رحى

بين زبدة الشّعب وعيونه .. بندقيّة … حلقة -2-

د. عبد الفراتي

كُنّا‭ ‬قَدْ‭ ‬انْتهيْنا‭ ‬في‭ ‬الحَلقة‭ ‬الأُولى‭ ‬مِنْ‭ ‬هذا‭ ‬المُحْور‭ ‬الاِقْتصاديّ‭ ‬مِنْ‭ ‬سَرْد‭ ‬أَلْواحِ‭ ‬الزّبْدة،‭ ‬أَعْني‭ ‬مِنْ‭ ‬سَرْد‭ ‬مُنْجزات‭ ‬التّنميّة‭ ‬الاِقْتصاديّة‭ ‬الضّحْلة‭ ‬التي‭ ‬تَرَاكمتْ‭ ‬في‭ ‬الاِقْتصاد‭ ‬السّوريّ‭ ‬عبْر‭ ‬سِلْسلة‭ ‬زَمنيّة‭ ‬طَالت‭ ‬لِأكْثر‭ ‬مِنْ‭ ‬أَرْبعة‭ ‬عُقود،‭ ‬كَانَ‭ ‬ذَلك‭ ‬اخْتيارُ‭ ‬الزّبدة‭ ‬عَلى‭ ‬حِساب‭ ‬البُنْدقيّة‭. ‬أَمّا‭ ‬حَديثُ‭ ‬البُّنْدقيّة،‭ ‬فالحَديثُ‭ ‬يَطولُ‭ ‬وَيَطولُ،‭ ‬ويَبْدو‭ ‬أنّه‭-‬في‭ ‬المَدى‭ ‬المَنْظور‭- ‬حَديثٌ‭ ‬باقٍ‭ ‬ومُمْتد‭.‬

لَنْ‭ ‬نَعودَ‭ ‬إلى‭ ‬العُقودِ‭ ‬الأَرْبعة‭ ‬كَاملةً‭ ‬لِنَسْردَ‭ ‬حِكايةِ‭ ‬البُنْدقيّة،‭ ‬فَحَرارةُ‭ ‬السّنَوات‭ ‬الثّلاثِ‭ ‬الأُولى‭ ‬مِنْ‭ ‬عُمْر‭ ‬الثّوْرة‭ ‬كَفيلةٌ‭ ‬بِإذابَة‭ ‬أَعْتى‭ ‬مَصَانع‭ ‬الزّبْدة‭ ‬لأَقْوى‭ ‬اقْتصاديّات‭ ‬العَالم،‭ ‬ولِذا‭ ‬فَسنصْعد‭ ‬سُلّم‭ ‬مِقْياس‭ ‬الحَرارةِ‭ ‬الرّصاصيّ‭ ‬دَرجةً‭ ‬دَرجة‭ ‬مُنْذ‭ ‬بِداية‭ ‬الثّوْرة‭ ‬وُصُولاً‭ ‬إلى‭ ‬عَتَبة‭ ‬الاِنْصهار‭. ‬

