬بُنْيانها‭ ‬بالقَوانين‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬الرّئة‭ ‬التي‭ ‬تَتنفّس‭ ‬منْها‭ ‬الحرّية؟‭ ‬هلْ‭ ‬مازِلْنا‭ ‬نَتخبّط‭ ‬في‭ ‬أَقْبية‭ ‬العُصور‭ ‬البدائيّة،‭ ‬ومَا‭ ‬زَالت‭ ‬المَشاعة‭ ‬تَحْكم‭ ‬حياتَنا؟

يَقول‭ ‬شيْشرون‭ :(‬إنّما‭ ‬نَكون‭ ‬عَبيداً‭ ‬القَانون،‭ ‬لنَصيرَ‭ ‬بالقانونِ‭ ‬أحْرارا‭ ). ‬وقَوْل‭ ‬شيْشرون‭ ‬هذا‭ ‬إنْ‭ ‬دلّ‭ ‬على‭ ‬شيْء‭ ‬فَهو‭ ‬يدلُّ‭ ‬على‭ ‬وجودِ‭ ‬تَناغم‭ ‬وتَآلف‭ ‬ما‭ ‬يكْفي‭ ‬لنَتشبّث‭ ‬بالقَانون‭ ‬الذي‭ ‬يَضْمن‭ ‬لنا‭ ‬الوُصول‭ ‬إلى‭ ‬الحرّية‭ ‬التي‭ ‬نَتطلّع‭ ‬إليْها،‭ ‬لأنّه‭ ‬السِّلاح‭ ‬الذي‭ ‬يُحقّق‭ ‬للإنْسان‭ ‬إنْسانيته،‭ ‬ويُبْعده‭ ‬عن‭ ‬الاتكالِ‭ ‬على‭ ‬السُّلوك‭ ‬الهَمجيّ‭ ‬الذي‭ ‬يُحوّل‭ ‬المُجْتمع‭ ‬إلى‭ ‬غابةٍ‭ ‬يَأْكل‭ ‬القَوّي‭ ‬فيها‭ ‬الضّعيف،‭ ‬ويَتسبّب‭ ‬في‭ ‬الصّراعات‭ ‬والفَوْضى،‭ ‬ومنْ‭ ‬ثمّ‭ ‬الهَلاك‭ ‬الحَتْميّ،‭ ‬دُون‭ ‬الوُصول‭ ‬إلى‭ ‬أدْنى‭ ‬دَرجات‭ ‬الحرّية‭ ‬التي‭ ‬طَالما‭ ‬نَتعطّش‭ ‬اسْتنشاقها‭.‬

ولأَجْل‭ ‬بناءِ‭ ‬مُجْتمع‭ ‬يَسُود‭ ‬فيه‭ ‬القَانون،‭ ‬ويَتمتّع‭ ‬الأَفْراد‭ ‬فيه‭ ‬بالأَمْن‭ ‬والحرّية،‭ ‬ويَضْمن‭ ‬للجَميع‭ ‬حُقوقَهم‭ ‬المَشْروعة،‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬منْ‭ ‬تَنْظيمه‭ ‬قَانونيّاً،‭ ‬واحْترام‭ ‬الحرّيات‭ ‬العامّة‭ ‬والخَاصّة‭ ‬مُراعياً‭ ‬الجَانب‭ ‬العَام‭ ‬على‭ ‬الخاصّ‭. ‬يُمَارس‭ ‬الفَرْد‭ ‬حرّيته‭ ‬ضمْن‭ ‬ضَوابطَ‭ ‬اجْتماعيّةٍ‭ ‬ودينيّةٍ‭ ‬وأَخْلاقيّة،‭ ‬بحَيْث‭ ‬تَقف‭ ‬حرّية‭ ‬الفَرْد‭ ‬عنْد‭ ‬حرّية‭ ‬الآخر،‭ ‬دُون‭ ‬أنْ‭ ‬تَطْغى‭ ‬عليْها‭ ‬أوْ‭ ‬تَتسلّل‭ ‬إلى‭ ‬حُدود‭ ‬الغيْر،‭ ‬وقدْ‭ ‬جَاء‭ ‬في‭ ‬إعْلان‭ ‬حُقوق‭ ‬الإنْسان‭ ‬والمُواطن‭ ‬الصَّادر‭ ‬عنْ‭ ‬الثَّوْرة‭ ‬الفَرنسيّة‭ ‬عامْ‭ ‬1789م،‭ ‬تَعْريفاً‭ ‬للحرّية،‭ ‬جاءَ‭ ‬فيه‭ ‬‭:(‬الحرّية،‭ ‬هيَ‭ ‬القدْرة‭ ‬على‭ ‬عَمل‭ ‬كلّ‭ ‬شيْء‭ ‬لا‭ ‬يَضرّ‭ ‬بالآَخرين‭)‬،‭ ‬ليَأتي‭ ‬بعْد‭ ‬ذَلك‭ ‬دوْر‭ ‬السّلْطة‭ ‬السّياسيّة‭ ‬كَانت‭ ‬أمْ‭ ‬الاجْتماعيّة‭ ‬التي‭ ‬بيَدها‭ ‬مَقَاليد‭ ‬الأُمور،‭ ‬وتَقوم‭ ‬بمُوجب‭ ‬القَوانين‭ ‬عَلى‭ ‬تَنْظيم‭ ‬الحرّيات‭ ‬والحُقوق،‭ ‬وحِمايَتها‭.‬