بِدايةُ‭ ‬الحِكاية‭ ‬تَعُود‭ ‬إلى‭ ‬ايدْيولوجيّة‭ ‬العَسْكرة‭ ‬التي‭ ‬صَبَغت‭ ‬الاِقْتصاد‭ ‬السّوريّ‭ ‬مُنْذ‭ ‬سَبْعينيّات‭ ‬القَرْن‭ ‬المَاضي،‭ ‬ووِفْقاً‭ ‬لِهذا‭ ‬النَّهْج‭ ‬فإِنّ‭ ‬جزْءاً‭ ‬هامّاً‭ ‬منَ‭ ‬المُوازنةِ‭ ‬العَامّة‭ ‬للدّوْلة‭ ‬تَذْهب‭ ‬للمَجْهود‭ ‬الحَرْبيّ‭ ‬على‭ ‬اعْتبار‭ ‬أَنّ‭ ‬سُورية‭ ‬هيَ‭ ‬دَوْلة‭ ‬مُواجَهة‭ ‬خُرافيّة‭. ‬تَطوّر‭ ‬هَذا‭ ‬الجزْء‭ ‬لِيَتحوّل‭ ‬لاحِقاً‭ ‬إلى‭ ‬المَجْهود‭ ‬الأَمْنيّ‭ ‬والحِزْبيّ،‭ ‬ولتُصْبح‭ ‬المَوَارد‭ ‬الاقْتصاديّة‭ ‬عِهْدة‭ ‬أَمْنيّة‭ ‬تَحْرسها‭ ‬‮«‬أيَادٍ‭ ‬أَمينة‮»‬،‭ ‬ويَذْكر‭ ‬مَعْهد‭ ‬بُحوثِ‭ ‬الدّراسات،‭ ‬أَنّ‭ ‬الرّقَم‭ ‬المُخصّص‭ ‬للمَجْهود‭ ‬الحَرْبيّ‭ ‬لا‭ ‬يَتَجاوز‭ ‬الـ7‭% ‬مِنَ‭ ‬النّاتجِ‭ ‬القَوْميّ‭ ‬للبِلاد،‭ ‬وهُو‭ ‬أَمْر‭ ‬يَدْعو‭ ‬للسّخْرية‭ ‬قَبْل‭ ‬أَنْ‭ ‬يَكونَ‭ ‬للدّهْشة،‭ ‬فالمِلْيارات‭ ‬مِن‭ ‬اللّيرات‭ ‬التي‭ ‬صُرِفت‭ ‬وتُصْرف‭ ‬على‭ ‬آَلة‭ ‬الحَرْب‭ ‬وعَلى‭ ‬امْتداد‭ ‬الجُغْرافيّة‭ ‬السّورية‭ ‬تَحْتاج‭ ‬وبالأَرْقام‭ ‬التّقْديرية‭ ‬فَحسْب،‭ ‬إلى‭ ‬أَكْثر‭ ‬مِنْ‭ ‬نِصْف‭ ‬الإِنْتاج‭ ‬القَوْميّ،‭ ‬أَيْ‭ ‬مَا‭ ‬يُنَاهز‭ ‬الـ‭ ‬10‭ ‬مِلْيارات‭ ‬دولار‭ ‬على‭ ‬أَرْقام‭ ‬عَام‭ ‬2010‭. ‬كَما‭ ‬تُشير‭ ‬بَعْض‭ ‬التّقْديرات‭ ‬مِنْ‭ ‬تَقارير‭ ‬أُمَمية‭ -‬كتَقْرير‭ ‬الاسكوا‭ ‬مُؤخّراً‭- ‬إِلى‭ ‬أَنّ‭ ‬الحَرْب‭ ‬إذّا‭ ‬اسْتمرّت‭ ‬عَاماً‭ ‬آخَراً‭ (‬أَيْ‭ ‬إلى‭ ‬2015‭)‬،‭ ‬سَيكونُ‭ ‬النّاتج‭ ‬القَوْميّ‭ ‬بِرمّته‭ ‬في‭ ‬خِدْمة‭ ‬الدّيْن‭ ‬العَام،‭ ‬وسَتَقع‭ ‬البِلاد‭ ‬في‭ ‬شَللٍ‭ ‬نَقْديّ‭ ‬مُبَاشر،‭ ‬وتَتحوّلُ‭ ‬إلى‭ ‬مَدْيونيّة‭ ‬صرْفة‭.‬

لَيْس‭ ‬ذَلك‭ ‬سوى‭ ‬الدّرجة‭ ‬الأُولى‭ ‬مِنْ‭ ‬مقْياس‭ ‬الرّصَاص،‭ ‬إِذْ‭ ‬تَسْتمرّ‭ ‬الحَرْب‭ ‬مُنْذ‭ ‬ثَلاث‭ ‬سَنوات‭ ‬ومَعَها‭ ‬يَسْتمرّ‭ ‬النّزْف‭ ‬الاِقْتصاديّ‭ ‬مِنْ‭ ‬كلّ‭ ‬جَانب،‭ ‬فالجَيْش‭ ‬والشّبيحة‭ ‬ومَنْ‭ ‬في‭ ‬حكْمهم‭ ‬يَتقَاضوْن‭ ‬لِوحْدهم‭ ‬مَا‭ ‬يُقارب‭ ‬300‭ ‬مِلْيار‭ ‬ليرة،‭ ‬هَذه‭ ‬النّفقاتُ‭ ‬الطّارئة‭ ‬على‭ ‬المُوازنة‭ ‬لًمْ‭ ‬تَكُن‭ ‬بِهذا‭ ‬الحَجْم‭ ‬يَوْماً،‭ ‬فَلا‭ ‬يُخْفى‭ ‬عَلى‭ ‬أَحدٍ‭ ‬فَسادُ‭ ‬المُؤسّستيْن‭ ‬العَسْكرية‭ ‬والأَمْنيّة،‭ ‬وطَوابيرِ‭ ‬الرّواتِب‭ ‬والأَسْماء‭ ‬الوَهميّة‭ ‬التي‭ ‬تُقْبض‭ ‬شَهْرياً‭ ‬وهي‭ ‬عَلى‭ ‬الوَرَق،‭ ‬كَمَا‭ ‬يَقْبض‭ ‬مُعلّمو‭ ‬التّربيّة‭ ‬الوَهْميّون‭ ‬عَلى‭ ‬ذَات‭ ‬الوَرق‭. ‬هَذا‭ ‬لَيْس‭ ‬بِجَديد،‭ ‬الجَديد‭ ‬هُو‭ ‬حَجْم‭ ‬الوَرق‭ ‬وامْتدادُه،‭ ‬فالأَعْداد‭ ‬المُغطّاة‭ ‬حَديثاً‭ ‬بمَجْهود‭ ‬‮«‬الحَرْب‭ ‬الجَديدة‮»‬‭ ‬تَحْتاج‭ ‬إلى‭ ‬مَوارد‭ ‬مَوازنيّة‭ ‬جَديدة،‭ ‬فإِذا‭ ‬ما‭ ‬أُخِذ‭ ‬بالحِسْبان‭ ‬أَنّ‭ ‬كَثيراً‭ ‬مِنَ‭ ‬المَوَارد‭ ‬الاِعْتيادية‭ ‬للمُوازنةِ‭ ‬قَدْ‭ ‬خَرَجت‭ ‬مِنْ‭ ‬رقْبة‭ ‬وزَارة‭ ‬المَاليّة،‭ ‬واِنْتقلَت‭ ‬إِلى‭ ‬جَانب‭ ‬المُعَارضة،‭ ‬فالحلذ‭ ‬الوَحيد‭ ‬البَاقي‭ ‬هُو‭ ‬الوَرَق‭ (‬أَيْ‭ ‬الطّباعة‭ ‬لإِصْدار‭ ‬نَقْديّ‭ ‬جَديد‭) ‬يُغطّي‭ ‬كُلّ‭ ‬هَذا‭ ‬الجنُون‭ ‬المُنْتشر‭ ‬عَلى‭ ‬الأَرْض،‭ ‬لا‭ ‬أَدَلّ‭ ‬عَلى‭ ‬ذَلك‭ ‬مِنْ‭ ‬عَام‭ ‬2013‭ ‬الذي‭ ‬وَصَلت‭ ‬مُوازنتُه‭ ‬لِما‭ ‬يُقَارب‭ ‬1300‭ ‬مِلْيار‭ ‬ليرة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬لَمْ‭ ‬تَحْصَل‭ ‬وزَارة‭ ‬المَاليّة‭ ‬مِنْها‭ ‬سِوى‭ ‬630‭ ‬مِلْيار‭ ‬فَقَط،‭ ‬ومُوّل‭ ‬البَاقي‭ ‬طِباعةً‭ ‬أَغْرقت‭ ‬البِلادَ‭ ‬بِأَمْواجٍ‭ ‬مِنَ‭ ‬العِمْلة‭ ‬الوَرقيّة‭ ‬بِغِطاءٍ‭ ‬دَمَويّ،‭ ‬لا‭ ‬ذَهبيّ‭.‬

وتِلْك‭ ‬كَانتْ‭ ‬الدّرجة‭ ‬الثّانيّة‭ ‬في‭ ‬المِقْياس‭ ‬الرّصَاصيّ‭. ‬أمّا‭ ‬الدّرجة‭ ‬الثّالثة‭ ‬فَتخصّ‭ ‬قُوّة‭ ‬العَمَل‭ ‬السّورية،‭ ‬وَهي‭ ‬تَعْني‭ ‬‮«‬اصْطلاحاً‮»‬‭ ‬القَادرينَ‭ ‬عَلى‭ ‬العَمل‭ ‬والرّاغبينَ‭ ‬بِه‭ ‬مِنْ‭ ‬إجْمالي‭ ‬السّكان،‭ ‬وكُنّا‭ ‬قَدْ‭ ‬ذَكرْنا‭ ‬في‭ ‬الحَلَقة‭ ‬المَاضيّة‭ ‬أَنّ‭ ‬رخْص‭ ‬الأَيْدي‭ ‬العَامِلة‭ ‬السّورية‭ ‬ومَهَارتها‭ ‬الفّائقة‭ ‬قِياساً‭ ‬إلى‭ ‬مَثيلاتِها‭ ‬شَكّل‭ ‬عامِلاً‭ ‬مُهمّاً‭ ‬لِجَذْب‭ ‬الاِسْتثْمارات‭ ‬نَظراً‭ ‬لاِنْخفاضِ‭ ‬تَكاليفِ‭ ‬تَشْغيلها،‭ ‬لَكنّ‭ ‬سُخونَة‭ ‬البُنْدقيّة‭ ‬لا‭ ‬تَسْمح‭ ‬لِتلْك‭ ‬الأَلْواح‭ ‬الزّبديّة‭ ‬بالبَقاء،‭ ‬فَقدْ‭ ‬لَفتتْ‭ ‬بَعْض‭ ‬التَّقارير‭ ‬المُخْتصّة،‭ ‬أَنّ‭ ‬نسْبة‭ ‬السّوريين‭ ‬المُؤهّلين‭ ‬للعَمل‭ ‬والرّاغبين‭ ‬بالهِجْرة‭ ‬مِنْ‭ ‬ذَوي‭ ‬المُؤهّلات‭ ‬الجيّدة‭ ‬قَدْ‭ ‬جَاوزَت‭ ‬الـ16‭% ‬مِنْ‭ ‬إِجْمالي‭ ‬قُوّة‭ ‬العَمل‭ ‬خِلال‭ ‬العَاميْن‭ ‬الأَوّليْن‭ ‬للثّوْرة‭ ‬فَقطْ،‭ ‬وَهَذا‭ ‬الرّقَم‭ ‬مُرشّحٌ‭ ‬ليتَضاعَف‭ ‬مِراراً‭ ‬مَعْ‭ ‬تَتَالي‭ ‬أَعْوام‭ ‬الحَرْب،‭ ‬وهُو‭ ‬مَا‭ ‬يُهدّد‭ ‬بخَواءِ‭ ‬البِلادِ‭ ‬مِنْ‭ ‬صنّاعها‭ ‬المَهرة،‭ ‬ويُذكّر‭ ‬بِأيّام‭ ‬الغَزَوات‭ ‬القَديمَة‭ ‬حينَ‭ ‬سَاقَ‭ ‬جِنْكيز‭ ‬خَان‭ ‬أَمْهر‭ ‬الصنّاع‭ ‬مَعَه‭ ‬لتَزْيين‭ ‬عَاصمتِه‭ ‬وَتَرَك‭ ‬البِلادَ‭ ‬خَراباً‭ ‬في‭ ‬خَراب‭. ‬