الحرّية‭ ‬إذنْ‭ ‬لَيْست‭ ‬شِعاراً‭ ‬نًجوب‭ ‬بِها‭ ‬في‭ ‬حِلّنا‭ ‬وترْحالنا،‭ ‬أوْ‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬يُبرّر‭ ‬بأنْ‭ ‬يَتصرّف‭ ‬كلّ‭ ‬فَرد‭ ‬كَما‭ ‬يَحْلو‭ ‬لَه،إنّما‭ ‬هي‭ ‬التّعْبير‭ ‬عمّا‭ ‬يَدور‭ ‬في‭ ‬خَلجات‭ ‬النُّفوس‭ ‬منْ‭ ‬خِلال‭ ‬تَرْجمتها‭ ‬إلى‭ ‬الوَقائع‭ ‬بمَا‭ ‬لا‭ ‬يَضرّ‭ ‬الآخرين،‭ ‬وضمْن‭ ‬ضَوابط‭ ‬تَسْمح‭ ‬بها‭ ‬الأَخْلاق‭ ‬والقَانون،‭ ‬واعْتماد‭ ‬الأَسَاس‭ ‬الذي‭ ‬يُميّز‭ ‬كلّ‭ ‬مُجْتمع‭ ‬عن‭ ‬الآَخر‭ ‬مع‭ ‬الأَخْذ‭ ‬بعيْن‭ ‬الاعْتبار‭ ‬التَّركيبة‭ ‬الدّيموغرافية،‭ ‬أوْالدّينيّة،‭ ‬أوْالسّيكولوجيّة،‭ ‬أوْالقيَم‭ ‬والعَادات‭ ‬التي‭ ‬تَخْتلف‭ ‬فيما‭ ‬بيْن‭ ‬المُجْتمعات،‭ ‬دُون‭ ‬أنْ‭ ‬نُغْقل‭ ‬طَابع‭ ‬الخُضوع‭ ‬للقَانون‭ ‬لأنّه‭ ‬الفَيْصل‭ ‬الذي‭ ‬يَفْصل‭ ‬بيْن‭ ‬مَدى‭ ‬اسْتيعاب‭ ‬الشُّعوب‭ ‬للحرّية،‭ ‬وبيْن‭ ‬الحرّية‭ ‬بمَفْهومها‭ ‬المُطْلق،‭ ‬فنَمُوذج‭ ‬الحرّية‭ ‬الذي‭ ‬يُلائم‭ ‬البيئَات‭ ‬الغَرْبيّة‭ ‬التي‭ ‬وَصلت‭ ‬إلى‭ ‬المُسْتوى‭ ‬المُتقدّم‭ ‬منْ‭ ‬الحَضارة‭ ‬والمَدنيّة،‭ ‬لا‭ ‬يُلائم‭ ‬المُجْتمع‭ ‬الشَّرْقيّ‭ ‬الذي‭ ‬مَازال‭ ‬في‭ ‬الطَّوْر‭ ‬الأوّل‭ ‬من‭ ‬المَدينة،‭ ‬وهذا‭ ‬الاخْتلاف‭ ‬إنْ‭ ‬لمْ‭ ‬يكُنْ‭ ‬جَذريّاً‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّ‭ ‬هُناك‭ ‬بلا‭ ‬شكّ‭ ‬فَوارق‭ ‬جليّة،‭ ‬وَلا‭ ‬يُمْكن‭ ‬إخْفائها‮…‬‭.‬

حنطة ١٩34

برومو الشهيد ناجي الجرف