ومَعْ‭ ‬خُروج‭ ‬نَحْو‭ ‬40‭% ‬مِنْ‭ ‬قُوّة‭ ‬العَمَل‭ ‬خَارج‭ ‬الخدْمة‭ ‬نَظَراً‭ ‬لاِنْتشار‭ ‬البَطالة،‭ ‬تَتَبادر‭ ‬إلى‭ ‬الذّهْن‭ ‬نِسَب‭ ‬الإِعَالةِ‭ ‬المُرْتفعة‭ ‬التي‭ ‬يُغطّيها‭ ‬العَاملونَ‭ ‬لِعَوائلهم‭ ‬حَيْث‭ ‬بَلَغت‭ ‬في‭ ‬سُورية‭ ‬نحو‭ ‬4،4‭ % ‬لكلّ‭ ‬عَاملٍ،‭ ‬وهي‭ ‬نِسْبة‭ ‬عَاليّة‭ ‬بالمُقَارنة‭ ‬مَع‭ ‬مَثيلاتها‭ ‬مِنْ‭ ‬الدّولِ‭ ‬المُجَاورة‭ ‬،‭ ‬تُعزّزها‭ ‬سيَاسَة‭ ‬تَحْديد‭ ‬النّسْل‭ ‬المَفْتوحة‭ ‬عَلى‭ ‬مِصْراعيْها‭ ‬أَصْلاً،‭ ‬مَا‭ ‬أَدّى‭ ‬لِتَفاقم‭ ‬المَأْساة‭ ‬وانْتقال‭ ‬أَثَرها‭ ‬خَارج‭ ‬قُوّة‭ ‬العَمَل،‭ ‬ويَعْمل‭ ‬مُعْظم‭ ‬مَنْ‭ ‬حَالفهم‭ ‬الحَظّ‭ ‬بأَكْثر‭ ‬مِنْ‭ ‬16‭ ‬سَاعةَ‭ ‬عَمَلٍ‭ ‬يَوْميّاً،‭ ‬وفي‭ ‬اخْتصاصاتٍ‭ ‬بَعيدةٍ‭ ‬عَنْ‭ ‬عَملهِم‭ ‬الأَصْليّ،‭ ‬ويُسبّب‭ ‬ذَلك‭ ‬مَا‭ ‬يُعْرف‭ ‬اصْطلاحاً‭ ‬بالبَطالةِ‭ ‬الاحْتكاكيّة‭ ‬النّاتِجة‭ ‬عَنْ‭ ‬تَغيّر‭ ‬العَمل‭ ‬وتَنقّل‭ ‬العَامل‭ ‬مِنْ‭ ‬مِهْنة‭ ‬أُخْرى‭ ‬وانْخفاضُ‭ ‬إِنْتاجيّته‭ ‬بالضَّرورة،‭ ‬مَا‭ ‬يُفْضي‭ ‬إِلى‭ ‬اِنْخفاضٍ‭ ‬لاحقٍ‭ ‬في‭ ‬النّاتج‭ ‬القوْميّ‭ ‬الإِجْمالي‭ ‬للبِلاد‭. ‬يُعزّز‭ ‬كلّ‭ ‬ذَلك‭ ‬التَضخم‭ ‬المُفْزع‭ ‬الذي‭ ‬ضَرَب‭ ‬كلّ‭ ‬مَرَافق‭ ‬الحَياة‭ ‬الاِقْتصاديّة‭ ‬والاجْتماعيّة،‭ ‬ووَصَل‭ ‬لِمسْتوياتٍ‭ ‬قِياسيّة‭ ‬تَجاوَزت‭ ‬الـ‭ ‬200‭ % ‬وأَكْثر،‭ ‬فيما‭ ‬يَخصّ‭ ‬الغِذائيّات‭ ‬عَلى‭ ‬نَحْوٍ‭ ‬خاص‭. ‬وَإنْ‭ ‬كَانَ‭ ‬كلّ‭ ‬ذَلك‭ ‬لا‭ ‬يَكْفي‭ ‬فَقدْ‭ ‬عزّزتْه‭ ‬السّياسَات‭ ‬الخَاطئة‭ ‬التي‭ ‬عَكَفت‭ ‬على‭ ‬التّدْريب‭ ‬الغَيْر‭ ‬مُتوازن‭ ‬واللامُتَناسق‭ ‬مَعْ‭ ‬مُتطلّبات‭ ‬سُوق‭ ‬العَمَل،‭ ‬مَا‭ ‬سَبّب‭ ‬هَدْر‭ ‬المِلْيارات‭ ‬مِنَ‭ ‬الليْرات‭ ‬جزَافاً،‭ ‬فَكَان‭ ‬أَوْضح‭ ‬حَلَقات‭ ‬ذَلك‭ ‬التّخبط‭ ‬بَرامج‭ ‬قُروضِ‭ ‬البّطالة‭ ‬التي‭ ‬أَحْدثت‭ ‬تَغيّراً‭ ‬هَجيناً‭ ‬في‭ ‬بُنْية‭ ‬سُوق‭ ‬العَمَل،‭ ‬فَأَخْرجت‭ ‬المُؤهّلين‭ ‬عِلْميّاً‭ ‬بِشكْل‭ ‬غَيْر‭ ‬مُباشر‭ ‬مِنْ‭ ‬سُوق‭ ‬العَمَل‭ ‬العِلْميّ،‭ ‬لتدْمجهم‭ ‬في‭ ‬أَعْمال‭ ‬ونَشاطاتٍ‭ ‬عَضليّة‭ ‬لا‭ ‬تَمتّ‭ ‬لِدراستِهم‭ ‬بِصلة،‭ ‬ولا‭ ‬تُراعي‭ ‬مُتطلّبات‭ ‬التّنْمية‭ ‬الهَزيلة‭ ‬أَسَاساً،‭ ‬وهُو‭ ‬ما‭ ‬أَذَاب‭ ‬التّراكمَ‭ ‬العِلْميّ‭ ‬والمَاديّ‭ ‬الذي‭ ‬أُنْفق‭ ‬عَليْهم‭ ‬في‭ ‬سَنواتٍ‭ ‬خَلَت‭.‬

‭ ‬لا‭ ‬يُذكّرني‭ ‬ذَلك‭ ‬سِوى‭ ‬بالآيةِ‭ ‬الكَريمة‭ ‬التي‭ ‬تَتحدّث‭ ‬عَنْ‭ ‬امْرأةٍ‭ ‬بمكّة‭ ‬كَاَنت‭ ‬تَغْزل‭ ‬أَثْواباً‭ ‬رائعةَ‭ ‬فتُبْقي‭ ‬العُقْدة‭ ‬الأَخيرة،‭ ‬فَتَعْمد‭ ‬إِليْها‭ ‬فَتنْسل‭ ‬الثّوْب‭ ‬كلّه‭ ‬قَبْل‭ ‬أَنْ‭ ‬يَكْتمل،‭ ‬فَضَرب‭ ‬الله‭ ‬لَها‭ ‬مثلاً‭ ( ‬وَلاَ‭ ‬تَكُونُواْ‭ ‬كَالَّتِي‭ ‬نَقَضَتْ‭ ‬غَزْلَهَا‭ ‬مِن‭ ‬بَعْدِ‭ ‬قُوَّةٍ‭ ‬أَنكَاثًا‭). ‬لَكنّهم‭ ‬نَقَضوا‭ ‬الغَزْل‭ ‬فَكُنا‭ ‬أَنْكاثاً‭.‬

ونَسْتمرّ‭ ‬في‭ ‬صُعود‭ ‬دَرَجات‭ ‬الحَرارة‭ ‬فَنَصل‭ ‬إلى‭ ‬المِيزان‭ ‬التّجاريّ‭ ‬وعَجْزه‭ ‬الاِسْتثنائيّ،‭ ‬فَلَم‭ ‬يَكنْ‭ ‬المِيزانُ‭ ‬التّجاريّ‭ ‬مِنَ‭ ‬الأُمور‭ ‬التي‭ ‬تَشْغل‭ ‬البَال‭ ‬الاِقْتصاديّ‭ ‬قُبيْل‭ ‬الثّوْرة،‭ ‬كَوْنه‭ ‬لَمْ‭ ‬يَتَجاوز‭ ‬الـ‭ ‬25‭ %‬،‭ ‬وكَان‭ ‬يُغَطّى‭ ‬نَفْطيّاً‭ ‬حَيْث‭ ‬أَنّ‭ ‬القِطّاع‭ ‬النّفْطيّ‭ ‬كَانَ‭ ‬يُدْخل‭ ‬ما‭ ‬يُقَارب‭ ‬تِلْك‭ ‬النّسبة‭ ‬فَيْبقى‭ ‬عَجْزاً‭ ‬بَسيطاً‭ ‬لا‭ ‬يُكاد‭ ‬يُذْكر‭. ‬لَكنّ‭ ‬الآيةَ‭ ‬انْقلَبت‭ ‬مَع‭ ‬سُخونة‭ ‬البُنْدقيّة،‭ ‬فالصَّادراتُ‭ ‬بِدايةً‭ ‬تَوقّفتْ‭ ‬نَتيجة‭ ‬خُروج‭ ‬حَلب‭ ‬خَارج‭ ‬المَشْهد‭ ‬الاِقْتصاديّ‭ ‬تَقْريباً،‭ ‬وتَحوّلتْ‭ ‬المِلْيارات‭ ‬التّسْعة‭ ‬مِن‭ ‬الدّولارَات‭ ‬التي‭ ‬كَانَ‭ ‬يدّرها‭ ‬التّصْدير‭ ‬إلى‭ ‬وَاردات‭ ‬صَافيّة،‭ ‬تُضَاف‭ ‬إلى‭ ‬عَجْز‭ ‬الوَاردات‭ ‬الأَسَاسيّ،‭ ‬كَما‭ ‬أَنّ‭ ‬النّفْط‭ ‬قَدْ‭ ‬خَرج‭ ‬عَمليّاً‭ ‬خَارج‭ ‬دَائِرة‭ ‬الحسَابَات‭ ‬المَاليّة‭ ‬كَوْن‭ ‬مُعْظم‭ ‬آَباره‭ ‬تَحْت‭ ‬سَيْطرة‭ ‬المُعَارضة‭ ‬أَوْ‭ ‬غَيْرها‭ ‬مِنَ‭ ‬الجَمَاعات،‭ ‬كَما‭ ‬أَنّ‭ ‬أَسْواق‭ ‬التّصْدير‭ ‬الأوربيّة‭ ‬والأَمريكيّة،‭ ‬قَدْ‭ ‬أُوصِدتْ‭ ‬بِوجْه‭ ‬مَا‭ ‬تَبقّى‭ ‬مِنَ‭ ‬الصّادرات‭ ‬السّوريّة،‭ ‬ولَمْ‭ ‬يَتبقَّ‭ ‬سِوى‭ ‬بَعْض‭ ‬الأَسْواق‭ ‬في‭ ‬روسيا‭ ‬وإيران‭ ‬وفَنْزويلا‭. ‬وهُو‭ ‬إِجْراءٌ‭ ‬لا‭ ‬يُمْكن‭ ‬اعْتباره‭ ‬سِوى‭ ‬حلاًّ‭ ‬مؤقّتاً‭ ‬لا‭ ‬يُمْكن‭ ‬التَّعْويل‭ ‬عَليْه‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬عَجْزٍ‭ ‬يَنْتهز‭ ‬الـ‭ ‬30‭% ‬في‭ ‬أَكْثر‭ ‬التّقْديرات‭ ‬تَفاؤلاً،‭ ‬ويَكْفي‭ ‬أَنْ‭ ‬نَعْلم‭ -‬لِسُخونةِ‭ ‬البُنْدقيّة‭ ‬والأَرْقام‭- ‬أَنّه‭ ‬ومُنْذ‭ ‬مَطْلع‭ ‬الثّوْرة،‭ ‬امْتنعَت‭ ‬السّلْطات‭ ‬الرّسْمية‭ ‬المَعْنية‭ ‬بِذلك‭ ‬عَنْ‭ ‬نَشْر‭ ‬أَيّ‭ ‬إِحْصائيّات‭ ‬أَوْ‭ ‬مُؤشّرات‭ ‬عَلى‭ ‬حَركةِ‭ ‬الاِسْتيراد‭ ‬والتّصْدير‭. ‬

نُواصِلُ‭ ‬السلّم‭ ‬صُعوداً‭ ‬وَمَعه‭ ‬تَزْداد‭ ‬سُخونة‭ ‬البُنْدقيّة‭ ‬ونَذُوب‭ ‬مَعْ‭ ‬زبْدتنا‭ ‬الرّائِبة‭. ‬إِنْ‭ ‬كَانَ‭ ‬الموْت‭ ‬وَاحداً‭ ‬كَما‭ ‬يَدّعي‭ ‬المُتنّبي،‭ ‬فإِنّ‭ ‬لَه‭ ‬أَلَماً‭ ‬يُضاهي‭ ‬أَسْبابه‭ ‬المُتعدّدة‭ ‬جَميعها‭ ‬حينَما‭ ‬يُقْتل‭ ‬المَرْء‭ ‬بسلاحٍ‭ ‬اشْتراه‭ ‬مِنْ‭ ‬عَرقِ‭ ‬جَبينه‭ ‬وضَنى‭ ‬دَمه‭. ‬لا‭ ‬تُؤْلم‭ ‬القَذيفة‭ (‬قَذيفة‭ ‬الطّائِرة‭) ‬وهي‭ ‬تَنْهال‭ ‬عَلى‭ ‬المَسَاكن‭ ‬الآَمنة‭ ‬قَدْر‭ ‬ما‭ ‬تُؤْلم‭ ‬الـ‭ ‬5000‭ ‬دولار‭ ‬التي‭ ‬تُكلّفها‭ ‬كلّ‭ ‬واحِدةٍ‭ ‬منْها،‭ ‬لتَسْتثْمر‭ ‬في‭ ‬الدّم‭ ‬وتُنْتج‭ ‬خَراباً،‭ ‬وأَلَماً،‭ ‬وقَهْراً‭ ‬يَكونُ‭ ‬نَاتجها‭ ‬القَوْميّ‭ ‬الجَديد‭ ‬وزِبْدتها‭ ‬السّوْداء‭ ‬الجامِدة،‭ ‬ولا‭ ‬نَمْلك‭ ‬إلاّ‭ ‬أَنْ‭ ‬تُصابَ‭ ‬أَعْيننا‭ ‬بفَوْضى‭ ‬الأَرْقام‭ ‬قَسْراً‭ ‬وهي‭ ‬تُشاهد‭ ‬32000‭ ‬دولاراً‭ ‬تحُلّق‭ ‬في‭ ‬سَماء‭ ‬سُورية‭ ‬يَوْمياً،‭ ‬ويَسْقط‭ ‬مِنْها‭ ‬12‭ ‬مَلْيون‭ ‬دُولار‭ ‬شَهْرياً‭ ‬ولَيْس‭ ‬في‭ ‬وِسْعنا‭ ‬حَتْماً‭ ‬أَنْ‭ ‬نُحْصي‭ ‬ما‭ ‬يَسْقط‭ ‬ومَا‭ ‬يَتمّ‭ ‬إِسْقاطه‭ ‬ومَا‭ ‬يَسْقط‭ ‬منّا‭ ‬ومَا‭ ‬يَتمّ‭ ‬إِسْقاطه‭ ‬قَسْراً‭.‬

تَتَضارب‭ ‬الأَرْقام،‭ ‬وتَتَضارب‭ ‬الإِحْصائيات‭ ‬حَوْل‭ ‬الأَعْداد‭ ‬الدّقيقة‭ ‬لِكلّ‭ ‬شَيْء،‭ ‬تَتحدّثُ‭ ‬بَعْض‭ ‬التّقاريرِ‭ ‬عَنْ‭ ‬3700‭ ‬دبّابة‭ ‬وأَكْثر‭ ‬مِنْ‭ ‬360‭ ‬طَائرة،‭ ‬وعَشَرات‭ ‬الآلافِ‭ ‬مِن‭ ‬الجنُود‭ ‬خَسرها‭ ‬النّظَام‭  ‬في‭ ‬مُحاوَلته‭ ‬قَمْع‭ ‬الثّوْرة‭ ‬حتّى‭ ‬الآن،‭ ‬ويًسْتدلّ‭ ‬البَعْض‭ ‬مِنْ‭ ‬سِجلات‭ ‬الجِيْش‭ ‬بِترْقين‭ ‬قُيود‭ ‬المِئات‭ ‬مِنَ‭ ‬الآليّات‭ ‬تَغْطيةً‭ ‬للْخَسائر‭.‬

‭ ‬يُهوّل‭ ‬البَعْض،‭ ‬ويُقلّل‭ ‬البَعْض‭ ‬الآَخر‭ ‬مِنْ‭ ‬كلّ‭ ‬ذَلك،‭ ‬أَمّا‭ ‬الرّقَم‭ ‬الأّكيد‭ ‬فهُو‭ ‬في‭ ‬أَحْسن‭ ‬الأَحْوال‭ ‬والتّقْديرات‭ ‬خسَارة‭ ‬سُورية‭ ‬بامْتياز‭ ‬ما‭ ‬يُقارٍب‭ ‬الـ‭ ‬150‭ ‬مِلْيار‭ ‬دُولار،‭ ‬مِنْها‭ ‬85‭ ‬مِلْيار‭ ‬حتّى‭ ‬الرّبْع‭ ‬الأوّل‭ ‬مِنْ‭ ‬عَام‭ ‬2013‭ ‬وَحْده‭.  ‬وَتُشير‭ ‬بَعْض‭ ‬الدّراسات‭ ‬إلى‭ ‬أَنّ‭ ‬تَكْلفة‭ ‬المَجْهود‭ ‬الحَرْبيّ‭ ‬قَدْ‭ ‬تَصل‭ ‬إلى‭ ‬مِلْيار‭ ‬دُولار‭ ‬شَهْريّاً‭ ‬مِنْ‭ ‬كافّة‭ ‬القِطّاعات‭ ‬الحَرْبيّة،‭ ‬وهُو‭ ‬ما‭ ‬يَعْني‭ ‬إِفْلاس‭ ‬النّظَام‭ ‬حِسابيّاً‭ ‬بَعْد‭ ‬18‭ ‬شَهْراً‭ ‬مِنَ‭ ‬الثّوْرة،‭ ‬باِحْتساب‭ ‬الرّصيدِ‭ ‬الأَساسيّ‭ ‬للقَطْع‭ ‬الأَجْنبيّ‭ ‬الذي‭ ‬كَانَ‭ ‬مُتوفّراً‭ ‬في‭ ‬البَنْك‭ ‬المَرْكزيّ‭ ‬قُبَيل‭ ‬اِنْدلاع‭ ‬الثّوْرة‭ ‬والمُقدّر‭ ‬بِنَحْو‭ ‬18‭ ‬مِلْيار‭ ‬دُولار‭. ‬

يَسْتمرّ‭ ‬التّدرجُ‭ ‬صُعوداً‭ ‬عَلى‭ ‬مِيزان‭ ‬حَرارة‭ ‬البُنْدقيّة،‭ ‬ونَزْداد‭ ‬صُعوداً‭ ‬‮«‬إلى‭ ‬الهَاويّة‮»‬،‭ ‬حَيْث‭ ‬تُشير‭ ‬بَعْض‭ ‬التّقْديرات‭ ‬إلى‭ ‬أَنّ‭ ‬نَحْو‭ ‬45‭% ‬مِنَ‭ ‬السّوريين‭ ‬قَدْ‭ ‬أَصْبحوا‭ ‬فِعْلاً‭ ‬تَحْت‭ ‬خَطّ‭ ‬الفِقْر‭ ‬العَالميّ‭ (‬والمُحَدّد‭ ‬بِأقل‭ ‬مِنْ‭ ‬1،25‭ ‬دُولار‭ ‬لليَوْم‭)‬،‭ ‬قِيَاساً‭ ‬إلى‭ ‬ربْع‭ ‬هَذا‭ ‬الرّقَم‭ ‬قُبيْل‭ ‬انْدلاع‭ ‬الثّورة‭ ‬حَيْث‭ ‬سجّل‭ ‬آَخر‭ ‬إِحْصاءٍ‭ ‬رَسْميّ‭ ‬نَحْو‭ ‬12‭ % ‬مِنْ‭ ‬إِجْمالي‭ ‬السّكان‭. ‬وَعنْدما‭ ‬نَتحدّث‭ ‬عَنْ‭ ‬45‭% ‬فَذَلك‭ ‬يَعْني‭ ‬رَقميّاً‭ ‬نَحْو‭ ‬12‭ ‬مَلْيون‭ ‬سُوريّ‭ ‬يَطُوفون‭ ‬قَسْراً‭ ‬فَوْق‭ ‬أَلْواح‭ ‬زبْدتهم‭ ‬الذّائِبة،‭ ‬وقَدْ‭ ‬سَاهَم‭ ‬مُعْظمهم‭ ‬في‭ ‬تَكْوين‭ ‬أَلْواحِها‭. ‬هُو‭ ‬ذا‭ ‬‮«‬تَوْقيت‭ ‬المُسدّس‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تَحدّث‭ ‬عَنْه‭ ‬درويش،‭ ‬تَوْقيتُ‭ ‬البُنْدقيّة‭ ‬التي‭ ‬تَقف‭ ‬حَائلاً‭ ‬بَيْن‭ ‬ريتا‭ ‬وعُيون‭ ‬الشّعب،‭ ‬تِلْك‭ ‬هي‭ ‬قصّة‭ ‬الزّبْدة‭ ‬والبُنْدقيّة‭ ‬قَبْل‭ ‬أَنْ‭ ‬تَكون‭ ‬القصّة‭ ‬ايْديولوجيّة‭ ‬سُلْطة‭ ‬حَاكمة‭ ‬هي‭ ‬بِكلّ‭ ‬تَأْكيد‭ ‬خَيار‭ ‬شَعْب‭ ‬عَليْه‭ ‬أَنْ‭ ‬يَخْتار‭ ‬إِنْتاج‭ ‬الزّبدة‭ ‬أَوْ‭ ‬إِنْتاج‭ ‬البُنْدقيّة،‭ ‬هُو‭ ‬دَافِع‭ ‬الضّريبة‭ ‬أوّلاً‭ ‬وآخِراً،‭ ‬لَيْس‭ ‬ضَريبَة‭ ‬مَاله‭ ‬فحسْب،‭ ‬بَلْ‭ ‬ضَريبة‭ ‬دَمِه‭ ‬أَيْضاً،‭ ‬ضَريبةَ‭ ‬سَنَوات‭ ‬عَملٍ‭ ‬مُضْنٍ‭ ‬وَعَرقٍ‭ ‬شَريف‭ ‬سَرَق‭ ‬في‭ ‬لَحْظة‭ ‬غَفْلةٍ‭ ‬ثَوْريّة‭ ‬وسُلطة‭ ‬تَفْهم‭ ‬اللّغة‭ ‬النّيْرونيّة‭ ‬وحَسْب،‭ ‬بَيْن‭ ‬التّدرج‭ ‬في‭ ‬المَنْحنى‭ -‬مَنْحنى‭ ‬الزّبْدة‭ / ‬البُنْدقيّة‭- ‬صُعوداً‭ ‬وهُبوطاً‭ ‬تَتَقافز‭ ‬أَلْواح‭ ‬الزّبْدة،‭ ‬وتَتَطاير‭ ‬رَصَاصاتُ‭ ‬البُنْدقيّة‭ ‬أُفقيّاً‭ ‬وعَمُوديّاً‭ ‬وَمَعَها‭ ‬يَتَطايرُ‭ ‬الشّعْب‭ ‬أَشْلاءً‭ ‬أَوْ‭ ‬إنْماءً،‭ ‬قَدْ‭ ‬يَغْدو‭ ‬الأَمْر‭ ‬سُرْيالياً‭ ‬عنْد‭ ‬أَحد‭ ‬طَرفيْ‭ ‬المَنْحنى‭ ‬لَكنّهما‭ ‬لَنْ‭ ‬يَجْتمعا‭ ‬في‭ ‬عَشَاءٍ‭ ‬رَبّانيّ‭ ‬أَبَداً‭.‬

حنطة ١٩36 حنطة ١٩37

برومو الشهيد ناجي الجرف